aren

مارادونا لاعباً في الظلمات : فيلم أمير كوستوريكا \\ كتابة : جهاد الزين
الخميس - 3 - ديسمبر - 2020

في فيلمه عن ومع مارادونا يحاول أمير كوستوريكا أن يشرح ظاهرة لماذا يتحوّل بطل كرة قدم عالمي إلى بطل للأمة الأرجنتينية ولماذا يصل الإعجاب بهذا اللاعب ببعض الأرجنتينيّين حد تأسيس “كنيسة مارادونا” كمذهب ديني للتعبد والصلاة وحتى الزواج عبر طقس طريف، لا نعرف هل ركّبهّ المخرج الصربي الكبير حين تتم عمادة المنتسب للكنيسة بأن يقفز ويدفع بإحدى يديه الكرة إلى داخل مرمى في ملعب لكرة القدم تيمّنا بأشهر خديعة في تاريخ كرة القدم حين قفز مارادونا في المباراة الخالدة مع الفريق الإنكليزي ورمى الكرة بخفة سريعة عبر يده اليسرى إلى داخل المرمى الإنكليزي ، محققا هدفا احتسبه حكم المباراة التونسي، لأنه لم ير حركة اليد ، وظنها على الأرجح بالرأس.

سيقول ماردونا لاحقا أن الهدف كان من فعل مشترك، “قليلا من رأسه وقليلا من يد الله”. وهو الذي اعترف أيضا لصحافي من بلاده أعدّ مذكراته في كتاب أنه سجّل مراراً بيده في نابولي كما في الأرجنتين ” لكن لم يكن أحدٌ يراني”. في الفيلم يقف المنتسب إلى كنيسة مارادونا أمام تمثال لرأس مارادونا موضوع في إطار ، كتلك الإطارات التي توضع فيها تماثيل السيدة العذراء ذات الواجهة الزجاجية ليدلي مع عروسه بقَسَم الزواج.

إنها تلك المباراة  التي حقّق فيها مارادونا أيضاً وبكفاءة ما سُمِّي يومها ولا يزال “هدف القرن” وهو هدف ثانٍ سجله حين راوغ وحده أكثر من نصف الفريق الانكليزي تقريبا وسجل الهدف ( الشرعي)في المباراة قبل النهائية التي حملت بلاده إلى الفوز بكأس العالم عام  1986 والتي استضافتها المكسيك.

في الحقيقة لم يكن لديّ انطباع عن ذكاء حاد تتسم به تعليقات مارادونا رغم متابعتي لبعض أنشطته وتصريحاته كعشرات الملايين من متابعي كرة القدم. إلا أن فيلم كوستوريكا لا ينقله فقط من مرتبة الشاطر إلى مرتبة اللامع بل يضفي على تعليقاته في الفيلم مسحة ثقافية ليس صعبا اكتسابها في أميركا اللاتينية بسبب عمق ثقافة الاعتراض على الهيمنة الأميركية في تلك القارة فيؤكد مارادونا أن أبطاله هم كاسترو أولا وغيفارا وتشافيز. وهو التقى وعن قرب باثنين منهم هما كاسترو تشافيز ولم يسعفه عمره أن يعرف غيفارا.

نعود إلى المباراة الخالدة. فقد كانت حرب الفوكلاند لم تخرج بعد من ذاكرة العالم، وهي الحرب التي اندلعت عام 1982 بين الأرجنتين وبريطانيا التي تحتل تلك الجزر منذ ما قبل منتصف القرن التاسع عشر وتعتبرها جزءا لا يتجزأ من السيادة البريطانية. في ذلك العام قام حكم الكولونيلات في الأرجنتين باحتلال الجزر وما “يحيط” بها وهي الواقعة قبالة ساحل الأرجنتين  ( أكثر من خمسمائة كيلومتر ) وبعض الجزر الأخرى كجيورجيا و وجزر سندويتش أبعد كثيراً في جنوب المحيط الأطلسي.

فوقعت الحرب التي انتصرت فيها بريطانيا واستسلمت الأرجنتين بعد 74 يوما من القتال. أدت الهزيمة إلى سقوط حكم الكولونيلات بسبب عمق الجرح الذي تركته هذه الهزيمة في الكرامة الوطنية الأرجنتينية. لذلك من المعروف أن هزيمة انكلترا بعد سنوات قليلة أمام الفريق الأرجنتيني وبالطريقة المهينة التي تمت فيها ( مراوغة مارادونا للفريق الانكليزي وتسجيل هدفه الشرعي الرائع) جعلتا الإحساس بالانتقام تعويضا عاليا لدى الأرجنتينيين وكان مارادونا هو البطل من دون منازع.

“إذا كان الكوكاكيين مخدِّراً فأنا مدمن مخدرات” يقول مارادونا لأمير كوستوريكا.  فهذ “الولد الشقي” الذي استنفَدَتْه صحيا المخدرات يأتي من بيئة فقيرة (جدا) كما يُظهرها الفيلم. المسألة الكبرى التي تُثار بمناسبة الفيلم هي لماذا تختار الشعوب أحيانا أشقياء (أي زعران بالمعنى المحبّب للصفة) لتحولهم إلى أبطال يمثّلون روح الجماعة؟ فحالة مارادونا حالة خاصة وليست عامة بين نجوم كرة القدم الذين لا تشوب سلوك معظمهم المعروف شائبة غير ما نسمعه أحيانا عن تهرب من الضرائب، فهؤلاء النجوم الذين نشاهدهم راكضين في الملاعب وبأعمار أغلبها تحت الثلاثين أقدامهم ذهبية لأنهم مجموعات من الأثرياء .

الجذر الشعبي لا يعني بالضرورة الشغب على القانون رغم المصدر الطبقي للنجم الآتي من بيئة محرومة. لدينا الآن في الثقافة الشائعة عالميا نموذج “روبن هود” الفلاح الثائر الذي يسرق الأغنياء ويعطي الفقراء. يعج الأدب الأميركي اللاتيني بهذه النماذج لا بل تعج آداب شعوب أخرى بنماذج كهذه.

يغنّي مارادونا في الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى عام 2008 في مهرجان كان، ويردد وراءه ساهرون تكتظ بهم حانة ليلية: parado parado . يتحدث عن المافيا الإيطالية التي لم تكن تريد الأرجنتين في بطولة كأس العالم وترغب في مباراة نهائية بين إيطاليا وألمانيا كما أضاف.

وكيف خرق فريق نابولي الجنوبي، الفريق الذي كان يلعب ضمنه، سطوة الشمال على بطولة دوري كرة القدم الإيطالي، كان سعيدا بعائلته حتى نسمع زوجته تقول: الكل يسألني كيف استطاع البقاء، لا أحد يسألني كيف استطعتِ أنتِ البقاء.

يضحك الولدالشقي من كل جوارحه ويكرر تبادل العناق الحار مع أمير كوستوريكا . سيصبح بطل الفيلم صديقا لمخرجه.

يحاول كوستوريكا بدءا من التانغو إلى كرة القدم أن يستكشف روح الأمة الأرجنتينية عبر دييغو مارادونا. يستعيد المخرج تعبير الشاعر والقاص الأرجنتيني بورخيس في تعريف التانغو بكونه “رقصة الأزواج المحزونين” ( the dance of grieving husbands ) لكن في ما يتعدى الفيلم فالتانغو بالنسبة لبورخيس في نص عن تاريخ التانغو هو جزء من مساهمات متعددة: “التانغو هو تعبير مباشر عن شيء حاول الشعراء غالبا وضعه في كلمات: الاعتقاد أن قتالاً يمكن أن يكون احتفالاً”.

كان دييغو مارادونا مقاتلاً دائما، من أولئك اللاعبين الذين ينزلون للقتال في ساحات الملاعب..

“كنا نلعب في الليل بلا أضواء كي نتعلّم كيف نرى الكرة أفضل”  يقول مارادونا لأمير كوستوريكا. 

                                                                    …………

لقد رأيتُ راقصي السامبا البرازيليين يلعبون الكرة على أرضهم في ريو دي جنيرو في مشهد من شرفة غرفتي في الفندق عام 2002 لن أنساه مطلقاً: ستة ملاعب متجاورة على كل منها يتدرب لاعبون من عمر مختلف، أطفالاً ففتياناً فشبّانا فأكبر عمراً. قلت لأصدقائي لاحقا: فقط لم أشاهد أطفالاً في سن الرضاعة بينهم.  ولكن مع الأسف لم تُتح لي فرصة أن أشاهد راقصي التانغو على أرضهم.

لقد كنتُ محظوظاً أن أتابع مارادونا وفريقه على التلفزيون في نقل مباشر  لمباراة عام 1986 الخالدة وكانت كهرباء بيروت مضيئة في عز الحرب! أقول ذلك وأنا من مشجّعي  الكرة البرازيلية. والله وليُّ التوفيق.

“النهار”اللبنانية