aren

ماذا يريد أردوغان من سوريا \\ كتابة :د.عصام نعمان
الإثنين - 10 - فبراير - 2020

اردوغان

الصراع على سوريا قديم، متعدد الأطراف والدوافع. تركيا انحازت دائماً إلى الغرب في سياسته الرامية إلى منع روسيا من الوصول إلى المياه الدافئة، إلى البحر الأبيض المتوسط تحديداً. الدافع الرئيسي للصراع كان استراتيجياً طوال القرن العشرين. ها هو يتحوّل إلى اقتصادي في القرن الحادي والعشرين ويتركّز على المياه والنفط والغاز. في هذا المجال يبدو حوض شرق المتوسط الساحة الرئيسية للصراع.

الأطراف المتصارعة متعددة، أبرزها أمريكا، تركيا، «إسرائيل»، مصر، سوريا ومعها حليفتها روسيا. في هذه الآونة يبدو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنشط اللاعبين في ساحات عدّة. مطامعه في سوريا متعددة الدوافع، وقد حملته أخيراً على الاصطدام بها عسكرياً وكاد كذلك مع روسيا. لماذا؟

سوريا منخرطة في حرب متصاعدة لتحرير أراضيها من تنظيمات إرهابية احتلتها بدعم مكشوف من أمريكا وتركيا. وعندما بدأت حملتها لتحرير محافظة إدلب شمال غرب البلاد حرّكت تركيا قوة عسكرية اصطدمت بالقوات السورية الزاحفة.

إلى ذلك، كانت حقول النفط على امتداد وادي نهر الفرات قد وقعت تحت سيطرة تنظيم «داعش»، وبعد تحريرها منه انتقلت السيطرة عليها إلى أيدي تنظيمات كردية سورية تموّلها وتسلّحها أمريكا. عندها قام الرئيس دونالد ترامب بنشر قوات أمريكية وسط المنطقة النفطية المشار إليها وأعلن اعتزام بلاده استثمار حقولها النفطية لمصلحة التنظيمات الكردية الحليفة. فوق ذلك، أعلنت تركيا أيضاً اعتزامها المشاركة في عملية استثمار الحقول النفطية السورية بغية استخدام عائداتها في توطين اللاجئين السورين لديها في «المنطقة الآمنة» التي أقامتها في شمال سوريا.

من جهة أخرى، وقّعت مصر و«إسرائيل» وقبرص اليونانية فيما بينها اتفاقاً لتقاسم خيرات المياه الإقليمية الاقتصادية التي تحوي حقولاً من الغاز الطبيعي ومدّ أنبوب غاز تحت الماء يصل إلى اليونان ويربط هذه الحقول ومنتوجها الغازي بأوروبا. مكمن النزاع هو في ادعاء تركيا أن لها الحق بالسيطرة على المياه الإقليمية الاقتصادية لقبرص التركية كما على المياه الاقتصادية الممتدة بين شواطئها وشواطئ ليبيا، وتهديدها بمنع وصول الغاز من حقول الغاز القبرصية والمصرية و«الإسرائيلية» إلى أوروبا ما يزجّها في صراعٍ مع كل الدول التي تمتلك حقول الغاز هذه ومع اليونان.

فوق ذلك، إن تركيا بادعائها حقوقاً وسيطرة على المنطقة الممتدة من شواطئها إلى شواطئ ليبيا، تكون في صدد تهديد حقل ظُهر المصري الغني بالنفط والغاز الواقع في منتصف المسافة البحرية بين تركيا وليبيا ما يؤدي إلى اندلاع صراع بينها ومصر.

إن احتمال انفجار حروب بين الدول الإقليمية الأربع المشار إليها، لن تقتصر تداعياتها على أطرافها فحسب بل ستشمل بالضرورة دولتين كُبريين تتداخل مصالحهما وسياساتهما بحقوق ومصالح مختلف اللاعبين الإقليميين. فالولايات المتحدة التي تتمركز عسكرياً في سوريا والعراق وتؤكد جهاراً أنها تسيطر على حقول النفط فيهما، لن تتردد في المشاركة مباشرة أو مداورة في الحروب الإقليمية المحتملة لدافعين اثنين: دعم «إسرائيل» إذا اقتضت أغراضها الأمنية ذلك، وتمكين الشركات الأمريكية من المشاركة في استثمار حقول النفط والغاز للحصول على حصة وازنة من عائداتها.

روسيا تتمركز عسكرياً في سوريا وتساندها في حربها على التنظيمات الإرهابية، ولاسيما في محافظة إدلب القريبة جغرافياً من قاعدتها الجوية في مطار حميميم قرب اللاذقية، وقاعدتها البحرية في طرطوس. إلى ذلك تساند موسكو دمشق في بسط سيادتها على كامل ترابها الوطني ولاسيما على مناطق حقول النفط شرقيّ الفرات بغية تمكينها من استثمارها والحصول تالياً على عائداتها لتمويل عملية إعادة الإعمار.

إلى ذلك كله، فإن إيران قد تبادر إلى مدّ يد العون لكل من سوريا والعراق إذا ما وجدت أن تدخل أمريكا عسكرياً فيهما، أياً كانت دوافعها، بات يشكّل تهديداً لأمنها ومصالحها. فهي مهتمة بإضعاف أمريكا إقليمياً للحدّ من نفوذها وصولاً إلى تمكين حليفتها سوريا من استثمار طاقتها النفطية والغازية وصولاً إلى المشاركة في تمويل وتنفيذ مشروع مدّ أنبوب نقل الغاز من إيران ومن سوريا والعراق لاحقاً، إلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وبالتالي إلى أوروبا.

باختصار، الصراع الإقليمي والدولي على الغاز، خصوصاً بعد تعاظم الحاجة إليه كبديل من النفط كونه صديقاً للبيئة، مرشح لتوليد صدامات واشتباكات لا يُستبعد تطورها إلى حروب طاحنة.

“الخليج”الاماراتية