aren

ماذا يدور بين “روسيا وسورية” ؟! \\ بقلم : د. فؤاد شربجي
الأحد - 20 - سبتمبر - 2020

الوفد الروسي رفيع المستوى ، الذي زار دمشق مؤخرا ، أوضح أنه جاء لينسق مع القيادة السورية ، خريطة الطريق للتعاون السياسي والاقتصادي بعد انتهاء الحرب على الارهاب ، وأكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ، ان امام سورية ، أهدافا وأولويات أخرى -غير عسكرية- سياسية واقتصادية ، وتنصب على اعادة العمران ، واستعادة دوران عجلة الانتاج … وأعلن وزير الخارجية السوري وليد المعلم ، ان علاقتنا مع روسيا تتحسن بشكل مثمر ، وواعد ، وان الاقتصاد السوري ، سيتحسن خلال أيام وأشهر .

ولكن ، وبعد سفر الوفد الروسي ، بدأنا نسمع تصريحات لبعض الموظفين الروس ، وبدأنا نقرأ لبعض الديبلوماسيين السابقين ، مايلمح الى عدم واقعية الطروحات السورية ، الصادرة عن (محللين سوريين) ، وهذا ماجعلهم يستنتجون خلافات بين موسكو ودمشق .

ورغم معرفة الكل ، ان هؤلاء المحللين ، غير مطلعين بشكل دقيق على تطورات الموقف السوري ، ومايزالوا يعاملون التطورات السياسية بأسلوب الدعاية ، اللازم، في محاربة الارهاب ، وربما يكون عذرهم ، انهم يهدفون بمبالغاتهم الى الحفاظ على قوة الروح المعنوية للجمهور.

لذلك من الخطأ البناء على مثل هذه المواقف ، للخروج باستنتاجات سياسية، قد تسيء للتحالف الروسي السوري .

ورغم كل ذلك ، فان السوريين وبسبب ثقتهم المبالغة بالحليف الروسي ، فانهم عندما تشتد الازمات عليهم ، يطفو على سطح الشعور الشعبي الفطري ، تساؤلات على شاكلة : أين الحليف الروسي ؟ لماذا نعاني أزمة محروقات وهو (الروسي) القادر على تزويدنا بمايرفع المعاناة عنا؟ . وهذا مثال لمواقف شعبية فطرية ، تعتمد على مدى ثقتها بالروسي ، وعلى مدى ماتقدمه سورية من مقابل اقصادي في مشاريع طاقة وفوسفات ، وموانئ … والخ…

ولايصدق السوريون ، ان تستعمل موسكو ، حاجة السوريين للمساعدة الاقتصادية ، من أجل الضغط على القيادة بأي أمر ، لا يحقق مصلحة السوريين ، وهذا ما يستشف من بعض المواد الاعلامية الروسية ، التي تصدر في موسكو ، وتروجها وسائل اعلام عربية وأجنبية ، معادية لسورية ، ولتحالفها مع موسكو .

وللاجابة على بعض ماطرحته، بعض الكتابات الاعلامية الروسية ، فان السوريين يتطلعون للمرحلة القادمة باحساس سياسي تاريخي (استراتيجي)، يقوم على اسس واضحة لهم :

1– وحدة الارض والشعب والمؤسسات السورية ، واعتبار ذلك حقيقة ، لايمكن قبول أي صيغة ، تشكل بابا جانبيا ، أو خلفيا للانفصال والتقسيم. واذا تم الاتفاق على توسيع حقوق الاكراد الادارية ، ضمن لامركزية ادارية ، فان هذه الصيغة ، يجب ان تتضمن كل مفاعيل تكريس وحدة الارض والشعب، لان اعطاء الحقوق ، يجب ان يكون حافزا للانتماء للوطن الواحد ، وليس ممرا مناورا للاتفصال . وبصراحة :

نريد لمفهوم وحدة سيادة الجمهورية العربية السورية ، أن يكون واضحا وجليا دون أي شقوق ، أو ثغرات.

2- السيادة السورية على الارض ، تجعل مسألة استعادة السيادة على الجزيرة السورية و(ادلب) من أولويات الدولة السورية في هذه المرحلة ، والمرونة السورية لاتمانع بتحقيق هذه السيادة بالسياسة ، عبر تسوية ، أو تكون كل الطرق ، ومنها المقاومة والعسكرية ، مباحة لتحقيق هذه السيادة

3– للسوريين ، حصرا، الحق في تقرير مصير ، وشكل وبنية نظامهم دون أي تدخل أجنبي ، وهذا أمر يصر عليه السوريون ، كي لا يتحول الحل السياسي الى مسار ينتج نظاما ، يخدم أجندات أجنبية.

4– بعد المعاناة من الحرب والارهاب والدمار والحصار ، فان السوريين يطمحون أن تكون الحقبة التالية ، سعيا لتحقيق الارتقاء الشامل ، وهذا مايحتاج الى :

أ- تقوية الدولة بتمكين مؤسساتها ، وتجديد آلياتها ، وتطوير نظم حوكمتها ، باعتماد الكفاءات والمواهب ، وهذا مايتطلب الالتزام بالدستور الحالي، أو المعدل أو (الجديد) ، وتطبيقه ، بمايحفظ التعدد ، وينشط التفاعل الحي بين مكونات المجتمع ، لتستمر الوحدة الوطنية ، المركز الجامع القوي للروح السورية العادلة ، الحضارية ، والمبدعة. وهذا يعني أن تخرج سورية من الحرب ، والحصار ، والمعاناة الى الارتقاء ، والفعالية ، والابداعية السورية.

وهكذا لن تعود سورية ، كما كانت قبل 2011 ، بل ستنطلق الى الستقبل أفضل ، أقوى ، أفعل ، أكثر حضورا ، دورا ، وفعالية.

ب- أول عوامل قوة الدولة ، الدستور ، الحافظ لجدوى سلطة الدولة ، والموحد لهذه السلطة ، كتعبير عن وحدة البلد ، لأن من أخطر الألاعيب ، حفظ وحدة التراب ، وتقسيم السلطة ، فيضيع القرار بين جهات تتنابذ السلطة. كما على الدستور ، أن يرسخ الطريق الى ديمقراطية ، تقوي الدولة بوحدتها وبكفاءة مؤسساتها ، وبقوانين تحقق العدل والمساواة والمشاركة ، وتحارب الفساد والمحسوبية ، وترسخ الهوية السورية الجامعة، كثقافة وايديولوجيا، وانتماء وحضارة. تبث في الشعب، طاقة الانتاج، الحضور، والابداع.

ج- التسوية ، لاتكتمل الا بتوفير كل مايحقق تجاوز آثار الحرب ، ويلغي أي حس بالانتقام ، ويعيد التفاعل بين الجميع ، وهذا مايمكن تحقيقه عبر مصالحة ، تجعل التفاعل الوطني مع أخوة الوطن، أساس الوجود ، وتلغي كل استتباع للاجنبي بشكل يتيح لكل الاطراف ، العمل على الغاء كل ما يمكن ان يفرق ، أو يعيد اشعال الصراع ، وهكذا تعالج جراح الحرب بمصالحة وطنية ، تجعل سورية واحدة ، حاضرة ، فعالة في المنطقة ، والعالم .

د- يعرف السوريون جيدا ، أن المنطقة والعالم ، تغيرت كثيرا مماكانت عليه العام 2011 ، كما ان ميزان القوى وخريطة القوى المؤثرة ، تغيرت أيضا في المنطقة ، ولكن السوريين يتمسكون بتحالفاتهم المثمرة مع روسيا وايران ، وكما يتعاطون مع القرار 2254 بروحية 2020 ، فانهم يعملون على تطوير علاقاتهم ، لتنسجم وفق الخريطة الجديدة للقوى المؤثرة في المنطقة والعالم بالتعاون مع حلفائها ، وخاصة روسيا.

و- ان استعادة السوريين لسيادتهم على أراضيهم وثرواتهم ومواردهم ، أساس أي حل ، وجوهر أي تسوية. فاذا كانت اللامركزية الادارية ، “حلا” في الجزيرة السورية ، فان اتفاقية “أضنه” مع بعض التوسيع ، أساسا للتعاون مع تركيا (بعد خروجها من ادلب).

وهكذا ، تكون السيادة على الثروات والموارد ، منطلقا لاعادة دوران عجلة الاقتصاد ، واعادة الاعمار ، وأساسا للانطلاق في عملية الارتقاء الشامل ، لتقوية الدولة بمستويات أرقى من العدل والمساواة ، والمشاركة السياسية ، والوحدة الوطنية.

هذا ما دار ويدور بين روسيا وسوريا . ولذلك فان السوريين ، مرتاحون للتعاون مع الاصدقاء الروس ، وفق مبدأ : “سيادة مع سيادة” ، بما يضمن عدم عودة الارهاب ، وبما يعمق دور البلدين في استقرار ، وأمن المنطقة ، وبما يجعل خريطة الاقليم ، محققة لمصالح شعوبها. السوريون والروس ، يتفاعلون في رسم طريق الازدهار بعد تحقيق الانتصار ، وهو استكمال لطريق ، يحتاج لقوة وبصيرة وحكمة ، ورؤية من الطرفين.

هذا مايطمح له السوريون باستمرار التعاون مع روسيا ، وهذا مايقوله السوريون لبعض المقالات الروسية،المشككة.