aren

مأساة غزة وقرب انفجارها \\ كتابة : حلمي موسى
الجمعة - 30 - مارس - 2018

غزة

في ذروة تأزم العلاقات بين الرئاسة في رام الله وحماس في غزة إثر تفجير موكب رئيس الحكومة رامي الحمد الله، أعلن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس أنه قرر اتخاذ «الإجراءات الوطنية والقانونية والمالية كافة، من أجل المحافظة على المشروع الوطني». وانطلقت الفصائل الفلسطينية وبعض القوى العربية التي فهمت الإعلان بأنه تمهيد لإجراءات عقابية أخرى على قطاع غزة تحت راية «تمكين» الحكومة بشكل كامل أو تحمل حماس بشكل كامل مسؤوليات حكم القطاع. وجاءت هذه الأقوال في حمى الحديث الصاخب عن تدهور أوضاع القطاع الإنسانية والاقتصادية واحتمالات انفجارها الأمني في وجه الاحتلال.

ليس صدفة أن تدهور العلاقات بين جناحي السلطة الفلسطينية في رام الله وغزة، جاء في حمى السجال حول «صفقة القرن» التي تسعى الإدارة الأمريكية لفرضها، وفي ظلال الحديث عن فشل المساعي المصرية في تحقيق المصالحة. ولأسباب مختلفة عمدت الإدارة الأمريكية إلى عقد اجتماع تشاوري حول أزمة قطاع غزة مع عدد من الدول والمؤسسات الدولية، قاطعته السلطة الفلسطينية. وتنظر أمريكا و««إسرائيل»» إلى أزمة قطاع غزة ليس على أساس إنساني، وإنما ضمن تقدير موقف يرى أن انفجار الأزمة هناك يمكن أن يقود إلى عواقب إقليمية وخيمة.

وفي كل الأحوال هناك إجماع حول أن الوضع المعيشي والإنساني في قطاع غزة كارثي بكل المقاييس. فهذا القطاع الذي يحده بحر مغلق وصحراء مغلقة وعدو أصم ويضم حالياً أكثر من مليوني نسمة عانى على مدى سني النكبة من الحصار. وقد تراكمت الأزمات بداخله بشكل كبير بعد اتفاقيات أوسلو، والعجز عن خلق التواصل الآمن بينه وبين الضفة الغربية وبينه وبين العالم عموماً. إذ رفض الاحتلال تشغيل «الممر الآمن» بين الضفة والقطاع كما رفض إنشاء ميناء في شاطئ غزة ودمر المطار بعد وقت قصير من إنشائه.

غير أن مأساة قطاع غزة تفاقمت جداً بعد الانقسام الفلسطيني السياسي إثر سيطرة حماس على قطاع غزة في العام 2007. ولم تفلح كل جهود سلطة حماس في اختراق الحصار الذي فرض عليها رغم بعض لحظات التنفيس ما دفعها مؤخراً لإبداء تنازلات لم تعتبر كافية في نظر رام الله. وكان الحصار ««الإسرائيلي»» في البداية بالغ الشدة لدرجة أن سلطات الاحتلال كانت تراقب حتى المواد الغذائية الواردة للقطاع وتحسب السعرات الحرارية التي فيها. وهدد الحصار الذي أريد له أن يمنع أي تطور وأن يُبقي سكان القطاع فوق الصفر منعاً للمجاعة، مستقبل أجيال بكاملها. وقد جرى ذلك كله في ظل صمت دولي كبير. ولم يلتفت الكثيرون لواقع أن من تجري معاقبته فعلياً كان الشعب الفلسطيني البسيط الذي لم يعد قادراً على تأمين مستلزمات الحياة اليومية لأبنائه.

وما زاد الطين بلة، أن قطاع غزة تعرض خلال العقد الأخير إلى ثلاثة حروب مدمرة، في الأعوام 2008-2009 و 2012 و 2014. ولم تكن هذه الحروب، على ما فيها من دمار وقتل وجرح وتشريد، نهاية المأساة التي ظلت متواصلة بما يسمى ب «حرب ما بين الحربين» وهي الاعتداءات ««الإسرائيلية»» على المزارع والمصانع في القطاع. وربما أن جزءاً من هذا هو ما قاد البنك الدولي ووكالة غوث اللاجئين، «الأونروا» قبل أعوام إلى الإعلان عن أن قطاع غزة لن يكون في العام 2020 مكاناً مؤهلاً للعيش الآدمي.

وقد تفاءل أهل القطاع قبل أشهر بعودة الوساطة المصرية لتحقيق المصالحة الوطنية والتي جاءت بعد تفاقم الوضع المعيشي للسكان إثر اتخاذ السلطة في رام الله إجراءات ضد القطاع بينها تقليص رواتب موظفيها بنسبة الثلث تقريباً. كما أوقفت السلطة تمويل جزء من واردات الكهرباء للقطاع وتقليص التحويلات الطبية، ما ألحق الضرر الكبير بقطاعات اقتصادية وصحية.

ولا يمكن عند الحديث عن أوضاع القطاع، القفز عن وكالة الغوث وما تعانيه مؤخراً من أزمة تمويل جراء الموقف الأمريكي الراغب في تفكيكها ضمن رؤيته لإلغاء حق العودة. وقد امتنعت إدارة ترامب عن تقديم حصتها الدورية للوكالة معلنة أنها تدرج ذلك في سياق محاولتها تطويع السلطة الفلسطينية ودفعها للقبول بالإملاءات السياسية التي تتضمنها «صفقة القرن». ولا يمكن معرفة أثر وكالة الغوث في أي مكان أكثر من قطاع غزة الذي يشكل اللاجئون حوالي ثلثي سكانه والذين يتلقون من الوكالة خدمات تعليمية وصحية واجتماعية فضلاً عن معونات غذائية لقسم كبير منهم.

ولشرح جانب من الوضع العام في القطاع يمكن الإشارة إلى وصف رئيس اللجنة الشعبية لرفع الحصار عن غزة، جمال الخضري الذي قال إن الأوضاع في القطاع «باتت الأسوأ على الإطلاق»، وأن الكارثة الإنسانية «أصبحت قاب قوسين من الفتك بالمدنيين» جراء التلوث وأزمات الطاقة والغذاء وأن «الوضع الإنساني مرعب ومخيف». وشدد الخضري على أن معدل الدخل اليومي للفرد في غزة يبلغ حوالي دولارين أمريكيين فقط، وأن نسبة الفقر وصلت إلى 80% من سكان القطاع. وحسب كلامه فإن حوالي 50% من سكان قطاع غزة مصنفون ضمن قوائم العاطلين عن العمل، في حين تزيد نسبة البطالة في صفوف الشباب على 60%.

وأكد الخضري على أن 25% من المنازل التي دمرها العدوان ««الإسرائيلي»» على قطاع غزة صيف 2014، بشكل كلي، لم يتم إعمارها بعد، بسبب عدم توفر التمويل اللازم، وعدم توفر مواد البناء، فيما يعاني القطاع الصناعي بشكل «كبير»، حيث تم إغلاق 80% من مصانع غزة، بشكل كامل أو جزئي.

وأضاف أن سياسة ««إسرائيل»» في محاصرة غزة تتجسد في الإجراءات التي تتبعها في المعبر التجاري الوحيد، كرم أبو سالم، حيث تمنع دخول أكثر من 400 صنف من المواد الخام اللازمة للصناعة في القطاع. وأكد أن المعطيات الدولية تشير إلى أن أكثر من 90 في المئة من مياه القطاع الجوفية لم تعد صالحة للشرب.

وكان الجهاز المركزي للإحصاء وسلطة المياه الفلسطينية قد أعلنا في بلاغ مشترك بمناسبة يوم المياه العالمي أن أكثر من 97% من المياه التي ضخت في العام 2016 في قطاع غزة لا تتوافق مع معايير منظمة الصحة العالمية.

وسبق لمنسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (أوتشا)، جيمي ماكغولدريك أن طالب العالم بالإسراع لدعم مشاريع تمنع الكارثة عن قطاع غزة. وقال ماكغولدريك، إن غزة «تشهد مأساة وتعتبر على حافة الكارثة وتتعمق الاحتياجات الإنسانية فيها». وشدد على ما أسماه «شلل الاقتصاد الذي تعوقه القيود المفروضة على حركة الأشخاص والبضائع، وأزمة الطاقة التي تترك الناس دون كهرباء لفترة تصل إلى 20 ساعة يومياً».

وأكد ما سبق من معطيات تقرير «مركز الميزان» لحقوق الإنسان في تقريره الأخير عن «واقع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في قطاع غزة خلال العام 2017م» والذي ربط بين الاعتداءات ««الإسرائيلية»» على القطاع والتي أدت لاستشهاد 31 مواطناً وإصابة ما يقرب من ألف، وبين موانع الوصول إلى الرعاية الطبية في الضفة والخارج والتي أودت بحياة 54 مريضاً. وأشار كذلك إلى زيادة نسبة من يترددون على مراكز الصحة النفسية بحوالي 69 % مقارنة بالعام 2016

“الخليج”