aren

لمصلحة من إضعاف القلعة الغربية لبنان؟ \\ كتابة : جهاد الزين
الخميس - 9 - يوليو - 2020

AUB

بدأ يظهر إلى العلن اعتقادُ بعض الأوساط الأميركية أن إضعافَ لبنان، اقتصاداً وثقافةً وتعليماً واستشفاءً ومؤسساتٍ للدولة في كل القطاعات سيساهم في حصار النفوذ الإيراني المتجذّر فيه عبر “حزب الله” ولاسيما أن هذا الإضعاف يوسّع الهوة بين الرأي العام اللبناني وبين الحزب وبصورة خاصة بين هذا الحزب والبيئة الشيعية اللبنانية التي بات يتحكّم فيها بمزيج أمني سوسيولوجي سياسي مالي خدماتي واسع. فإذا كان حزب الله قوة كبيرة ومتماسكة ومسلحة كجيش محترف في لبنان فهو عند الشيعة لكل هذه الأسباب نظام حكم متكامل لا يختلف كثيرا عن نظام الحكم في إيران. لديه محاكمه ومخابراته ومؤسساته. لكن لبنان الآخر، لبنان المناطق والطوائف والمؤسسات الأجنبية واللبنانية الكبيرة والعريقة، موجود وغير قابل للاستيعاب وهي جميعها كمؤسسات تمارس نوعاً من المقاومة السياسية والإعلاميّة والتربوية والأكاديمية والاقتصادية والثقافية والفنية والدياسبوريّة وحتى السياحية بل بالتأكيد السياحية كنمط حياة واستقبال. حتى الجزء الأهم ولو الأقلّي من النخبة الشيعية اللبنانية في لبنان والدياسبورا هو قوة مقاومة للنموذج الأصولي الإيراني.

كل هذه العناصر التي تجعل من لبنان قلعة غربية في المنطقة سيؤدي إضعافها وحتى إقفال بعضها إلى تعزيز النفوذ الإيراني وليس إضعافه لأن هذا النفوذ يمكنه أن يحمي نفسه عبر “حزب الله” من أي استياء أو غضب في الشارع اللبناني وطبعا في الشارع الشيعي. لهذا فإن النظرة الاستراتيجية للدور اللبناني القادر على معارضة أي مصادرة تتطلب تقوية كل مؤسساته العريقة التي يمتد عمر بعضها مئتي عام وأكثر وبعضها الآخر مائة وخمسين عاما كالجامعة الأميركية وبعضها الثالث تجاوز المائة عام كالجامعة اليسوعية وبعضها الرابع يقترب من المائة عام كعدد من دور النشر والمجلات والمدارس.

لهذا كم تبدو سطحية ومتسرعة بعض المقالات في الصحافة الأميركية التي راحت تحرّض ضد الجامعة الأميركية في بيروت بحجة نفوذ “حزب الله” اللبناني وسابقا نفوذ التيار القومي العربي ودائما نفوذ الراديكاليّين العرب فيها بينما كان مقال المعلق الأميركي دايفيد إغناتيوس في “الواشنطن بوست” قبل أسابيع قليلة (11حزيران 2020) دقيقا ومنصفاً في دعوته الحكومة الأميركية، وبالاستناد إلى اتصال مع رئيس الجامعة فضلو خوري، إلى استمرار دعم هذه الجامعة الذي “يصب ضمن المصالح الاستراتيجية” الأميركية في الشرق الأوسط والعالم العربي. من النماذج المضادة لمقال إغناتيوس مقال في مجلة “ناشيونال ريفيو” في 24 حزيران المنصرم حمل ردا مباشراً عليه واعتبر أن دعم الجامعة الأميركية في بيروت كمركز للثقافة الليبرالية في الشرق الأوسط لم يعد يستحق العناء وأن الحلم الدائم بأن يصبح لبنان مركزاً مواليا لأميركا تبدّد الآن. والمقال يورد أن حجم مساعدات الوكالة الدولية الأميركية التابعة للحكومة الأميركية USAID بلغ 66 مليون دولار على الأقل عام 2018.

على أي حال الخبر الجيِّد مؤخّراً هو إعلان السفيرة الأميركية في لبنان تخصيص عشرة ملايين دولار لكل من الجامعة الأميركية في بيروت(AUB) والجامعة اللبنانية الأميركية (LAU).

يجب الإنصاف أيضاً أن بالقول إن الوعي الرسمي الفرنسي والإعلامي لأهمية لبنان كقلعة غربية هو أكثر حساسية بمعزل عن قدرات الفرنسيين النسبية في الدعم. إن باريس التي تصطدم بمدى عصيان الطبقة السياسية اللبنانية الفاسدة على الإصلاح ينبغي أن تضع خطة طوارئ لدعم المؤسسات التعليمية والصحية وحتى الإعلامية والثقافية التي تشكل القوة الفعّالة بل الضاربة للتميز اللبناني والعديد منها هو جزء من المصالح الفرنسية العاملة في لبنان.

لذلك جاء تصريح السفير الفرنسي في بيروت عن قرار حكومي فرنسي بمساعدات مالية لعدد كبير من المدارس المعنية بالتدريس باللغة الفرنسية، و فوجئت به وسعدت ُوأنا لا أزال في طور كتابة هذا المقال، بدايةً مشجعة جدا تشير إلى وجود عملي لهذا الوعي الفرنسي بتقوية ما أمكن من المؤسسات اللبنانية التي تحصّن لبنان كقلعة غربية في المنطقة والعالم. وهذا كما يتضح من السياق يتخطى فكرة دعم الدولة اللبنانية المنهارة حاليا تحت وطأة مصادرة طبقة سياسية فاسدة وغير قابلة لأي إصلاح إلى دعم مؤسسات القطاع الخاص بل المجتمع الأهلي ذي البنية التربوية العريقة وبعضها الكثير سابق لتأسيس دولة “لبنان الكبير” وساهم الفرنسيون منذ القرن الثامن عشر وحتى قبل ذلك بتأسيسه كقاعدة سياسية لمصالحهم في المنطقة أثبتت نفسها مع تأسيس الدولة اللبنانية عام 1920.لقد كتبتُ مرارا أن لبنان الذي نعرف قد يكون الدولة الوحيدة في العالم التي نشأت حصيلة شبكة مدارس و جامعات خاصة. وهذا الامتداد التدريسي أصاب بعدواه النهضوية تأسيس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت في أواخر القرن التاسع عشر(ولاحقا في صيدا والنبطية).

ومن المعروف أن أحد أكبر وجوه ما سُمّي عصر النهضة العربية الشيخ محمد عبده أقام في بيروت عندما كان فاراً من سلطات الاحتلال البريطاني في مصر ودرّس في مدرسة مقاصد بيروت. (لماذا لا توضع لوحة تذكارية على المبنى الذي عمل فيه إذا كان لا يزال موجودا ؟ أو على أيٍّ من الأمكنة التي كان لإقامته صلة بها؟ أو أي تكريم آخر كتمثال؟)

المهم اليوم أن لا ينهار المعنى والفعالية اللبنانيان أمام الأزمة الساحقة الماحقة التي نعانيها بفعل تلازم الصراع على لبنان مع الأداء الفضائحي وغير المسؤول للطبقة السياسية اللبنانية بمختلف أجنحتها الأساسية. الأزمة الساحقة الماحقة التي جرفت معها مصداقية القطاع المصرفي العريق بفعل استسلام هذا القطاع بعد اتفاق الطائف وشراكته للطبقة السياسية التي حملت معها في إدارة السلم لاأخلاقيات الحرب الضروس التي عشناها بين 1975 – 1990.

إذن من وجهة النظر الاستراتيجية، إذا كان للثقافة والتعليم والمخزون التحديثي في أي مجتمع أن يُنتِج استراتيجيات، فإنه ينبغي على الغرب أن يعيد النظر في الفكرة القائلة أن إضعاف لبنان الحالي، هو إضعاف إحراجي وضاغط للنفوذ الإيراني الذي يستخدمه على مستويات مختلفة. العكس صحيح. قوة لبنان في قوته “الناعمة” القادرة على مقاومة فعّالة وعميقة للنفوذ الإيراني ولأي نفوذ أصولي سني أو شيعي. إطلاق الضغط على لبنان يشبه إطلاق النار على الرهينة التي يمسكها الخاطف بدل إنقاذها.

من الطبيعي على هذا المنبر انتظار المزيد من فرنسا والقوى الغربية التي تحمل “أسهماً” في التميّز اللبناني، المزيد من التعاون الفعال مع المؤسسات الخاصة اللبنانية ومع المجتمع المدني اللبناني الذي رغم ثورته الجهيضة اعتبارا من 17 تشرين هو اليوم في ذروة حيويته بقيادة جيل مقاوم للفساد ومدافع شرس ومتنوّر عن ثقافة تحديثية يريد هذا الجيل أن يتبنّاها لبنان الدولة. ولعل الدياسبورا اللبنانية في عواصم الغرب الكبرى مدعوة الآن في ظل الانهيار اللبناني إلى تنظيم أنشطة لنخبها تدور حول حماية و تعزيز “القوة الناعمة” للقلعة اللبنانية كقوة ناعمة ضاربة في زمن التكنولوجيا والاقتصاد الديجيتالي.

سأختم بحلم بعيد اليوم: أن نرى إيران داخل الموزاييك اللبناني، ليس دولة أيديولوجيا وحروب لا تنتهي بل دولة تقيم جامعة ومراكز ثقافية محترمة كما فعلت دول أخرى ذات رسائل حضارية وآخرها مصر جمال عبدالناصر مع تأسيس واستمرار جامعة بيروت العربية. نريد إيران التي تنقل ثقافة الأمة الفارسية العريقة التي خاطبها بإعجاب ليس فقط باراك أوباما بل أيضا جورج بوش الابن ودونالد ترامب وليس دولة تعصّب ديني، دولة تأتي إلينا بالموسيقى وتدغدغ أذواقنا بعزف آلة السنتور الحنونة لا دولة تحرّم الموسيقى حيث وُجِد متعصِّبوها. ولسنا في هذا الحلم بعيدين عن طموحات ملايين الشباب والنساء في المدن الإيرانية كما ظهر مراراً في الشوارع الإيرانية.

… لأننا نريد أن يحتفل أحفادنا بألفية لبنان الأولى وليس كما فُرض علينا نحن في مئويته الأولى: نكاد نمشي في جنازته… بين هذا العدد المخيف من اللصوص والسفلة والقتلة الذين صنعهم وصنعوا نظامه السياسي والعدد الأكبر بكثير من ضحاياهم المفقَرين والمعوزين.

“النهار”اللبنانية