aren

لماذا يُساء فَهْمُ السياسة الخارجية الإماراتية؟ \\ بقلم : د. ابتسام الكتبي
السبت - 13 - نوفمبر - 2021

في تغريدات نشرها على حسابه في “تويتر ” في السادس من الشهر الجاري، لفت الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، إلى أنّ “بعض التعليقات على التطورات الأخيرة في تونس والسودان حاولت المبالغة في دور الإمارات في ديناميات داخلية بشكل أساسي”، مشيراً إلى أن “هناك أيضًا ميلاً من قبل بعض المعلّقين إلى تحريف نوايا الإمارات بطريقة لا تعكس الواقع”. وقد أكّد المسؤول الإماراتي في تغريداته أن “دولة الإمارات العربية المتحدة تعمل مع شركاء لتعزيز الاستقرار الإقليمي، وتسعى إلى بناء جسور بهدف تخفيف التوترات”، مضيفاً “نحن ندرك أن الاستقرار يعتمد على معالجة الحكومات للمشاعر الشعبية وتجنب تهميش شرائح المجتمع”. وفي إطار تنويهه بأهمية ووجوب “الإشادة بأية جهود للحد من التوتر وبناء توافق سياسي وتقوية الشراكات الإقليمية”، أوضح قرقاش أن “دولة الإمارات العربية المتحدة تؤمن بأن الحوار والعمليات الشاملة وتجنب المواجهة يجب أن تكون الأدوات الرئيسية في إدارة كل من النزاعات الداخلية والعلاقات الإقليمية”.

في الواقع، ليست ممارسة النقد الذاتي، أو الإقدام على المراجعات المستمرة للمواقف والسياسات سلوكاً شائعاً في العمل السياسي العربي، إلاّ ما ندر. كما أنّ من آفات العمل السياسي والإعلامي في المنطقة العربية حملات تصيُّد الأخطاء وتشويه السمعة إلى حد “الشيطنة”؛ بغية تحقيق هدف القائمين على هذه الحملات، وهو عزل المستهدف عن محيطه العربي والتشكيك في أهدافه وسياساته ومواقفه. ولربما يكون كل من ينتهج سياسة واقعية شفافة أو مختلفة، بعيدة عن الشعبوية والمتاجرة بالعواطف هدفاً محتملاً لهذه الحملات.

والحقيقة أنه في التقييم العام، يبدو أن دولة الإمارات أظهرت خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين استعدادَها وقدرتها على استخدام أدوات متنوعة، منها القوة العسكرية، لمكافحة التهديدات – الفعلية أو المتصورة – بعيداً عن الأراضي الإماراتية. واتضح أن تلك التهديدات تكاد تتمحور حول تنظيم “الإخوان المسلمين” والتطرف والإرهاب، وسياسات إيران ووكلائها من المليشيات، وكذلك سياسات واستراتيجيات تركيا. برغم ذلك، استقبلت الإمارات عام 2021 بتفاؤل بطي صفحة الخلاف، وتأكيد الحلول الدبلوماسية في تخفيف بؤر التوتر في الإقليم، وإعادة توجيه الأولويات والموارد نحو توسيع الشراكات التجارية، والتعافي ما بعد كوفيد-19، والتركيز على تعزيز البيئة التنافسية الإماراتية، وتطوير الاقتصاد وتكييفه لعقود مقبلة؛ تحكمها الرقمنة والحلول التكنولوجية، والتحوّل نحو الطاقة النظيفة، والتوسّع في مشاريع تطوير البنى التحتية والربط الإقليمي.

وفي إطار التقييم الموضوعي لقدراتها الذاتية، تُحذِّر الإمارات من محاولات أطراف في المنطقة تضخيم دورها الإقليمي، من خلال حملة من “الأخبار الكاذبة”. وترى الإمارات أن هذه “الحملات” و”المبالغات” قد تكون لأهداف مُغرضة من قبل خصومها الإقليميين؛ ممن يُصوّرون الإمارات وكأنها وراء كل حركة أو تخطيط سياسي في الإقليم. ولتوضيح ذلك يقول مسؤول إماراتي إن “تضخيم دور الإمارات، (في شكلٍ) يبيّنها وكأنها الرقم الصعب والدولة التي ترفع لواء التصدي للتدخلات الإقليمية في الشأن العربي، دعايةٌ مجانيةٌ لا نستحقها كلها، فنحن شريك لقوى خيّرة في المنطقة، تسعى إلى الاستقرار والتنمية وترفض الخضوع العربي للقوى الإقليمية. (ونرى أنّ) مقصد هذه الحملات شيطنة الإمارات، ولكنه في جزء منه إقرار بمحورية الإمارات ومصداقيتها”، بحسب المسؤول.

وتُقدّم الإمارات نفسها على أنها تتبنى في أدوارها الإقليمية استراتيجيةً دفاعية لا هجومية، فهي لم ترغب في الانخراط في النزاعات، ونموذجها التنموي عمادُه الاستقرار الذي يجذب التجارة والاستثمارات، لكن الضغوطات كانت كبيرة، ودفعتها إلى إجراء تحولات مفصلية على سياستها الخارجية وعقيدتها الدفاعية. فهي شاركت ضمن قوات “درع الجزيرة”، في عملية حفظ الأمن وتعزيز الاستقرار في البحرين عام 2011، بطلب من الحكومة البحرينية نفسها، وشاركت في عام 2011 مع “الناتو” في ليبيا ضمن قرار من مجلس الأمن رقم 1973 الصادر بتاريخ 17 مارس 2011، كما انخرطت في اليمن في 2015 بدعوة رسمية من حكومة عبد ربه منصور هادي.

وفي كل الأحوال، يمكن القول إن محصلة الحركة الإقليمية لدولة الإمارات طوال العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين ليس بالضرورة أن تكون قد قادت دائماً إلى ترجمة تلك الحركة متعددة الجوانب والأشكال إلى مكاسب استراتيجية فعلية مستدامة، وبالتالي فإن منحنى تلك المكاسب لم يكن في حالة صعود مستمر أو مستقر. ومثل هذا النقد الذاتي مفيد وصحي. وهذا المنحنى المتفاوت في حسابات الأرباح والخسائر، في الحقيقة، حال اللاعبين الآخرين، الذين تفاوتت مكاسبهم وخسائرهم من فترة لأخرى، ومن ملف لآخر، وبدا أحياناً أن معركة الانسحابات التكتيكية والتراجع والتقدّم جزء من تجليات صراعات وتنافسات المحاور الإقليمية والدولية، وعدم بقائها على حال واحدة باستمرار؛ وتحديداً في ساحات التنافس على النفوذ في المنطقة والإقليم، وإنفاذ الرؤى والبرامج والاستراتيجيات المختلفة للاعبين.

إنّ أهداف الإمارات في دعم الاستقرار والاعتدال والتنمية لم تتغير، حتى لو اختلفت الوسائل والأدوات، وقد قادت الإمارات في العامين الماضيين مراجعات واضحة في سياستها الخارجية في ظل هذا السياق؛ سواء في اليمن ومع إيران وتركيا وقطر؛ من أجل طي صفحة الخلافات وتعزيز فرص الاستقرار الإقليمي والتهدئة وتمكين منطق بناء الجسور، وجعل الاقتصاد والسياسة مسارين متوافقين لا متنافرين، وهو نهج واقعي لا يتسق مع ما يردده البعض من مبالغة في تصوير دور الإمارات “في ديناميات داخلية بشكل أساسي”، في دول ذات سيادة مستقلة؛ مثل تونس والسودان وغيرهما من الدول الشقيقة.

“رئيسة مركز الإمارات للسياسات . والمقال نُشِرَ في الأصل في صحيفة “ذا ناشيونال.

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها