aren

لماذا لا تصلح أوروبا بديلاً عن أميركا في الاتفاق النووي؟ \\ كتابة: د. مصطفى اللباد
الأربعاء - 6 - يونيو - 2018

 

منذ انسحاب الرئيس الأميركي ترامب من الاتفاق النووي الذي وقّعته بلاده مع خمس دول كبرى أخرى مع إيران، انقلب المزاج الدولي بشكل ملحوظ. وتوالت التعليقات الأوروبية المنددة بقرار ترامب، وشدّ المسؤولون الإيرانيون الرحال إلى العواصم الأوروبية، بحثاً عن «ضمان مصالح» يبقي إيران في إطار الاتفاق النووي، حتى بعد خروج واشنطن منه.

اختارت إيران أوروبا لبدء حملتها الدبلوماسية المعادية لترامب، في محاولة لشق التحالف الغربي؛ إذ إن أطلسيا منقسما من شأنه تخفيف الضغط كثيراً على طهران بعد خطوة ترامب. كما أن أنواع العقوبات المصرفية التي عانت منها إيران قبل إبرام الاتفاق النووي، يمكن فقط التصدي لها بمشاركة أوروبية فعالة، لأن أقصى مشاركة لدول مثل تركيا والهند هو شراء النفط مقابل الذهب، وأفضل ما يمكن لروسيا والصين أن تقدماه هو تكنولوجيا التنقيب عن النفط، وهي مقارنة بالتكنولوجيا الأميركية متخلّفة بأشواط.

وفوق ذلك كله تتطلع الشركات الأوروبية المختلفة إلى النفاذ للسوق الإيرانية، ومنها إلى أسواق آسيوية أخرى، وبالتالي تأكيد حضورها على المستوى الدولي. وعلى الرغم من ذلك تبدو المهمة صعبة على الشركات الأوروبية، ولنكن أكثر دقة على الشركات الألمانية والفرنسية والإنكليزية؛ إذ إن باقي الدول الأوروبية لا تقدر ولا تستطيع التفكير في سبل لمواجهة أميركا تجارياً.

اشتعلت المنافسة التجارية الأميركية ــــ الأوروبية فأصبحت العلاقات بين ضفتي الأطلسي ليست في أفضل حالاتها، ولكن حتى لا نخطئ الفهم: لا يعود ذلك إلى إيران وإنما إلى مصالح الشركات الأميركية والأوروبية ذاتها. على سبيل المثال، شركة توتال النفطية الفرنسية كانت تفكر في استثمارات تبلغ مليارات عدة من الدولارات في إيران، كما أن شركة بيجو لصناعة السيارات لها نصيب في السوق الإيرانية، وتتمنى توسيعه.

على ذات المنوال شركة إيرباص للطائرات كانت قد اقتربت من إتمام الاتفاق مع إيران لشراء مئة طائرة مدنية قبيل انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق. ويعود السبب في إحجام الشركات الأوروبية الكبرى عن الاستثمار في إيران إلى خشيتها من اليد الثقيلة لواشنطن في الأسواق الدولية، فإذا ربحت تلك الشركات الأوروبية شيئا في إيران فإنها تخسر أضعافه في أسواق أخرى. لنضع نصب أعيننا ــــ وبعيداً عن رعونة أداء ترامب ورأي أي منا فيه ــــ أن حجم الاقتصاد الأميركي هو 18 تريليون دولار، في حين إن حجم الاقتصاد الإيراني هو 400 مليار دولار فقط. وبالتالي فالقرار يبدو محسوماً لصناع القرار في الشركات الأوروبية الكبرى، إذا ما تأكدوا أن المعادلة ستقوم على أساس: إما التجارة معنا، أو مع إيران.

ولننظر أيضاً إلى موقف لندن: تعد الأخيرة هي الأقرب تاريخياً إلى المواقف الأميركية، ولانكلترا مصالح نفطية تاريخية في إيران (شركة النفط الأنغلو-فارسية التي تحوّلت لاحقاً إلى «بريتيش بتروليوم»)، وفي الوقت نفسه لانكلترا مصالح مماثلة، وربما أكثر في دول الخليج العربي. على ذلك، لا تريد لندن تزعم مواقف راديكالية وتترك ذلك على ألمانيا المتضرر الأول، وفرنسا المتضرر الثاني. لألمانيا مصالح اقتصادية كبرى في إيران، وحتى مفاعل بوشهر النووي كان ألماني الصناعة وبنت أساسياته شركة سيمنس الألمانية، قبل أن تنسحب من المشروع بعد انتصار الثورة الإيرانية. تأمل ألمانيا ــــ على جناح الاتفاق النووي والتطبيع مع إيران ــــ في العودة إلى الأسواق الإيرانية، ومِن ورائها إلى أسواق آسيا الصاعدة باستخدام إيران كمحور ارتكاز، لكن انسحاب الرئيس الأميركي ترامب من الاتفاق النووي مع إيران ذهب بهذه الآمال العراض إلى اللامكان.
أوروبا ليست واحدة على المستوى السياسي، ولا ننسى أن من فتح موضوع الحديث عن «إعادة التفاوض» حول الاتفاق النووي كان الرئيس الفرنسي ماكرون، في اجتماعه مع الرئيس ترامب بواشنطن قبل أسابيع. وحجم الاقتصاد الأميركي يُمكّن ترامب ــــ إذا تطلب الأمر ــــ من الاستفراد بأي شركة كبرى أو مجموعة شركات تخرق العقوبات الأميركية التي سيفرضها على إيران. على السطح تبدو أوروبا بديلاً جذاباً؛ لكن في العمق يبدو الأمر مختلفاً.

“القبس”