aren

لماذا اللامركزية، والعلمانية ضروريتان لسورية؟ \\ بقلم “د. منذر خدام
الخميس - 28 - فبراير - 2019

قدري

ثمان سنوات من الصراع المسلح في سورية كشفت كم كان المجتمع السوري هشا، تسود فيه البنى الأهلية. إن اكثر من خمسة عقود من حكم حزب البعث، القومي العروبي، الاشتراكي، لم يفعل شيئا سوى المحافظة على التكوين الاجتماعي القائم على الهويات الأهلية الصغرى، وتعميقها وترسيخها.

لذلك ما إن ضعفت القبضة الأمنية للاستبداد، التي تشكل اللاحم الأكبر لها، حتى خرجت تعبر عن وجودها، ودورها بكل وضوح، وقوة، وفعالية. إن القول بوجود هوية سورية جامعة متحققة، خارج حدود المجال الايديولوجي مجرد كذبة، والأكاذيب لا تصير حقائق مهما غلفتها، وزينتها، وحاولت فرضها بالقوة.

إن البحث الرصين في اسباب الأزمة الراهنة في سورية، عداك عن البحث في خرائط طريق محتملة لتجاوزها، ينبغي ان يقر :

اولاً؛ بهشاشة النسيج الاجتماعي السوري، وان الهويات الصغرى الدينية، والقبلية، والعشائرية، وحتى العائلية، لا تزال هي السائدة فعليا فيه.

ثانيا؛ عليه ان يقر بوجود تكامل وظيفي بين الاستبداد، وهذه البنى الأهلية، فهو يرعاها ويحافظ عليها، وهي بدورها تؤمن له الخلفية الاجتماعية، التي تمده بعناصر قوته. وعليه فإن العقبة الكأداء التي تحول دون تجاوزها إلى الدولة الوطنية، والهوية الوطنية الجامعة، هو النظام الاستبدادي الشمولي المتمحور حول سلطة مركزية شديدة المحافظة.

ثالثا؛ إن الأزمة الراهنة، وما نتج عنها من مآس، ودمار، وتهتك في النسيج الاجتماعي خلقت مصاعب لا تحصى أمام اعادة اللحمة للنسيج الاجتماعي، حتى على أساس البنى الأهلية، فكيف على أساس البنى الطبقية، والمهنية، الوطنية.

رابعا؛ إذا كان الحال هو كذلك، فإن اعادة صهر البنى الأهلية لتشكيل هوية وطنية جامعة منها يحتاج إلى وقت، وإلى ظروف مناسبة، وإلى طرق واساليب مناسبة. من هذه الظروف والأساليب المناسبة الانتقال من المركزية الشمولية للسلطة، إلى اللامركزية، وتوزيع السلطات على الإدارات المحلية.

خامساً؛ ينبغي أن يكون واضحا أن الهدف ليس إلغاء وجود البنى الأهلية، والهويات الصغرى المطابقة لها، في غير سياقات اضمحلالها الطبيعية مع الزمن، بل الحد من دورها في الشأن العام، والانتقال التدريجي منها إلى تفعيل دور الهويات الطبقية، والمهنية، والسياسية الوطنية .

على افتراض أنه تم الانتقال إلى نظام ديمقراطي، تعددي، تداولي، للسلطة بصورة سلمية، وهو الشرط الأول الضروري لفتح الطريق امام خلق هوية وطنية جامعة، فإن الشرط الثاني الضروري هو التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الشاملة، والمتوازنة. اما الشرط الثالث فهو اعادة النظر في تمركز السلطات، لإشراك السكان في ادارة شؤونهم الخاصة،

في النماذج الأوروبية للديمقراطية أدى الاقتصاد الدور الحاسم في صهر البنية المجتمعية، واعادة تشكيلها على أسس وطنية. وفي ظروف بلدنا سوف يكون للاقتصاد دوره الحاسم أيضا، لكن ليس كمدخل، أو بداية طريق لصهر البنى الأهلية، واعادة تكوين هوية وطنية جامعة منها.

المدخل هنا هو مدخل سياسي بالضرورة، أي من خلال تغيير النظام السياسي الاستبدادي إلى نظام ديمقراطي مناسب. في هذا المجال تقدم لنا “اسرائيل” نموذجا فريدا، ولا ضير من الاستفادة من تجارب العدو!.

في سياق التخطيط لإنشاء الكيان الصهيوني اشتغل رواده الأوائل على حل معضلة كانت سوف تواجهه لا محالة، وهي تتعلق بكيفية دمج البنى المجتمعية اليهودية المختلفة إلى حد التباين عن بعضها البعض، بحكم تباين المجتمعات التي وفدت منها.

لم يكن يجمع مثلا اليهودي اليمني، او العراقي، او الأثيوبي، باليهودي الروسي، أو البولوني، أو الأمريكي سوى رابط ايديولوجي تأسس على رابط ديني يقارب الأسطورة، وحتى الخرافة. بمعنى آخر كان المجتمع اليهودي مركبا من وحدات لا لاصق بينها سوى هذا الرابط الأيديولوجي الأسطوري، الذي رغم قوته في حينه، كان هشا سريع الزوال، لولا ان تم وضعه على طريق تجاوزه إلى رابط وطني جامع، من خلال اختيار النموذج الديمقراطي المناسب لإدارة السلطة.

لقد اختار الكيان الصهيوني منذ البداية النظام الديمقراطي النسبي، والدائرة الانتخابية الواحدة، ونظام القوائم الحزبية أو التكتلية. بموجب هذا النظام فقد تم حجز التمايزات في البنى المجتمعية الهوياتية عن لعب اي دور مهم في العملية السياسية، ليفتح الطريق أمام السياقات الوطنية لتستقر وتترسخ، وبالتالي لتشكيل هوية وطنية جامعة.

بموجب هذا النظام النسبي ونظام القوائم، لم يعد من خيار أمام الناخب لانتخاب ابن جاليته الأكثر قربا منه، كما كان سيحصل حتما في نظام الدوائر الانتخابية الصغرى، وصار عليه لزاما التوجه لانتخاب البرنامج الانتخابي والسياسي الأكثر تعبيرا عن مصلحته الاقتصادية، والاجتماعية بصفته مواطن، وليس بصفته ابن جالية. في هذا النظام لكل فرد الحق بأن يكون ناخبا، لكن ليس له الحق في ان يكون مرشحا إلا ضمن قائمة.

لنوازن النظام السياسي الاسرائيلي، وما هو حاله اليوم، مع النظام السياسي اللبناني، الذي تأسس منذ البداية على الهويات الصغرى، وخصوصا الهويات الطائفية والمذهبية والعائلية. فهو اليوم أسوأ حالا من وقت تأسيسه، لسبب بسيط هو ان الحدود التي كانت تفصل بين الطوائف، والمذاهب صارت خنادق في الوعي، وفي السلوك، تحرسها مصالح ضيقة لقوى سياسية، وعائلية، غابت عنها المصالح الوطنية العامة، بل غابت عنها أيضا مصالح الطوائف، والمذاهب ذاتها.

على الطريق ذاته يسير العراق اليوم، إذ فرضت عليه أمريكا نظاما سياسيا طائفيا قائما على المحاصصة، وإذا ما استمر هذا النظام فهو سوف يؤدي لا محالة إلى تفتيت العراق إلى دويلات متصارعة. وهو النظام الطائفي ذاته الذي طرحته أمريكا في مؤتمر تونس “للمعارضة السورية”، وللأسف يوجد بين السوريين من يرغب به، ويطالب به.

إن أي نظام سياسي يقوم على الهويات الدينية، خصوصا في البلدان التي يوجد فيها تعدد في الأديان، فهو على الضد من طبيعة الدولة الوطنية، ومن طبيعة الدين ذاته. فإدخال المقدس إلى السياسة يدمرها، يحولها إلى سياسة طوائف ومذاهب وفرق، كما إن ادخال السياسة إلى الدين تفقده قداسته، التي لا يكون دينا بدونها. وإذا كانت الأديان والطوائف والمذاهب هويات صغرى عابرة للزمن، ممتدة فيه، فلا يجوز أبدا التدخل في مجالها، بل حمايته لتبقى للمؤمنين بها حياتهم الروحية.

إن القوة التدخلية للدين وطوائفه ومذاهبة في السياسة، إي في شؤون الحياة الدنيوية تزادا في ظروف التخلف، وتتراجع لتصير هي ذاتها مجرد مظاهر دعوية ارشادية فلكلورية في ظروف البلدان المتقدمة. وإذا كان للدين الاسلامي بعض الخصوصية في هذا المجال، بسبب تدخله المباشر في مناح كثيرة من حياة المؤمنين به، سواء عن طريق نصوص قرآنية واضحة، وغالبا عن طريق قراءات مختلفة لهذه النصوص(التفاسير الشرعية)، فهي خصوصية لا تلغي المبدأ الذي أشرنا إليه، بل تطالبه بزمن اطول لتصير كما يقتضي.

وقد يقصر هذا الزمن كثيرا في حال وجود نخب سياسية ودينية تنظر بواقعية في متطلبات العصر واحتياجاته، فتقرأ المقدس قراءة تاريخية، فتجتهد لتغيير تطبيق نصوصه واحكامه، ولها في التراث مساند كثيرة إن شاءت الاجتهاد.

من هذا المنطلق ينبغي الاقرار بمبدأ حاكم لأي نظام سياسي منشود في سورية، وهو ابعاد الدين عن السياسة، والسياسة عن الدين، وهذا لا يكون إلا من خلال العلمانية. فالعلمانية وحدها التي تضمن حياد الدولة ومؤسساتها عن الشؤون الخاصة بمعتقدات المواطنين الدينية، وغير الدينية، وما يطابقها من كيانات هوياتية صغرى، او طبقية سياسية وطنية.

من جهة اخرى تسبب الصراع المسلح في سورية الذي لم ينته بعد، في تهتك النسيج الاجتماعي وبروز تناقضات كثيرة تحتاج إلى زمن لمعالجتها. فمن غير المنطقي، بل يكاد يقارب المستحيل في المستقبل المنظور، بل المتوسط ايضاً، جعل الذاكرة الجمعية للكيانات الأهلية تتقيأ محتوياتها من احقاد طائفية ومذهبية وجهوية، ومواقف سياسية مبنية عليها، ليحل محلها ما هو وطني جامع.

ونظرا للقوة المدمرة الكامنة فيها، فعلى النموذج الديمقراطي المنشود ان يخلق لها الظروف المناسبة لكي تتحول إلى قوة بناءة، وهذا يكون عن طريق اشراكها في إدارة الشؤون المحلية العامة، الذي تعد اللامركزية الإطار الأفضل له. إن نقل الصلاحيات الادارية، وبعض الوظائف التشريعية من المركز إلى الأطراف يخلق الظروف المناسبة لكي يندمج الجميع في العمل للنهوض بالبلاد كل في منطقته، وفي مجاله بحدود ما هو محلي جهوي.

من هذا المنطلق نرى ان نقل كل الصلاحيات المتعلقة بحياة المواطنين المباشرة، إلى مجالس محلية منتخبة على مستوى المحافظات القائمة، تتمتع بصفة تشريعية، في تكييف القوانين الوطنية بما يتلاءم مع ظروف الحياة في المحافظة المعنية، او بإصدار تعليمات، وتوجيهات إدارية لها قوة قانونية في مجالها. علاوة على ذلك ينبغي أن تتولى هذه المجالس المحلية التشريعية جميع المهام الرقابية على السلطة التنفيذية في نطاق عملها، وصلاحياتها.

إضافة إلى المجالس المحلية التشريعية يتم في الوقت ذاته انتخاب حاكم للمحافظة بصورة مباشرة من المواطنين ، يقوم بدوره بتشكيل حكومة محلية تتولى السلطات التنفيذية كاملة، في إطار الصلاحيات الممنوحة لها في الدستور، وما تقره المجالس المحلية. ينبغي ان يشترط القانون على كل من يتولى وظيفة عامة، ان يكون من ذوي الاختصاص، وان يرشحه الحاكم، ويصادق عليه المجلس المحلي.

يطرح السؤال ما هي صلاحيات السلطات المحلية؟ وما هي علاقتها بالسلطات المركزية للدولة؟

من حيث المبدأ ينبغي على السلطات المحلية ان تتولى كل ما له علاقة مباشرة بحياة المواطنين في المحافظة، خدمات فنية، وتنمية محلية، وصحة، وسياحة، وتعليم، وقضاء محلي، وشرطة محلية، وغيرها.

اما بالنسبة لولاية السلطات المركزية على المجالس المحلية فتنحصر بحدود رسم السياسات الكلية، وإصدار القوانين الوطنية في ضوئها، والرقابة على تنفيذها بما يراعي اجتهادات المجالس المحلية، وكذلك التنسيق بين جميع السلطات المحلية، وتطوير المشتركات بينها. وفي حال تعارضت بعض مهام ودور السلطات المحلية، مع مهام ودور السلطات المركزية، فيتم حلها بالحوار، ما عدى تلك القضايا التي قد تهدد أمن الدولة، ووحدتها، وسلامة نسيجها الاجتماعي، فتكون السلطة العليا للسلطات المركزية.

في هذا النظام الديمقراطي الذي ندعو له، نرى ان تقتصر صلاحيات السلطات المركزية على كل ما له علاقة مباشرة بسيادة الدولة، من قبيل رسم السياسات الكلية للدولة، واصدار القوانين والتشريعات الوطنية، وتولي قضايا الأمن الوطني، بما في ذلك الجيش والمؤسسات الأمنية الوطنية في ضوء حاجة البلد لها.

وكذلك تولي السلطات المالية المختلفة بما فيها سياسة فرض الضرائب وجبايتها، وتوزيعها بما يراعي حاجة السلطات المحلية، والسلطات المركزية. من ضمن الصلاحيات الحصرية للسلطات المركزية العلاقات الدبلوماسية، وجميع العلاقات الأخرى مع الخارج، بما في ذلك ابرام الاتفاقات ذات الطابع الوطني بين الدولة السورية، والدول الأخرى.

إن تفصيل القول ببناء هكذا نظام لتوزيع الصلاحيات بين السلطات المركزية، والسلطات المحلية، يخرج عن نطاق هذه المقالة، فهو يحتاج إلى حوار ونقاش وطني شامل، قبل أن يتم اقراره دستوريا وقانونيا. لكن بودي القول بأن النظام الديمقراطي المبني على هذه الهيكلة للدولة ومؤسساتها، وتوزيع الصلاحيات بينها، يتطلب بناء نظام سياسي ملائم.

في هذا المجال ينبغي التمييز بين ما هو وطني عام، وما هو محلي، على المستوى الوطني ينبغي حصر الحياة السياسية الحزبية بالأحزاب الوطنية، أي تلك التي تنشط على كامل الجغرافيا الوطنية، وتكون مفتوحة الأبواب لجميع المواطنين على اساس خطها السياسي. ضمن هذا الاطار ينبغي ان تعد الأحزاب المشكلة على اساس الهويات القومية، لأنها تعبر عن اشكال للوجود الاجتماعي ضرورية في منطق التاريخ خلال التشكيلة الرأسمالية. هذه الأحزاب هي التي لها الحق بالمشاركة في انتخابات السلطات المركزية، وفي تشكيلها. ا

ما على المستوى المحلي فينبغي السماح بتشكيل احزاب محلية، إلى جانب الأحزاب الوطنية والقومية، لكي تتنافس في انتخابات السلطات المحلية. في هذا النظام الديمقراطي ينبغي اعتماد النظام الانتخابي النسبي على جميع المستويات على ان تجري الانتخابات على مرحلتين: في المرحلة الأولى يتم انتخاب نصف اعضاء المجالس التشريعية على اساس سياسي حزبي( نظام القوائم)، والنصف الآخر يتم انتخابه على اساس طبقي اجتماعي(نقابي) باعتماد نظام القوائم ايضاً. بحيث يكون لكل طبقة اجتماعية ما يمثلها في السلطات التشريعية الوطنية، او المحلية.

هذا ويمكن تثقيل حصة بعض الفئات الاجتماعية الأكثر فعالية مثل فئة المثقفين، والمهندسين، والمحامين، ورجال الأعمال، وغيرهم. يتم انتخاب اعضاء القوائم في مرحلة الانتخابات التمهيدية من قبل الأحزاب السياسية، او من قبل النقابات وفق ترتيب عدد الأصوات التي حصل عليها كل مرشح.

في هكذا نظام يكون لكل وزير في السلطة المركزية مجلس لوزارته يضم جميع الوزراء المحليين. يعنى هذا المجلس برسم السياسيات الكلية لكل وزارة في نطاق عملها، واعداد البرامج التنفيذية لها بعد اقرارها من المجلس التشريعي الوطني. ويكون لرئيس الدولة أو لرئيس مجلس الوزراء مجلس مكون من جميع حكام المحافظات، يعنى بالمتابعة، والإشراف، والرقابة على تنفيذ جميع سياسات الدولة الكلية والمحلية، والبرامج المعدة لذلك.

إن المبادئ الذي يسترشد بها النظام الديمقراطي العلماني اللامركزي الذي ندعو له هي مبادئ الحكم الرشيد، فهو يوزع الصلاحيات على نطاق اوسع، ويجعل السلطات المحلية في المحافظات تتحمل مسؤوليات مباشرة عن حياة سكانها، وعن التنمية فيها. بل وان تتنافس فيما بينها في كل ما له علاقة بجذب الاستثمارات وبناء المشروعات المحلية والوطنية، وتقديم الخدمات لسكانها. أضف إلى ذلك فهو يجد حلا للكيانات القومية، فهو يقر بوجودها، وحقها فيه، وحقها في تنمية هوياتها الخاصة ، من خلال اشراكها في إدارة مناطق تواجدها.

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها