aren

لعبة نتنياهو الاخيرة ! \\ كتابة : حلمي موسى
الخميس - 19 - سبتمبر - 2019

355

أظهرت المعركة الانتخابية المحتدمة في دويلة الاحتلال أنه كلما ضاقت الأمور على رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، سارع لاجتذاب الأصوات اليمينية نحوه بمزيد من التطرف ضد الفلسطينيين. وهكذا توجه دفعة واحدة للمطالبة بمزيد من التضييق على فلسطينيي الداخل بمحاولة إقرار قانون لإخضاع دوائرهم الانتخابية لكاميرات مراقبة إيحاء بتفشي التزوير في صفوفهم ووعد وتعهد بفرض السيادة اليهودية على مستوطنات غور الأردن وشمال البحر الميت.. لكن كل جهوده باءت بالفشل ولم يتمكن من الحصول على الأكثرية التي تمكنه من تشكيل حكومة ليكودية تحقق أهدافه ، وهكذا وضع نفسه ومعه «إسرائيل» في مهب أزمة سياسية صعبة.

عندما لم تغير وعود نتنياهو جوهرياً من لوحة النتائج ، عاد وكرر التعهد ليس بفرض السيادة اليهودية على مستوطنات غور الأردن وشمال البحر الميت، وإنما على كل المستوطنات في الضفة الغربية. وبديهي أن يقود تكرار تعهد نتنياهو بانتهاك القانون الدولي، إلى ردود فعل فلسطينية وعربية ودولية واسعة ربما أفسدت على نتنياهو أهواءه وتطلعاته أكثر من أي وقت مضى.

ومعروف أن نتنياهو يخوض هذه الأيام معركة حياة أو موت تتعلق بمصيره السياسي بعد أن وصلت الاتهامات بالفساد ضده إلى مستوى قريب من تقديم لوائح اتهام. ويحاول نتنياهو ضمان بقائه على رأس الحكومة زعيماً لمعسكر اليمين من أجل ضمان حصوله على حصانة تمنع تقديمه للمحاكمة على الأقل خلال ولايته كرئيس للحكومة ولو عبر تعديل القوانين. وتقريباً فإن أغلب إن لم يكن كل أحزاب اليمين مستعدة لتقديم ضمانات الحصانة لنتنياهو ولكنها تطلب منه إجراءات تخدم سياستها ومن بينها فرض السيادة اليهودية على كل أو بعض الضفة الغربية ومنع قيام دولة فلسطينية.

ورغم أن نتنياهو حاول على الدوام إظهار ارتباطه الإيديولوجي بقواعد اليمين الأشد تطرفاً إلا أن جهات يمينية كانت تشكك على الدوام بانتهازيته وحساباته الضيقة. ومؤخراً فضح المبعوث الأمريكي الأسبق لعملية السلام والسفير الأسبق في تل أبيب، مارتن اينديك طبيعة نتنياهو هذه بإعلانه أن نتنياهو وافق على وجود قوات أمريكية في غور الأردن ضمن أفكار للتسوية النهائية. وسارع الليكود إلى التنديد باينديك وتكذيب تصريحاته هذه.

ومن الواضح أن نتنياهو استمد التشجيع من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تبنت سياساته واعترفت بالقدس عاصمة للكيان وعمدت إلى إزاحة كل قضايا الحل النهائي عن طاولة المفاوضات. وليس صدفة أن الإدارة الأمريكية وحدها من بين كل دول العالم لم تُدِن تعهدات نتنياهو الانتخابية وواصلت انتهاج سياسة غموض تخدم الكيان بإعلانها أن «لا تغيير في سياستها» بشأن الاستيطان. وكانت قبلها قد أزاحت اسم فلسطين عن خرائط وزارة خارجيتها.

ورغم أن الاستيطان كان ولا يزال كلمة السر لدخول قلوب الصهاينة إلا أن الخلاف محتدم بين اليمين والوسط حول أولوياته وأغراضه. وحسب ما نشر في الصحافة اليهودية، فإن تعهدات نتنياهو الانتخابية تثير خلافات شديدة بين أنصار الاستيطان الأمني وأنصار الاستيطان الإيديولوجي. بل إن صحيفة «معاريف» أشارت إلى خلاف بهذا الشأن بين نتنياهو ورؤساء أجهزته الأمنية الذين أوضحوا له أن مثل هذا التعهد «ينطوي على عدم مسؤولية ومن شأنه أن يقود إلى مخاطر كبيرة».

وبالفعل فإن أول رد فعل للرئيس الفلسطيني محمود عباس تمثل في إعلانه أن «الاتفاقيات الموقعة مع «إسرائيل» ستنتهي حال فرضت سيادتها على أي جزء من الأرض الفلسطينية»، مشدداً على أن تعهدات نتنياهو تتناقض مع قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي. وأضاف أن «من حقنا الدفاع عن حقوقنا وتحقيق أهدافنا بالوسائل المتاحة كافة مهما كانت النتائج». كما أن السلطة الفلسطينية بدأت حملة دبلوماسية دولية ترمي إلى حث الأمم المتحدة ودول العالم إلى إعلان إدانتها للخطوة الصهيونية. وتقريبا أعلنت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وأغلب دول العالم استنكارها لأي تغيير في واقع الحال في الأراضي المحتلة معتبرة كل تغيير انتهاكا للقانون الدولي. .

ووجهت السلطة الفلسطينية رسائل إلى الأمم المتحدة تطالب المجتمع الدولي بعدم الوقوف صامتاً «أمام التهديدات المباشرة والإعداد والتخطيط للاعتداء على الممتلكات والأراضي الفلسطينية بهذا الشكل السافر. وينبغي صيانة القانون الدولي والدفاع عنه في وجه «إسرائيل» وعلى المجتمع الدولي تذكير السلطة القائمة بالاحتلال أنها لا تملك السيادة على الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية». وشددت الرسائل على أن «الأرض الفلسطينية محتلة وهو ما أكده مجلس الأمن والجمعية العامة والمجتمع الدولي بأسره مراراً». وتدرس السلطة الفلسطينية ملاحقة الكيان ونتنياهو سياسياً وقضائياً في المحافل والمحاكم الدولية لإجبار تل أبيب على التراجع عن وعود فرض السيادة على المستوطنات.

وكان لافتاً إشارة أغلب التقديرات الإعلامية في «إسرائيل» إلى مقدار الخيبة التي أصابت نتنياهو واليمين في أعقاب هذه التعهدات. فقد طغى الرفض الروسي لها على لقاء نتنياهو مع الرئيس بوتين والذي أراد استخدامه لأغراض انتخابية. كما أن مشهد نتنياهو وهو يفر من مهرجان انتخابي في مدينة اسدود المحتلة إثر إطلاق صاروخين من قطاع غزة أثناء إلقائه خطاباً، شكل صفعة سياسية شديدة له في «الحلبة التي فيها نتنياهو أكثر تعرضاً للانتقاد» أي سياسته تجاه قطاع غزة.

وتشير مجمل التقديرات والتوقعات إلى أن محاولات نتنياهو كسر حالة التعادل بين معسكر اليمين وخصومه فشلت حتى الآن وبقي أفيغدور ليبرمان وحزبه «إسرائيل بيتنا»بمثابة الميزان بينهما. ولخص محرر الشؤون الحزبية في صحيفة «هآرتس» حال نتنياهو «بأنه بعد أن أخرج من «جيب الساحر» آخر أرانبه.. لكن «القذائف الصاروخية من القطاع سقطت على الرأس».

“الخليج”