aren

لبنان يقتل نفسه \\ كتابة : عصام نعمان
الإثنين - 10 - أغسطس - 2020

wsed

نعم، لبنان قتل نفسه. لبنان، بمعظم حاكميه ومحكوميه، مارس فعل القتل منذ إقامة كيانه ونظامه قبل مئة عام.

القتل لم يكن حدثاً مفرداً. كان تمويتاً متواصلاً ومتمادياً في الزمن بلغ خاتمته المفجعة المدوّية في 4 أغسطس/آب 2020.

قتلُ لبنان لم يكن تراجيدية إغريقية؛ بل مشهدية حقيقية معاصرة ذات فصول متعددة، شارك فيها أبطال وأنذال كُثر بأدوار متكررة، وديكورات متنوعة؛ لتفادي الملل.

كانت الغاية من إقامة الكيان – النظام سنة 1920 توفير سلطة بديلة من أخرى ذوَت بعدما سقطت السلطنة العثمانية؛ بفعل جيوش الغزاة الأوروبيين. الغزاة تقاسموا ميراث بني عثمان، فأصبح جبل لبنان وسوريا من حصة الفرنسيين. تصدّى مفكرون وقادة سياسيون وطنيون أحرار لسلطات الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، من دون أي جدوى.

للتقاسم الاستعماري تاريخ حقيقي، وآخر ملفّق. الحقيقي صنعه الغزاة أنفسهم، والملفّق يُنسب إلى أبطال محليين. أحداث وحوادث تلك الحقبة أصبحت ماضياً شبه منسي. المهم في تاريخ لبنان ما حدث مذّ وهبته السلطات الفرنسية سنة 1926 دستوراً؛ لتبني على أساسه مؤسسات نظام طوائفي تحت وصايتها.

تحت وصاية الفرنسيين انقسم اللبنانيون لجماعتين: واحدة ارتضت الوصاية الفرنسية، وطالبت أربابها بالتزام أحكام الدستور دونما تدخلٍ ومحاباة، وأخرى رفضت الوصاية، وطالبت باستقلال ناجز.

اندحار فرنسا أمام ألمانيا في الحرب العالمية الثانية؛ صبّ في مصلحة اللبنانيين الاستقلاليين؛ اذ اضطرت سلطات الانتداب الفرنسي إلى الرضوخ، وتحرير الدستور من صلاحيات المفوض السامي الفرنسي، فأصبح استقلال لبنان السياسي ناجزاً في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1943.

بعد الاستقلال حرص الحاكمون، في معظمهم، على توطيد سلطتهم ومصالحهم؛ بإعادة إنتاج النظام الطوائفي؛ من خلال قوانين للانتخابات غير دستورية. المحكومون انقسموا بين مؤيدٍ لأرباب النظام الطوائفي، ومعارضين له تحت رايات أحزاب وتكتلات متعددة.

باختصار، في كل عهود ما بعد الاستقلال كانت الغلبة لأصحاب السلطة من أرباب نظام المحاصّة الطوائفية وحلفائهم الخارجيين باستثناء فترات محدودة اختار أهل السلطة الوقوقف إلى جانب القوى الوطنية في وجه التدخلات الخارجية، كما في وجه الطائفية والاستغلال والاحتكار والتبعية.

منذ الاستقلال، وباستثناء عهد الرئيس فؤاد شهاب، والثلث الأول من عهد الرئيس إميل لحود، كان الحاكمون دائماً يتسلطون على المحكومين، وعلى البلاد وضالعين في استغلال مواردها ومرافقها، وتقاسم خيراتها وارتهانها لمديونية عامة، داخلية وخارجية، أدت إلى انهيار اقتصادي ومالي، وتفكك سياسي شامل.

في هذه المرحلة تكوّنت عناصر نكبة 4 أغسطس/آب التي شكّلت بذاتها خاتمة مفجعة لنظام طوائفي مهترىء، وثقافة فساد باتت طريقة حياة.

أبرز عناصر الجريمة التي أدت إلى النكبة ستة:

– باخرة قادمة من مولدوفيا تحمل 2700 طن من نترات الأمونيوم وصلت، في ظروف مريبة، إلى مرفأ بيروت سنة 2014، فطلبت وزارة الأشغال العامة والنقل من إدارة مرفأ بيروت استقبالها، ووضعها في مكان آمن.

– وضعت إدارة أمن الدولة في أواخر 2019 تقريراً أودعته المراجع المختصة؛ تبيّن فيه مخاطر بقاء الباخرة ذات الحمولة القابلة للانفجار في مكانها غير المراقب وغير الآمن؛ إلا أن الإدارات المختصة لم تحرك ساكناً.

– حدث الانفجار نحو الساعة السادسة من بعد ظهر الثلاثاء الماضي؛ بفعل عوامل محلية متعددة، وإن كان البعض يدّعي أن الانفجار جرى بفعل صاروخ «إسرائيلي» أطلق عن بُعد.

أيّاً من كان مفجّر حمولة ال2700 طن من نترات الامونيوم، فإن الحاكمين والمحكومين هم المسؤولون عن جريمة قتل لبنان عمداً، وليس انتحاراً.

الحاكمون المتعاقبون وموظفوهم مسؤولون ومدانون؛ لأنهم تسبّبوا بإهمالهم وفسادهم بتفجير هذه الأطنان من المواد القابلة للانفجار، والمركونة طوال سبع سنوات في مكان غير آمن وغير مراقب وغير محروس.

المحكومون مسؤولون، في معظمهم، عن صمتهم وسكوتهم المخزي المتواصل عن أفاعيل الحاكمين ومخالفاتهم الفاضحة للقانون، كما عن إعادة انتخابهم مراراً متعددة بقوانين انتخابات يعرفون بأنها غير قانونية.

الحاكمون والمحكومون قتلوا بأنفسهم وبإهمالهم المتواصل وطناً لا يستحقونه.

“الخلج”الاماراتية