aren

لا نريد فقه التخلف المهزوم حضارياً \\ كتابة : جهاد الزين
الخميس - 2 - ديسمبر - 2021

أنقذ الجيش المصري ، مصر من أعتى ، وأخطر تيار أصولي ديني ، هو “الإخوان المسلمون”. ليست المرة الأولى منذ خمسينيات القرن المنصرم ، التي يفعلها الجيش المصري ، ولكن عام 2013 ، كانت المرة الأخطر في تاريخ مصر ، وربما في تاريخ العالم العربي المعاصر. ونجح فيهاالجيش المصري ، مدعوماً بتيار شعبي هائل ، يرفض “”أَخْوَنَة” مصر.

باتت النخب العربية اليوم ، أكثر فهماً وتفهماً لهذا الخطر التخلُّفي الأصولي الشديد على حياتنا وحياة مجتمعاتنا ، والذي يمثّل العقبة الهائلة أمام تفسير حديث إصلاحي لديننا المسلم ، ومن ثمّ تطبيقات تنسجم مع حقائق العصر ومع ما نعتقده رغماً عن التعصب “الإخواني” وماشابهه في كل المذاهب عبقريةَ الإرث الثقافي للتاريخ الإسلامي. لكن هذا الإرث الثقافي علوماً وفلسفة وتأويلاتٍ وأدباً وخصوصا الشِّعروتأريخاً وسيَراً سياسية واجتماعية شيءٌ، والمعتقدات المتعصبة البلهاء الميتة من نوع منع تعليم النساء ، أو السماح بذهابهم إلى العمل، شيىءٌآخر. لو توفّر لأفغانستان جيشٌ نظاميٌ متماسك كما توفّر لمصر، لما كان هذا البلد الكبير والتعيس يعيش اليوم تحت سطوة وحوش “فقهية” كوحوش حركة “طالبان” التي “ورثت” بالقوة شعبا يكاد يكون ستون بالمائة منه تحت خطر المجاعة كما تفيد أحدث التقارير التي نشرتهامجلة “فورين أفيرز” مؤخراً على موقعها الإلكتروني.

لنقلْها بالفم الملآن: لا نريد أن نعيش تحت وطأة وثقافة أي نظام يقوده حزب أصولي ، ولو كنا نطمح في عالمنا المسلم إلى نوع من ديموقراطية تعترف بحق التنظيمات الأصولية بالعمل السياسي المعلن ، ولكن حتما ليس المسلّح الذي ساهم في إفساد مجتمعاتنا وتدمير دولها، لاسيما في السنوات العشر الأخيرة.

ونقولها أيضاً بالفم الملآن: من الجزائر إلى مصر إلى أي بلد آخر ، إذا كان لا بد من الاختيار بين المؤسسة العسكرية النظامية وبين التيارات الاصولية مهما كانت، فقد أظهرت التجربة التاريخية ، أن المؤسسات العسكرية ، هي الضمانة الواقعية التي تحمل منطق الدولة الواحدة يجب أن تكون خيار الضرورة لتماسك دولنا ، ومجتمعاتنا . حيث تقوم مؤسسة عسكرية بالمعنى الحديث للكلمة. مع العلم أن خيار النضال الديموقراطي السلمي ، يبقى خيارا مفتوحاً في ظل أي تشدّد عسكري ، كما حصل ويحصل في بلدان كثيرة من تشيلي إلى السودان ، بينما ثَبُتَ وبالدم الغزير ، أن استلام الإسلاميين الأصوليين للسلطة ، يُدخِل البلد في أفق انفجاري تدميري للمجتمع ، والدولة ، لا يعود ينفع معه ، أي نضال مدني سلمي ديموقراطي.

لاشيء يعادل ضراوة الحرب الأهلية ، ولاشيء يعادل قدرتها التدميرية ، خصوصا إذا كانت تنتِج وتقودها تنظيمات أصولية ، بلغت مع “داعش” وقبلها “القاعدة” ، وشقيقاتهما المتبقيّات ، حدودا لا تُصدّق في التوحّش والتخلف والتدمير ، والعدميّة.

المعركة مع الإسلام الأصولي ، تبدو طويلة، ولكن دون ظهور الانهيارات في بنية الدول ، التي يديرونها من الصعب اختمار فكرة الإفلاس السياسي الحتمي لهذه التيارات ، وأعتقد أن الحالة الأفغانية ستكون معيارا سريعا وفعّالاً ، لتجلّي هذا الإفلاس.

حكَمَنا الإسلامُ الأصولي بالترهيب والقمع حتى قبل أن يصل بشكل حاسم إلى السلطة السياسية. لكن السلطة “الثقافية” التي مارسها منذ نصف قرن ، فعلت فعلها ، بل أفعالها في تدمير قابليات مجتمعاتنا ، وفرز النزوعات الأسوأ والأكثر تخلّفاً ، وانغلاقاً في دولنا ، وأنظمتنا السياسية . باختصار بَعُدَتْ المسافة بين بلداننا، كما بين بلداننا والعالم المتحضِّر و تقهقر التقدمُ الحياتي ، الذي كان قطع شوطا مهما رغم التفاوت بين بلد ، وآخر بسبب هذه الأصوليات على أنواعها ومذاهبها المختلفة..

أسمح لنفسي هنا ، أن أنقل ما كتبته في المقدمة الطويلة لكتابي الجديد (الدار العربية للعلوم ناشرون)،والذي حمل عنوان: “حرائق في ثقافتناالسياسية”.

كتبتُ التالي ، وأختم به هذه العجالة:

“أمشي فوق المسامير ولكني لست ذلك الحكيم الهندي، الذي لا يتألم من المشي على المسامير بل أنا أتألم كمسلم و كإنسان وكمراقب سياسي . أتألم ليس لأن لدي أي مشكلة مع توازنات الإسلام السياسي، فأنا حسمت موقفي منذ زمن طويل وهو أن كل الموجة الأصولية بكل الوانها اغتصبت الدعوة الدينية سياسيا ولكن أتألم لأني معني كالكثيرين غيري بمستقبل دولنا واستقرار وتقدم مجتمعاتنا في عالم سريع ومتسارع ، تُشكِّل فيه قضايا التحديث والتنمية المرتبة الأولى بل الوحيدة لا فقط للتقدم والازدهار بل حتى للبقاء، ولأني مثل الآخرين غيرالأصوليين والرافضين لهم، يأتي الألم من هذا المشي على مسامير المستقبل حتى لو كانت متخيّلة إلا أنها مشروعة”.

“النهار”اللبنانية