aren

لا حل إلا بالتكيّف مع «كورونا» \\ كتابة : توماس فريدمان
الجمعة - 22 - مايو - 2020

(ترجمة خاصة)

التجدد – مكتب بيروت

لأول مرة في حياة جيلنا، نجد أن كوكبنا بأكمله وعلى نحو جماعي، يواجه التحديات ذاتها، في الوقت ذاته، من فيروس هو «كورونا» المستجد، الذي يسبّب مرض «كوفيد – 19».

كانت هذه ، نقطة البداية لجميع تحليلاتي. أحاول أن أرسي كل أفكاري حول كيفية التعامل مع هذا الوباء بمنطق الطبيعة الأم وفي إطار قوانين ونظم الطبيعة. وإذا لم نفعل ذلك – إذا بنينا تحليلاتنا على السياسة أو الأيديولوجيا، أو على حقيقة أننا سئمنا الحجْر- فنحن في الواقع نتحدى الطبيعة الأم.

لا يبدو أن هناك من يفعل ذلك هذه الأيام، أكثر من الرئيس (الأمريكي دونالد) ترمب. أتفهّم حجم توق الناس إلى إنقاذ أعمالهم واستعادة رواتبهم. ويعرف كل من يقرأ هذا العمود أن قلبي كان معهم منذ البداية. ولكن إذا اعتبرت ارتداء القناع أو فرض قيود على التجمعات، إشارة على عدم احترام لحريتك الشخصية – وليس كونه احتراماً للطبيعة الأم – فأنت ترتكب خطأ جسيماً.

دعونا نتذكر الانتقاء الطبيعي. هذا هو سعي جميع الكائنات الحية من أجل البقاء والازدهار في بعض البيئات، وهي تنخرط في النضال من أجل تمرير الحمض النووي إلى جيلها التالي. وهذا ما تفعله الفيروسات أيضاً: محاولة البقاء والتكاثر. ففيروس كورونا، على سبيل المثال، تطور مع الخفافيش في البرية.

ولكن يبدو أنه انتقل إلى البشر عندما أكل شخص لحم أحد الحيوانات الثديية المصاب بالفيروس في مدينة “ووهان” الصينية. وعندما فعل ذلك، توطّن في الخلايا والأنسجة البشرية بطرق يمكن أن تضرّ بنا أو تقتلنا. وهكذا، أصبح الفيروس كرة سريعة ترمينا بها الطبيعة لتكتشف من هو الأقوى. الطبيعة الأم قوية، فاذا أخبرتها أنك قد سئمت من الإغلاق، وبأن هذا يكفي بالفعل، لا يعني لها شيئاً، ولا يدخل في سجلاتها.

ما تسجله (الطبيعة) ، وما تكافئ عليه ، هو شيء واحد: التكيف. وهي لا تكافئ الأكثر ثراء ، أو الأقوى أو الأذكى من الأنواع. إنها تكافئ الأكثر تكيفاً. وهم الذين يثبتون قدرتهم على البقاء ، وتمرير حمضهم النووي. وهذا يعني في حالة الوباء أنها تكافئ الرئيس أو الحاكم أو العمدة ، أو المواطن الذي يحترم سلطتها أولاً ، وقبل كل شيء. إذا كنت لا تحترم فيروساتها وحرائق الغابات والجفاف والأعاصير والفيضانات وما إلى ذلك، فستؤذيك أنت أو جيرانك أو مواطنيك.

الرئيس ترمب لا يحترم الطبيعة الأم، لأنه يقيس كل شيء بمنظور المال والأسواق. ليس لديه إحساس بالنظم الطبيعية، باستثناء ملاعب الغولف، وطوّر وهماً بأنه قادر على ترويض الطبيعة. وتكافئ الطبيعة الأم القادة الذين تكون استجاباتهم التكيفية،هي الأكثر إبداعاً وتنسيقاً. لقد طورت فيروساتها خبرة في العثور على أي ضعف في جهاز المناعة الشخصي أو الجماعي. لذا، إذا لم تكن عائلتك أو مجتمعك منسقاً تماماً في الاستجابة لفيروساتها، فإنها ستجد أصغر الشقوق للنفاذ منها وتجعلك تدفع الثمن. بلا رحمة إذا كانت إستراتيجيتك للتكيف قائمة على الإيديولوجيا أو السياسات الانتخابية، فإن الطبيعة ستضر بك بلا رحمة.

وتذكّر ، أن الفيروس لن يتوقف عن الانتشار حتى نتوصّل إلى لقاح ليمنحنا مناعة جمعيّة أو يصاب نحو %60 منا بالعدوى أو التغلب عليه أو نصل الى مناعة جمعيّة بشكل طبيعي. لكن الفيروس لا يختفي بطريقة سحرية بمجرد الإغلاق. صحيح أن الفيروس يصيب مناطق مختلفة، ومناخات وسكاناً مختلفين، وبالتالي يجب أن يكون كل فرد قادراً على التكيف بشكل مختلف قليلاً. ولكن كما قال عالم الأوبئة في جامعة (مينيسوتا) ، مايكل أوسترهولم لصحيفة «يو إس أيه توداي» أخيراً، فإن «هذا الفيروس سيواصل نشاطه إلى أن يُصيب أكبر عدد ممكن، إلى نكتشف اللقاح أو نكتسب المناعة الجمعيّة بشكل طبيعي».

لكل هذه الأسباب، من الواضح، أو ينبغي أن يكون واضحاً، أن على كل دولة أن تبحث عما طالب به الدكتور ديفيد كاتس خبير الصحة العامة منذ بداية هذه الأزمة ، وهو «إستراتيجية مستدامة لتقليل الضرر الكلي الى الحد الأدنى». وهذا يعني إستراتيجية من شأنها إنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح ومن سبل العيش في آن معاً. علينا أن نبذل قصارى جهدنا للقيام بالأمرين معاً، ويمكننا ذلك. مخاطر متنوعة ويرى كاتس أنه «لم يكن أبداً خيارنا موت الملايين بسبب الفيروس أو بسبب خراب الاقتصاد». كان بإمكاننا، وما زال، الاعتراف بأن أفراداً مختلفين من مواطنينا يواجهون مخاطر متنوعة من مرض كوفيد – 19.

وبالتالي، فإن بلورة إستراتيجيات تحمي الفئات الأكثر ضعفاً في سكاننا وتسمح لأقل الفئات ضعفاً بالعودة إلى العمل، وبالتالي تحقق أفضل ما في «الإغلاق» وأفضل ما في «الفتح». اتبعت الصين وألمانيا وكوريا الجنوبية والسويد وغيرها إستراتيجيات مختلفة لإنقاذ الأرواح وسبل العيش بشكل مستدام ومضاعف. من السابق لأوانه القول إن أياً منها وجد الإستراتيجية المثالية لتحقيق ذلك. ولكن ليس من السابق لأوانه أن نقول إنها تعيد الفتح بطرق تحترم الطبيعة الأم، وتقدر الحاجة إلى التنسيق وترتكز على العلم.

لذلك لا تزال تلك الدول، تطلب درجة معينة من ارتداء الأقنعة في الأماكن العامة، وممارسة التباعد الاجتماعي، وتقييد عدد الأشخاص الذين يتجمعون في أي مكان مغلق، وحماية الأشخاص الأكثر ضعفاً والحد من العدوى عن طريق الاختبارات الواسعة النطاق، والتتبع والحجر الصحي لاحتواء انتشار الفيروس، حتى الوصول الى المناعة الجمعيّة.

لكن أميركا في حالة من الفوضى. في بعض الأماكن ترى عمليات إعادة فتح بطريقة تحترم قوة الطبيعة الأم، عملية فتح منسَّقة ومرتكزة على العلم، وفي أماكن أخرى ترى مطاعم مزدحمة أو صاحب صالة ألعاب رياضية يتحدى إرشادات المحافظة، ويهتف المتظاهرون ويرفعون لافتات تقول: «حريتي لا تنتهي حيث يبدأ خوفك».

الأشخاص الذين يضعون هذه الإشارات، والذين يظهرون على قناة «فوكس نيوز» لدعمهم، لا يفهمون الأمر جيداً. فنحن، بذلك، لسنا ضد بعضنا. نحن جميعاً ضد الطبيعة الأم. نحن بحاجة إلى إعادة الفتح ونحتاج إلى التكيف، ولكن بطرق تحترم منطق الطبيعة الأم، وليس بطرق تجذب موجة ثانية، وليس بطرق تتحدى الطبيعة. هذا ليس ذكاء. لأن الطبيعة لم تخسر أياً من معاركها منذ بدء الخليقة قبل 4.5 مليارات سنة.