aren

كيف سيكون شكل سورية بعد تجاوز الأزمة ؟ \\ بقلم : د. منذر خدام
الأحد - 16 - يوليو - 2017


من أخطر الأسئلة التي تطرح على كل الصعد الداخلية والخارجية ، وأكثرها وجاهة ، السؤال المتعلق بشكل سورية بعد تجاوز الأزمة الراهنة ، والشكل المقصود هنا ، يتعدى النظام السياسي إلى بناء الدولة، وإلى العلاقات بين مختلف أشكال الوجود الاجتماعي للمواطنين السوريين ، في حال بقى لهذا المصطلح أي مضمون.

ولا يجوز أن نغفل أيضا ، أن السؤال ذاته يبحث عن جواب له في علاقات سورية ك(دولة) مع جيرانها بما في ذلك ” إسرائيل ” ، ومع الدول العربية ، وكذلك مع دول العالم.

بداية ، ينبغي القول أن الأزمة التي عصفت بسورية خلال السنوات الماضية ، كشفت هشاشة البناء الاجتماعي والسياسي للدولة السورية وللمجتمع السوري ، لقد برهنت الأزمة على أن الهويات الصغرى الطائفية والمذهبية والاثنية والقبلية والعشائرية ، وحتى الهويات الضيقة ذات الطابع الثقافي والسياسي للنخب وأشخاصها ، هي الهويات الحقيقية الفاعلة، وما عداها لا يعدو كونه مجرد هويات متخيلة.

لنتذكر كيف تحول الحراك الشعبي المطالب بالحرية والديمقراطية بسهولة ويسر، إلى حراك لمجموعات متطرفة وإرهابية ، لكل منها أجندته الخاصة الحقيقية ، على خلاف ما هو معلن من أجندة متخيلة لمشروع سياسي إسلامي ، يقاس صخبه الإعلامي ، بقدر تمويله من دول باتت معروفة للجمهور العام.

وحتى النظام ، الذي يفترض به أن يمثل الدولة كقوة جامعة ذات طابع وطني، لجأ أيضا إلى الهويات الصغرى الطائفية والمذهبية المحلية والخارجية للدفاع عنه، في تقاطع للمصالح السياسية والإستراتيجية ، هي الأخرى باتت معلومة للجمهور العام.

مشهد سورية اليوم ، ترسم معالمه قوتان رئيسيتان ،هما : النظام وحلفاؤه من جهة ، والمجموعات المسلحة وداعميها من جهة أخرى.

وهي معالم لم تستقر بعد من جراء الصراع المستمر مع ” داعش ” و” النصرة ” بصورة رئيسة ، وحتى ما تم التوصل إليه عبر مسار ( أستانة) من تحديد لمناطق خفض التصعيد أو التوتر، لا يعدو كونه نوعا من الاعتراف ، بأن سورية ( الدولة والمجتمع ) قد تغيرت كثيرا ، بحيث صارت لا تشبه نفسها قبل الأزمة .

سورية اليوم ، صارت موزعة إلى مناطق نفوذ شبه متبلورة ، منطقة ” نفوذ أمريكي ” في الشمال الشرقي محمولة على أطراف كردية ، منطقة ” نفوذ تركي ” في الشمال الغربي من سورية ، محمولة على  مجموعات متطرفة وإرهابية غير مستقرة ، منطقة ” نفوذ أمريكي – إسرائيلي ” في الجنوب الغربي من سورية محمولة أيضا على قوى متطرفة وإرهابية ، ومنطقة ” نفوذ روسي – إيراني ” محمولة على النظام السوري . بطبيعة الحال ، ليست مناطق النفوذ هذه على المستوى ذاته، من الناحية السياسية، ولا من ناحية دورها في صوغ شكل سورية في المستقبل.

المنطقتان (الثانية) و (الثالثة) ، مكرستان بالكامل لخدمة أجندات غير سورية ، فتركيا توظف نفوذها في المنطقة الثانية للحيلولة دون قيام أي كيان كردي بحسب ما يصرح به قادتها ، فهم لم يعودوا مهتمين جديا ، بأي تغيير في النظام السوري ولا بقيادته ، إلا بما يخدم هدفهم المركزي.

الذي على ما يبدو لم يكن في حسبانهم ، عندما تدخلوا في سورية ، دعما لقوى التطرف والإرهاب، أو – وهو الصحيح في الأغلب الأعم- لم يحسبوا احتمال تنامي القوة الكردية من خلال دفاعها عن نفسها ضد هذه القوى ، التي كانت تدعمها تركيا ، وراهنت عليها للجم طموحات الأكراد السياسية ، بحيث صارت اليوم القوة الثانية الفاعلة على الأرض بعد النظام ، ولها مطالبها السياسية الخاصة بها ، إلى جانب المطالب السياسية العامة على مستوى سورية.

أما المنطقة (الثالثة) ، فسوف توظفها ” أمريكا” و ” إسرائيل ” ، لمنع امتداد الوجود الإيراني المباشر، أو غير المباشر، عبر (حزب الله) ، والمليشيات الأخرى المتحالفة معه، إلى الحدود الإسرائيلية كهدف مركزي ، وسوف تحاول فرض ذلك على وجود الجيش السوري ذاته ، كهدف ثانوي.

بغض النظر عن الطموحات السياسية ، لكل من تركيا ، إسرائيل ، و أمريكا ، فإن هذه الطموحات تتأسس على حوامل إرهابية ، مما يجعلها غير ثابتة ، وغير أكيدة على المدى المتوسط والبعيد.

فمجرد أن تستقر التسوية السياسية ، سوف يعود القرار لجمهور السكان في تلك المناطق ، وليس للمسلحين الذين في أحسن الخيارات المتاحة أمامهم ، سوف يتم استيعابهم في  الجيش السوري، وهو احتمال ضعيف ، أو التحول إلى أحزاب سياسية ، وهو الاحتمال الأقوى.

لكن في هذه الحالة ، سوف تكون غير قادرة على منافسة الأحزاب الأخرى القومية أو الليبرالية الديمقراطية ، أو حتى ( الإخوان المسلمين) ، في حال تم التوافق على السماح لهم بالعمل السياسي، وهو احتمال ضعيف على كل حال، مما يعجل بخروجها من المشهد السياسي السوري.

أما بالنسبة لمنطقة النفوذ ” الروسي – الإيراني ” ، و هي المنطقة الأهم ليس فقط من ناحية عدد السكان المتواجدين فيها ، وشمولها للمدن السورية الرئيسة، بل أيضا من ناحية ما تمتلكه من عوامل القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية.

أضف إلى ذلك ، فإن النظام في هذه المنطقة هو قوة حقيقية ، له دوره الحاكم فيها ، بحيث يكاد يكون النفوذ الروسي والإيراني في خدمته وليس العكس ، بعبارة أخرى سوف يحاول النظام جاهدا أن لا يغير جوهريا بتكوين النظام السياسي الأمني القائم، وهذا ما يفعله على الأرض وفي محادثات مسار جنيف، ويحظى مسعاه هذا بدعم قوي من إيران وبتفهم من روسيا ، بالنسبة لإيران تكاد تكون قضية تغيير النظام قضية داخلية ، ولذلك فهي لن تتساهل بشأنها لاعتبارات إستراتيجية تتعلق بالمجال الحيوي لنفوذها.

إن ما يسمى ب(محور) المقاومة والممانعة ، لا يعدو كونه مجالا للنفوذ الإيراني، وسوف يتعزز هذا المجال مستقبلا ، لأن القوى المعاكسة له حاولت تقويضه بأدوات متطرفة وإرهابية، مما ساهم موضوعيا في تعزيزه وتقويته ، بدلا من تحجيمه والقضاء عليه.

فكما أن (غزو) أمريكا للعراق في عام 2003 ، بدعم مكشوف من دول الخليج العربي جعل العراق بكامله ، منطقة نفوذ إيرانية ، فهي اليوم من خلال دعمها لقوى الإرهاب والتطرف، تساهم موضوعيا في تعزيز هذا النفوذ.

بكلام آخر ، فإن الصراع ضد الإرهاب جعل موازين القوى السياسية والعسكرية ، تميل لصالح ما يسمى محور المقاومة ، فنجاحات العراق الميدانية ضد ” داعش” ، وكذلك نجاحات الجيش السوري والقوى الرديفة له، سوف يجعل  دور هذا المحور، قويا في صوغ مستقبل سورية ، ونظامها السياسي.

لكن من جهة أخرى ، فإن كلا من ” النظام” و ” إيران”  بحاجة حيوية للدور الروسي، وبالتالي لا يمكنهما تجاهل مصالح روسيا الإستراتيجية في سورية، وهي ليست بالضرورة متطابقة مع مصالح إيران ، ولا مع مصالح النظام ذاته.

روسيا بلا شك ، استفادت من الأزمة السورية ، لكي تفرض نفسها كقوة عظمى على المسرح الدولي ، بعد الاهانات السياسية ، التي ألحقتها أمريكا بها في ” البلقان” و في ” ليبيا” وفي ” جورجيا” .

وكان أول رد اعتبار لها بهذا المعنى ، وفي هذا السياق ، هو تدخلها في أوكرانيا وفي جورجيا، وهذا ما وجه رسائل واضحة ، تعبر عن جدية المواقف الروسية ، وانه لا تساهل بعد الآن في كل ما له علاقة بالمصالح الروسية.

وإذا كانت إيران ومعها النظام السوري ، سوف يقاومان إلى النهاية أي احتمال لإجراء تغييرات أساسية في بنية وقوام النظام السياسي في سورية، تحوله من نظام استبدادي شديد المحافظة، متمركز حول الرئيس، إلى نظام منفتح على خيارات ديمقراطية ، يمكن أن تفتح احتمالات للتعددية السياسية ، ولتبادل السلطة سلميا عبر صناديق الاقتراع.

فإن روسيا ، لديها رؤية مختلفة بعض الشيء ، حيث ترى موسكو ضرورة انفتاح النظام على إجراء تغييرات حقيقية في بنيته و (قوامه) ، بحيث يمكن أن يتطور لاحقا إلى نظام ديمقراطي، فهي تعتقد أن حماية مصالحها على المدى البعيد في سورية ، لا يضمنها النظام الحالي ، فهو نظام آيل إلى الزوال في المستقبل.

وهي ، إذ ترى ضرورة استمرار رأس النظام ، فذلك بهدف الحفاظ على تماسك الدولة السورية، فهو اللاحم الأكبر و الأقوى لهوياتها الصغرى، وكذلك لأجهزتها وبصورة خاصة ل(الجيش) و (الأجهزة الأمنية ) ، التي تشكل العمود الفقري لبقاء الدولة ، فإزاحته – بحسب القيادة الروسية –  بدون تأمين بديل مناسب، لم يسمح النظام بوجوده أصلا، ولم تؤمنه المعارضة للأسف، سوف يعني انهيار الدولة وفشلها.

من هذا المنطلق ، رفضت روسيا ، أي دعوة لإزاحة الرئيس في بداية أي عملية تسوية للازمة، كما كانت تطالب بذلك دول إقليمية وبعيدة، وترجع صداه بعض قوى المعارضة السورية، وبصورة خاصة معارضة ما يسمى ب”منصة الرياض” .

ورفضت روسيا أيضا ، أي عملية انتقال سياسي ، تفضي إلى إزاحته من رأس السلطة والنظام، بل على العكس ، كانت ترى ولا تزال ، ضرورة قيادته لأي عملية إصلاح سياسي محتملة في المستقبل.

لهذه الاعتبارات ، تركز موسكو في كل نشاطها السياسي المتعلق بالأزمة السورية على ضرورة أن يجري التغيير السياسي في سورية بطيئا، يبدأ بتوافق السوريين على دستور جديد، وتشكيل حكومة وحدة وطنية ، تقود مرحلة انتقالية يتم الاتفاق عليها أيضا، حتى موعد الانتخابات القادمة ، التي سوف يكون من حق الرئيس أن يرشح نفسه فيها.

وبحسب بعض المصادر ، فإن الروس قد طرحوا على كل من ” النظام”  و ” إيران” ، استلهام النظام الروسي ، بالتناوب على السلطة ، وبذلك يستمر النظام لأمد طويل في المستقبل.

يتبع “الجزء الثاني” 

 

 

 

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها