aren

كيف تنقذ بلدًا فاسدًا حقًا مثل لبنان؟ إنه سؤال بإجابة شبه مستحيلة \\بقلم روبرت فيسك
الخميس - 13 - أغسطس - 2020

e7eab7bc-02c8-4326-a974-b733c7cd5c3d

(التجدد) – ترجمة خاصة

لإنقاذ لبنان من السم الذي يسري في عروقه ويقتله، لا بد من استجابة دولية مختلفة عما شهدناه خلال العقود الماضية.

يمكننا أن نتفق جميعًا على أن البحر ، ابتلع 70% من الانفجار، حسبما أخبرني بذلك أحد أصدقائي اللبنانيين المقربين، هذا الأسبوع. وسألته مع أنني كنت اعرف الإجابة: ” أيُّ الطوائف الدينية في لبنان ، كانت أشد معاناة من جرَّاء الانفجار الذي غيَّر وجه هذا البلد، أو الذي لم يُغيِّر أحوالها، على حسب زاوية التناول؟

مثل أي شيء في لبنان، ربما تكون حساباته صحيحة؛ لأن بيروت، على غرار طرابلس وحيفا في هذه الجزئية، قائمة على أحد تلك النتوءات الصخرية القديمة في شرق البحر الأبيض المتوسط، كأنها «وجه بحار قديم» ، كما تقول فيروز عن العاصمة ، التي تنتمي إليها (يقصد أغنية بعنوان لبيروت تقول فيها: لبيروت من قلبي سلام لبيروت، وقُبَل للبحر والبيوت، لصخرةٍ كأنها وجه بحار قديم). وربما ارتطم صوت الانفجار الكبير بمياه البحر المالحة ، أكثر من اصطدامه بالمباني. والأسماك، على حد علمنا، ليست مُتديِّنة.

طريقة غريبة لسرد رواية الانفجار

لكن صديقي – مسلم سُنِّي، موظف حكومي لسنوات عديدة، قارئ للكتب وليس للمذكرات – سارع إلى تحذيري، قائلًا: «دعنا لا ننظر إلى ما حدث من منظور الحرب الأهلية، لكن بالتأكيد، كان المسيحيون أشد تضررًا؛ لأنهم يعيشون بجوار الميناء في شرق المدينة، ومعظمهم من الموارنة، وبينما لم يخسر الجانب الإسلامي من بيروت سوى النوافذ، خسر المسيحيون أرواحهم».

لكن حتى هذا لم يكن صحيحًا تمامًا؛ فالذين قالوا إن القتلى اللبنانيين كانوا من جميع الديانات كانوا على حق أيضًا. إذ كان هناك مسلمون – سنة وشيعة من بين رجال الإطفاء وأصحاب المتاجر وغيرهم – ولا يمكن أن ننسى عشرات اللاجئين السوريين الذين ربما شكَّلوا ربع حصيلة القتلى. في الواقع، أُدرِج السوريون بطريقة ما ضمن عدد القتلى في لبنان، ولكن كان هناك شيء غريب بعض الشيء حول الطريقة التي أُعيد بها سرد هذه المأساة في الغرب.

في فرنسا وبريطانيا وأمريكا – وفي روسيا أيضًا كما لاحظتُ – كانت الرواية (وهي كلمة أكرهها) ، مختلفة بعض الشيء. لقد قيل لنا إن «اللبنانيين» ، يتظاهرون الآن ضد «النخب» والحكومة – التي أفسدت البلاد وأفلست اقتصاده وفشلت في حماية شعبها – ويطالبون الآن بنظام سياسي جديد، ديمقراطي، لا طائفي، غير فاسد، إلخ. وهذا صحيح كذلك.

لبنان

بالتأكيد، كانت المنازل والمباني السكنية المحطمة والشوارع المدمرة بالفعل جزءًا من التدمير الذي حدث في بيروت؛ لكن أسماء الأحياء – الجميزة، مار مخايل، الأشرفية – ذُكِرت على أنها مجرد مواقع على خريطة المدينة، وليست مركزًا للزلزال الذي لم ينجم عن الانفجار فحسب؛ ولكنه ضرب أيضًا قلب المناطق المسيحية القديمة في العاصمة اللبنانية. وكانت هذه الأحياء جميلة، وتراثها العثماني محفوظًا على نحو رائع، ويكفيك أن تنظر إلى ما حدث لمتحف سرسق الخلاب.

كانت هذه المناطق باعثة على البهجة، ومراكز للشباب (معظمهم من الطبقة المتوسطة ولكنهم مسلمون ومسيحيون على حدٍّ سواء)، ومليئة بالمطاعم والحانات، وتتمتع بشعبية كبيرة، ليس بين الشباب اللبناني فحسب، ولكن أيضًا في أوساط الغربيين الذين يعيشون في المدينة ويشعرون بالأمان وسط سكانٍ يتحدثون الفرنسية والإنجليزية، ويؤيدون أوروبا إلى حد كبير (وغالبًا يناهضون سوريا وإيران).

ان الأوضاع كانت على العكس من ذلك قبل اندلاع الحرب الأهلية: حين كان الأجانب يعيشون في غرب بيروت، مُلتفين حول الجامعة الأمريكية بتعليمها الليبرالي، ومظاهراتها الاحتجاجية، وحركاتها الفلسطينية (آنذاك)، إلى جانب الطبقة الوسطى من السنة والدروز. وإذا تحرَّكتَ بالسيارة عشرين ميلًا جنوبًا، ستجد الأقلية الشيعية الكبيرة التي لم يُؤبَه لها. وفي الحروب اللاحقة مع إسرائيل، تعرَّضت هذه المناطق وغيرها من المناطق الإسلامية للقذف بالقنابل حتى تحطمت وقَضَت عليها الانفجارات وتقطَّعت السُبُل بسكانها. لكن المناطق المسيحية نجت جزئيًّا.

كانت (الجميزة ومار مخايل) من الخطوط الأمامية لحزب الكتائب المسيحية، وكانت شوارع غرب بيروت يحرسها مزيج من الميليشيات الفلسطينية والمسلمة الفاسدة. وعندما غزا الإسرائيليون لبنان في عام 1982، استقبلهم عشرات الآلاف من المسيحيين استقبال الفاتحين المُخلِّصين ورحَّبوا بهم في الشوارع. والتقى (أرييل) شارون ، بشير (الجميل)، زعيم الميليشيا المسيحية، الذي أصبح رئيسًا منتخبًا لاحقًا ، واغتيل بعدها (بعد أسبوع واحد من انتخابه رئيسًا)، في مطعم «أو فيو كارتيه» الرائع في شرق بيروت، وقد أُعِيد تطوير النُزُل منذ فترة طويلة ولكن الشارع الذي كان يقع فيه دُمِّر في 4 أغسطس(آب).

مَن يقف وراء فساد لبنان؟

إن كرة اللهب التي حطَّمت موجاتها الصادمة حياة هؤلاء الناس الأسبوع الماضي لم تكن نوعًا من الانتقام السياسي البغيض لما حدث في الماضي. إذ وقف المسيحيون على مدى شهور في وجه القصف المدفعي للميليشيات الإسلامية خلال الحرب (الحرب الأهلية اللبنانية) وفي وجه القصف السوري بعد ذلك – وفي الأشهر الأخيرة، كان المسيحيون من بين المؤيدين الذين يطالبون بإقالة الحكومات اللبنانية الفاسدة.

لبنان

لكن كان من بينهم أيضًا أولئك الذين رحَّبوا على نحو هستيري برجوع الجنرال المسيحي المخيف – كما يعتقد كثيرون – ميشال عون من المنفى إلى أرض الوطن، وهو الذي كان عدوًّا لسوريا وأصبح الآن صديقًا لها، وصهره (جبران باسيل) هو الآن وزير الخارجية في الحكومة اللبنانية؛ التي استقالت مؤخرًا؛ ومن ثَم جاء الهجوم على وزارته في نهاية الأسبوع.

في اليوم الذي عاد فيه عون إلى بيروت عام 2005م، بعد سنوات قضاها في المنفى اللطيف في العاصمة الفرنسية باريس، أصلح أنصاره، وهم يغنون ويلوحون باللافتات، الجميزة للاحتفال بعودته. وقالت لي سيدة أعمال سنية في ذلك الوقت: «من الأفضل أن نذهب ونستمع إليهم لنرى ماذا يريدون. فبعد كل شيء، علينا الآن أن نعيش معهم»، وهذا صحيح كذلك مرة أخرى، ولكن بعد مرور أسبوع واحد من ذلك الوقت، خرج نجل الرئيس السابق الذي اغتيل، الشاب «نديم الجميل»، وهو عضو برلماني سابق، ليخبر العالم بأن حزب الله، ومن ورائه إيران، هو مَن يقف وراء فساد لبنان.

وهذه القصة داخلة في «الرواية» الخاصة بأحدث أزمات لبنان؛ فبحلول يوم السبت، قيل لنا – في «فايننشال تايمز» – إنه «لطالما كان سرًّا معلنًا أن حزب الله يسيطر على قطاعات من مرفأ بيروت، كما يسيطر على المطار…». حسنًا، يختلفون مع حزب الله، ولكن لا يجرؤون على التعبير عن ذلك، ثم ألمحت قنوات تلفزيونية إلى تهريب أسلحة حزب الله عبر المرفأ نفسه. هل كانت نترات الأمونيوم تُستخدَم في صنع قنابل حزب الله؟ في الواقع، ربما استُخدِم بعضها بالفعل في أعمال العنف، فهل يفترض أن يكون وزنها البالغ 2750 طنًّا منذ فترة طويلة، قد نقص؟

ولذلك، ربما حان الوقت لزيارة وزير جميع الأغراض المفضل لي في الحكومة اللبنانية، وهو وزير الحقائق الداخلية. ويسيطر حزب الله بالفعل على أجزاء من مطار بيروت قرب الضاحية الجنوبية التي يحكمها. راقِبْ مَن يدير الأمن في المحطة عندما تهبط الطائرات الإيرانية، ويمر أعضاء حزب الله عبر نقطة مراقبة الهجرة، لكن ماذا عن المرفأ؟

وفيمايلي : حقيقة محلية يسيرة من وكيل شحن في بيروت أعرفه منذ عدة عقود. «كل حزب لبناني له رجاله في المرفأ، السنة، والشيعة، والمسيحيون، والجميع. إذا كنت بحاجة لإدخال سفينة وأريد نقل البضائع بسرعة عبر الميناء؛ فعليَّ أن أسعى إلى رجال الجمارك من أعضاء حزب بري». ويتحدث وكيل الشحن عن حركة أمل، المليشيا الشيعية الزائفة التابعة لرئيس مجلس النواب اللبناني. وإذا كان أتباع بري يطلبون الكثير، فعليك الذهاب إلى حزب الله لمعرفة ما إذا كان بإمكانك الحصول على أسعار أقل من موظفي الجمارك لديه، أو اذهب إلى المسيحيين، أو حتى الدروز الذين يعملون في الميناء (وإن لم يكن عددهم كثيرًا على ما يبدو).

لكل حزب أتباع في الميناء

هذه هي النقطة الأساسية؛ فمع وجود كل حزب رئيس في الميناء، وسعي كل قوة أجنبية كبرى للحصول على معلومات استخباراتية منهم، هل سيخزن حزب الله حقًّا المتفجرات والذخيرة والقنابل وحتى الصواريخ في الميناء؟ هذا لا يحدث إلا في أحد أفلام هوليوود بالطبع، ولكن هل يحدث في الحياة الحقيقية؟ لا، أسلحتهم تأتي عبر الحدود السورية اللبنانية إلى الشرق.

خلال الحرب الأهلية، سيطر حزب الكتائب المسيحي في شرق بيروت على «الحوض الخامس» (هكذا كان يُطلق عليه) بأكمله في الميناء. لكن هل استوردوا أسلحة وذخائر إلى بيروت عبر المرفأ؟ بالطبع لا. (كانوا يشحنونها في صناديق صناعية إلى ميناء جونيه التابع لهم في الشمال، لكن هذه قصة أخرى). لم يكن ميناء بيروت مستودعًا للأسلحة؛ لقد كانت بمثابة عجلة روليت للجميع، وانفجر الكازينو، الذي كان نِرده مثقلًا من كل فصيل في لبنان، بشكل مذهل الأسبوع الماضي.

لكن الحكاية الحالية تكتسب الآن رواجًا من خلال سلسلة من الارتباطات الخطيرة، ولكن غير المعلنة. بالنسبة لحزب الله، اقرأ موقف الشيعة في لبنان الذين، للأسف،لا يدعمون الاحتجاجات إلى حد كبير، رغم أنهم، في بداية أكتوبر (تشرين أول) الماضي، وقفوا بشجاعة في مواجهة ميليشيا حزب الله في جنوب لبنان.وفي عدة مناسبات محددة،وصل بلطجية حزب الله إلى وسط بيروت لتهديد المتظاهرين المناهضين للفساد وضربهم، في محاولة لإضفاء الطابع الطائفي على المظاهرات؛ لكي يُجبروا على الانخراط في تحالف سني ماروني معارض للحكومة.

حزب الله انحاز للمافيا للحفاظ على مصالحه

بالنسبة لحزب الله – وهنا عارهم الحقيقي– فقد انحازوا إلى أعضاء المافيا اللبنانية.قد يكونون ممثلين عن «جماهير» جنوب لبنان، و«المقاومة الكبرى للعدوان الصهيوني» كما يعلنون عن أنفسهم؛ لكنهم اختاروا دعم «الزعامة» نفسها – أي العائلات الكبيرة – التي أفسدت لبنان. لحزب الله مقاعد في الحكومة يريد الاحتفاظ بها؛ لذا فإن ممثلي الشيعة الأساسيين ، هم ضد أي تغيير في الأنظمة الفاسدة التي تحكم لبنان.

ما يوحي به كل هذا ، هو أن العنصر الطائفي ذاته في الحياة اللبنانية – الذي يتغلغل في السياسة والاقتصاد والمجتمع و(هل يمكنني أن استخدام الكلمة؟) ثقافة البلد – يجري الآن إقحامه في تفجير الأسبوع الماضي. نحن لا نسمي منطقة الانفجار مسيحية، ولا نطلق على حزب الله الشيعة – ونحن بالتأكيد لا نذكر الحرب – لكن كل هذا صحيح، وقد حان الوقت لأن ندرك ذلك قبل أن نُلبِس سحابة عيش الغراب ثوب قصة حضانة أطفال عن كبار السياسيين الجشعين السيئيين – أو «النخب» كما أسمع أنهم يوصفون الآن – وشوارع شرق بيروت، بوصفهم رموزًا لكل لبنان.

63529027-d0de-4ae7-b6e2-611b73f6b4f1

القصة الحقيقية لهذه الأمة المعذبة والرائعة إلى حدٍ لا يصدق، بالطبع، تذهب إلى أبعد وأوسع من ذلك. من البديهي – وهذا أيضًا صحيح – أن نقول إن الفساد هو سرطان العالم العربي (وليس الجزء العربي فحسب، إذا أخذت الأحداث الأخيرة في إسرائيل بعين الاعتبار). لكن بطريقة ما نجد النسخة اللبنانية من الفساد أكثر فظاعة، وأكثر خزيًا وأكثر بشاعة، من تلك التي تمارس في كل دولة عربية أخرى. هل هذا لأنه أكثر وضوحًا؟ أم لأنه موجود في الدولة العربية الوحيدة التي تنشر بالفعل انحلالها على الملأ؟

مصر نموذج للفساد لا ينتقده أحد

دعنا نعود بإيجاز إلى وزارة الحقائق الداخلية، ونأخذ هذه القصة إلى خارج لبنان. كل ديكتاتور عربي يفوز بحوالي 90% أو أكثر في الانتخابات؛ يدير دولة فاسدة. غير أن مصر، التي يسيطر جيشها على مراكز التسوق والعقارات وما إلى ذلك – بما يكفي لجعل السياسي اللبناني العادي ينفجر باكيًا من الحسد – تُستبعد من رهانات الفساد التي نقيس بها اللبنانيين.

نحن نتعامل مع السيسي (الذي فاز بأصوات بلغت 97% في انتخابات 2018م)، ويصفه ترامب بوصف «ديكتاتوري المفضل» بعد أن أطاح الرئيس المصري المنتخب الوحيد، وسجن عشرات الآلاف من خصومه، وعذب سجناءه حتى الموت. ونحن نشجع مواطني المملكة المتحدة على دعم صناعة السياحة في بلاده المفلسة، وإرسال البحرية الملكية في زيارات مجاملة إلى الإسكندرية، ونثني على استقرار مصر في ظل طاغوتها البائس الذي يحارب «التطرف» الإسلامي وما إلى ذلك.

سوريا بفسادها خارج مجال النقد

الأمر نفسه ينطبق على سوريا. يتعامل الروس مع الأسد (الفائز بنسبة 88.7% في انتخابات عام 2014م)، وقد يعيدون بناء بلده بالكامل، وتقوم سفنهم بزيارات مجاملة – بل الكثير منها – إلى الموانئ السورية، ويُنظر إلى النظام في موسكو على أنه متراس ضد «التطرف» الإسلامي (وما إلى ذلك، مرة أخرى).

والفساد السعودي – في أرض لا تحلم بإجراء أي انتخابات حتى لو فاز ملكها أو ولي عهدها بنسبة 99.9% من الأصوات – هو نفسه موضع احترام كبير للغاية لدرجة أنه يمكن إلغاء قضايا الفساد في مكتب الاحتيال في المملكة المتحدة، ما لم نزعج الفاسدين الرئيسيين في المملكة المتحدة.

كان لدى توني بلير الكثير ليقوله عن «المصلحة الوطنية» لبريطانيا عندما يتعلق الأمر بإعفاء أولئك الذين يُزعم أنهم حصلوا على الرشاوى من المسئولية. وفصل الخطاب هو: الطغاة العرب فاسدون، والشعب مقموع ليس إلا. نحن نعلم أن تصويتهم – عندما يتظاهرون بإجراء انتخابات – هو مجرد خيال لا حقيقة.

انفجار بيروت

لكن اللبنانيين، وهو أمر غريب للغاية، يخضعون بمساءلة أكثر تدقيقًا من جانبنا. لم تسفر انتخاباتهم البرلمانية عن 90% أو 80% أبدًا. غالبًا ما تكون نتائجهم من أرقام فردية، ولأن نظام القائمة الطائفية للتصويت شامل للغاية، وقد جرت صياغته بعناية بحيث يأخذ السكان – أي أصولهم الدينية – في الاعتبار. وهو على طريقه، يعد نظامًا عادلًا تمامًا – إذا تجاهلت الكسب غير المشروع والمنح النقدية وإذا – وفقط إذا – ما قبلت نظام التصويت الطائفي والسياسة الطائفية كلية للدولة والحقيقة التي لا مفر منها؛ وهي أن التصويت سيؤدي إلى سلسلة من القادة على مقاعد دوارة يمسكون بزمام السلطة بسبب ديانتهم ، وليس قدراتهم.

لا يمكن للبنان أن يصبح دولة حديثة

ما يرغب فيه الشباب اللبناني – أو أولئك الذين نلاحظهم وهم يتظاهرون اليوم – من السهل فهمه؛ لا توجد أمة يجب أن يكون رئيسها مسيحيًّا مارونيًّا، ويكون رئيس وزرائها دائمًا مسلمًا سنيًّا، ورئيس برلمانها يجب أن يكون دائمًا شيعيًّا، يمكن أن تكون دولة حديثة أبدًا. إن يقين تولي السلطة من خلال الطائفة الدينية يضمن الفساد. لا يمكن أن تكون هناك ضوابط على عدم الأمانة عندما تعتمد السلطة على الخوف المتبادل بدلًا من الحلول الوسط.

انه من خلال منح المواطنين كافة حق التصويت – في عملية انتخابية شديدة الانحراف لدرجة أنه حتى النواب ينبغي لهم أن «يدرسوا شكلها»، إن صح التعبير – يورط اللبنانيون أنفسهم في عجلة العار الانتخابية، وهكذا، فإن مشاركتهم الكبيرة في الانتخابات لوثتهم بالفساد الذي يكرهونه بحق كرهًا عميقًا.

ولا عجب أن يكون احتجاج اللبنانيين وغضبهم حارقًا جدًّا. إن استقالة الحكومة اللبنانية – مثل العرض المسرحي البسيط الذي قام به حسان دياب يوم الاثنين – هي مجرد دعوة أخرى لمشاركة اللبنانيين فيما تقوم به الدولة مستقبلًا من أعمال إذلال الذات: مثل دعونا نُجري انتخابات أخرى ونعيد المحتالين أنفسهم إلى كازينو المقامرة على الدولة.

كيف ننهي العقد المشين الذي يحتجز لبنان؟

ولنفكر – ونعم هذا صحيح – كم مرة امتدحنا نحن الغرباء «الديمقراطية» الفريدة في لبنان مضيفين أنها إذا كان بها عيب فهي على الأقل أفضل من الديكتاتوريات المحيطة بها.

لكن ، كيف يمكن لمثل هذه الحركة، التي ليس لها قادة، والشابة والشريفة والمحترمة سياسيًّا – العازمين حقًّا على إنهاء «العقد الوطني» المشين المسجون فيه لبنان – هل من خلال إحداث تغيير دستوري؟ لقد سمعنا المزيد والمزيد من الأصوات تتحدث عن كيف كان حكم الفرنسيين للبنان أفضل، وهذا هراء ينبغي أن تسحقه أي قراءة للتاريخ اللبناني الحديث – ويمكنك استرجاع أعمال المؤرخ (كمال صليبي)، والصحافي (سمير) قصير، والعميد ستيفن (لونجريج) الرائع، إذا كانت تساورك الشكوك حيال ذلك الأمر.

بيد أن الأفكار الأكثر جدية تظهر الآن على السطح؛ إذ ينبغي أن يكون هناك شكل ما من أشكال التفويض الدولي لإنقاذ الاقتصاد اللبناني، وإجبار البنوك والحكومة على الالتزام بالشفافية، وتُشكِّل قيادة لبنان حكومة تمثيلية بدلًا من حصولهم على الامتياز الإقطاعي الملكي.

لكن مع اللحظة التي يصل فيها الغرب في صورة صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية – وفعلًا حصلت الأمم المتحدة بطريقة ما على بعض التفويضات غير المجربة وغير المخطط لها – سيتحد مسيحيو لبنان ومسلموها من أجل طردهم بشجاعة، كما فعل أجدادهم مع الفرنسيين.

عمليات الإنقاذ الغربية تحاكي الانتداب الاستعماري

خلال القرن المنصرم، تخصصنا في العالم الغربي في إنشاء دول جديدة، ودساتير جديدة، و«شعوب» جديدة تحتشد في تجمعات غير مرتبة داخل حدود ليس لها أي معنى جغرافي أو حتى سياسي، ويمكننا بالكاد أن نبدأ العبث مع النظام مرة أخرى، بعقاب اللبنانيين على جشعهم إذا أرادوا منا أن ننقذ اقتصادهم وبنوكهم، وأن نوفر لهم الطعام، ونعيد إعمار أراضيهم، ونؤسس لأنظمة سياسية جديدة.

انفجار بيروت

ان تكلفة عمليات الإنقاذ الغربية فعلًا – من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وجميع إمبراطوريات الغرب المالية – ستشبه قليلًا الانتداب الاستعماري لعام 1919، وتشبه كثيرًا التعويضات القاسية التي فُرضت على ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى. ولفرض قانوننا على أمة محطمة وتتضور جوعًا في عام 1919، ولضمان سداد ديونها، كان علينا احتلال جزء من الأمة الألمانية.

ومن أجل «تطهير» لبنان اليوم تطهيرًا كاملًا، سينبغي للغرب التأكد من إذعان الشعب اللبناني للقواعد الجديدة. وما هي قوة الأمم المتحدة التي ستستدعى لإنجاز هذه المهمة المستحيلة؟

الحل الوحيد المعقول!

إن الوسيلة الوحيدة المعقولة هي الجمع بين رابطة دولية جديدة متصلة بسخاء خطة مارشال، وعملية مراجعة للالتزامات الدولية – ليس تجاه لبنان الصغير فحسب، بل تجاه مأساة منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وهو ما يعد عملًا خياليًّا متعدد الجنسيات بمقدوره وضع حد للحروب الطائفية والتوسعية كافة، التي عصفت بالمنطقة خلال المائة عام الماضية.

اننا يمكن أن نلمس هذا المجهود الدولي بالتفكير في منظمة الأمم المتحدة عند تأسيسها في عام 1945، عندما كانت مكانًا قريبًا من البهجة والنشاط (ونقاء يشبه نقاء العذراء تقريبًا) عندما نقارنها بالحمار العجوز الذي يتلاشى دوره أمامنا اليوم.

عصر “ترمب وبوتين” حاجز أمام إنقاذ لبنان

لكن هذا المجهود الدولي المقترح يصطدم بواقعنا الحالي. لكننا نعيش في عصر دونالد ترمب، وفلاديمير بوتين، وقومية من النوع ، الذي لم يكن يحلم به ، سوى المستبدين العرب قبل بضع سنوات.

لن يسير اللبنانيون وحدهم ، سعيًا لوضع نهاية للفساد المستشرى في بلادهم، بل إننا جميعًا مطالبون بالشيء ذاته في سائر أنحاء العالم. ومن أجل ابتكار عبارة مبتذلة أخرى، نحن جميعًا لبنانيون الآن، وهذا هو السبب في أن الكارثة، التي اجتاحت عاصمتهم ، كانت قوية ومروعة جدًّا.

https://www.independent.co.uk/voices/beirut-explosion-lebanon-corruption-government-resign-hezbollah-assad-sisi-a9665356.html