aren

“كنعان” \\ بقلم : معن حمزة
الأحد - 24 - أكتوبر - 2021

من أين تأتي مفردة “كنعان” ، وماذا تعني؟

أولاً ، أحب أن أوضح التالي لمن يسألني عن مراجع ومصادر. أعزائي أنا أكتب من الذاكرة ، وهذا يتأتى من تراكم معلوماتي عبر سنوات طويلة من القراءة والبحث والتفكير ، وأخذ مواد جامعية في التاريخ السوري القديم ، ومطاردة المعنى في المعاجم الاكادية والاوغاريتية ، وما إليه.

معن حمزة

 منذ أيام وضعت مادة حول تاريخ مفردة “إقنوم” ، والتي جمعها (أقانيم) ، متوصلاً إلى أن أصل المعنى ، هو من مفردة “قنو” الأكادية ، والتي تعني : حجر اللازورد.

وما علاقة هذا بكنعان؟ :)))

مفردة “قنو” الأكادية ، ذهبت إلى الأوغاريتية في مفردة “إقنو” ، والتي بدورها تعني اللازورد. لكنها تعني أيضاً اللون الأزرق الغامق ، كأن نقول “هذا بلون الإقنو” وذهبت إسماً للأزرق.

هذا ما تشير إليه الوثائق الأكادية. لكن هذه الوثائق تشير أيضاً إلى مفردة ثانية في معرض الحديث عن الألوان ، ألا وهي مفردة “كنحّو” ، وهذه المفردة ترد في لوائح إقتصادية مع مفردة “قنو” في نصوص “نوزي.” ونوزي منطقة تقع قريباً من كركوك العراقية ، اكتشف فيها وثائق أكادية ، فسميت بنصوص “نوزي”

هنالك اليوم إتفاق بين لغويي اللغات السامية القديمة على أن “كنحّو” ، تعني اللون الأرجواني الأحمر. وما هي كل تلك الألوان من الأزرق إلى الأرجواني  الأحمر في وثائق إقتصادية؟ هذه جداول تجارية ، تتحدث عن الصبغات وأسعارها.

وثاقبو النظر ، سيدركون إلى أين انا ذاهب هنا. فالأرجواني الأحمر ، هو ما كان يستخرج من أصداف المرّيق (الموريكس). لكن ما هو مصدر “كنحّو”؟ ليس هنالك من إتفاق حول هذا الشأن. فمنهم من يربطها باللغة الحورية (الحوريون الذين كانوا في جنوب شرق تركيا وأقصى شمال شرق سوريا والعراق)، لكن هذا الربط يلقى الكثير من الصعوبات. لكن ما يهمنا هنا أن “كنحّو” تعني الصبغة الأرجوانية. وتشير أقدم المصادر اليونانية إلى بلاد “الكناع” ، حيث الصبغة الأرجوانية. ومن ثم تأتي مفردة “كناحني” في رسائل تل العمارنة ، مشيرة إلى بلاد الأرجوان…..بلاد كنعان.

لكن كيف تحولت “كنح” إلى “كنع”؟ ، هنا يبدأ الخلط اللغوي ما بين الأكادية والحورية. كنح تنتقل إلى الحورية بمفردة “كناغ” ومن الواضح أن كاتبي النصوص القديمة ، وقعوا في هذا اللغط اللغوي ، متحولين إلى “كنا” و”كناغ” و……..”كناع”

ومن (كناع) ، نأتي إلى (كنعان).

كنعان ، تعني “وطن الأرجوان.” إستخدم اليونانيون ، مفردة “كناع”، ومن ثم إستخدموا المفردة اليونانية “فوينوس” ، ومن هنا تأتي فوينوكس وفينيقيا. بكلمات أخرى فينيقيا وكنعان ، تحملان نفس المعنى” بلاد الأرجوان”

وأين هي بلاد الأرجوان؟

هي الساحل السوري ، الممتد من أوغاريت إلى عكا ، حيث كانت صناعة إستخراج الأرجوان. إذن ليس هنالك من خصوصية إثنية حول كلمة فينيقيا،كأن نقول انها حصرياً الساحل اللبناني. وليس الفينيقي ، هو الذي حصرياً من لبنان.

فكنعان (بلاد الأرجوان)، تعني الساحل السوري ككل ، والفينيقي كما فهمها اليونانيون ، هو كل (من تاجر بصبغة الأرجوان) ،أكان من أوغاريت أو صور أو صيدا أو عكا.

من أين يأتي هذا اللغط التاريخي حول أن فينيقيا ، هي حصرياً الساحل اللبناني؟

كل ما في الأمر ، أن تجارة الأرجوان، إنتقلت حصرياً إلى صور وصيدا بعد تخريب أوغاريت ، حوالي العام 1100 قبل الميلاد (نهايات عصر البرونز)، وبعدها يأتي الكيان اللبناني في العام 1924 ليعيد كتابة التاريخ بشكله المشوه جاعلاً من “فينيقيا” خصوصية تاريخية تتعلق بالساحل اللبناني. وكل ما كانت تعنيه كلمة “فينيقي” ، هو من كان من “وطن الأرجوان” ، ومن ثم تنتقل لتحدد الفينيقي من كان تحديداً تاجر صبغة الأرجوان. وهذا لا يحمل إثنية ضيقة، بل يحمل توصيفاً للتجارة بمادة محددة.

حتى أن كلمة “كنعاني” ، تتحول عير القرون من “سكان الساحل السوري” (بلاد  الأرجوان) إلى طبقة التجار من الكنعانيين من الطبقة المتوسطة وما أتى فوقها: تجار الأرجوان. وتحديد الساحل اللبناني، بأنه هو فينيقيا لم يأتِ إلا من عقول تجار التاريخ الرخيصين ، ممن وضعوا أسس الكيان اللبناني مشددين على خصوصية فينيقيا والفينيقيين.