aren

كبيرُ المخدوعين وأوّلُهمْ \\ كتابة : جهاد الزين
الخميس - 14 - أكتوبر - 2021

أبو الحسن بني صدر الشهير فقط بكونه أول رئيس جمهورية في تاريخ إيران ورغم اختلاف تكوينه المدني عن تكوين مخدوع آخر شهير هو العسكري الجنرال المصري محمد نجيب أول رئيس جمهورية في مصر فكلاهما وضعتهما الأقدار على رأس حركتين لم يكن الإثنان يعرفان عمق كلٍّ منها وراديكاليتٍها وقطيعيّتَها بين عالمين ظنّا أنه يمكن الانتقال بينهما بتعايش سلمي في مصر وحتى تسووي، ما قبل الانقلاب الذي سيتحول إلى ثورة في مصر وفي إيران ما قبل الثورة التي ستتحول إلى ما يشبه الانقلاب الدائم.

وإذا كان محمد نجيب قد خُدع مرةً واحدةً ووحيدة، وأصبح بعدها أسير النسيان الكامل على هامش تاريخ البلد المهم مصر فإن أبا الحسن بني صدر قد خُدع “مرتين”، مرة هو ذلك المدني الذي اعتقد أنه بإمكان التراث الدستوري للحركة المدنية الإيرانية أن يحل مكان نظام ملكي فقد شرعيته الوطنية منذ العام 1952 ولو عاد سيّدُه إلى الحكم لاحقا بل أعيد بأسوأ شكل ممكن أمام جميع النخب الإيرانية الدينية واليسارية والليبرالية عندما فرضته الولايات المتحدة الأميركية مجددا عبر انقلاب قادته المخابرات المركزية (CIA) حاول بعدها دون طائل أن يكرِّس شرعية إصلاحية من فوق سقطت في فخ الرجعية الدينية، ولو كان الشاه أغرى بعض الليبراليين التحديثيين بالانضمام إليه إلا أن معظمهم لم يستطع تحمّلَ فرض الإصلاح التحديثي (الزراعة وملكية الأرض) عبر الاستبداد المخابراتي وعبر علاقة مع إسرائيل ساهمت في تصديع سمعة الشاه الوطنية لدى نخب إيرانية مشْبَعة بالعداء للاستعمار البريطاني والنفوذ الروسي القيصري في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين.

صحيح، كما يعترف المرشد الحالي علي خامنئي في مذكراته، أن الشاه في فترة ما نجح في تعميم صورة سلبية بل حتى تهكمية عن رجال الدين الإيرانيين إلا أن الغليان العميق الاجتماعي والسياسي، المدعوم من الغرب الذي صار ينظر إلى الشاه كحصان خاسر، كان لا بد أن يطفو على السطح ويطيح به. ولربما سيُذكَر للشاهِ ذات يوم أنه فضّل الخروج من إيران والتخلي عن السلطة على استخدام السلاح ضد شعبه الذي كان الحرس الأمبراطوري وبعض الجيش الموالي له حتى اللحظة الأخيرة مستعدَيْن للقيام به.

هذا الإرث الدستوري الديموقراطي الذي قطفه بالنتيجة رجال الدين الراديكاليون، انخدع به بني صدر ليسقط لاحقا ويجد نفسه في المنفى أسير خدعة ثانية تعرّض لها ممن بنى تحالفا اعتراضيا معهم وهم “مجاهدو خلق” اليساريون الإسلاميون الذين ستؤدي راديكاليتهم إلى عزل الاعتراض على النظام الخميني في قوقعة إرهابية تفوّق عليها إرهابُ نظام طهران ولاسيما حين ظهر صدام حسين وكأنه ارتكب الحماقة الكبرى بإعلان الحرب على إيران مع أن هناك من يعتقد أن الخميني نجح في جعل صدّام حسين بين خيارين، إما السقوط تحت وطأة المد الشيعي الهائل داخل العراق، المد الذي فجّرته الثورة الإيرانية، وإما إعلان الحرب لإقفال حدود العراق أمام الجحافل الأيديولوجية والطائفية للثورة الإيرانية. ولا خيار ثالثا فظهر صدّام “صانعا” مُداناً لحرب لم يكن يملك سوى الدخول فيها بعكس حماقته في اجتياح الكويت التي تولّدت عن محض غروره وحده.

عرفتُ بني صدر بعد فراره إلى فرنسا عبر موعد أمّنه لي يومها الصديق خليل الشميل بواسطة مساعد بني صدر المقرب أحمد سلامتيان الذي سأشاهده بعد أكثر من عشرين عاما وراء طاولة في مكتبة لبيع الكتب القديمة أصبح يملكها في أحد أزقة الحي اللاتيني.

التأريخ غالبا كما هو معروف يكتبه المنتصر ولو لفترة مؤقتة. الأمثلة كثيرة ولكن في ما يعنينا فالأمويون المنتصرون كتبوا التاريخ طويلاً ولكن مؤقتا، حتى عاد “التوازن” في العهد العباسي الذي سيتيح للعلويين، (شيعة علي وأئمتهم) أن يفرضوا مساحة لقراءتهم للتاريخ بين المساحات الأساسية في التاريخ الإسلامي.

لا تقوم كتابة التأريخ على فرضيات لكن يبدو لي أن الخدعة الثانية التي تلافاها محمد نجيب المصري أو هي تلافَتْه كان يمكن أن تكون خدعة سيطرة “الإخوان المسلمين” على السلطة في مصر لو لم ينجح الجناح الذي يقوده جمال عبد الناصر في استئصال الخطر “الإخواني”. أما الإيراني أبو الحسن بني صدر (وهو الفارسي الأصل عكس التركي الأصل السيد خامنئي) فسيكون مخدوعا سريعا في سياق التاريخ الإيراني الحافل.

كان صديق إيراني شغل ذات يوم منصبا رفيعا في عهد الرئيس محمد خاتمي قبل أن يدخل غياهب السجن ثم النسيان يقول ملاحظاً أن الإيرانيين أسقطوا مع سقوط محمد رضا بهلوي، الشاهَ الوحيد الفارسي الأصل على بلاد فارس التي حكمتها منذ الفتح الإسلامي سلالات عربية ومنذ أكثر من ألف عام سلالات تركية بمن فيهم الصفويون ثم القاجاريون… واليوم خامنئي.