aren

كارما خالد يوسف \\ كتابة : عماد الدين حسين
الخميس - 14 - يونيو - 2018

عماد الدين حسين

عندما انتهى العرض الخاص لفيلم «كارما»، وخرجنا من صالة العرض، هنأت مؤلف ومخرج الفيلم خالد يوسف، فسألني مداعبا: «بذمتك ده فيلم يتمنع»!. أجبته بنفس الطريقة، «طبعا يتمنع ونص»!.

العرض الخاص كان مساء الثلاثاء الماضي في إحدى دور العرض بحي الشيخ زايد ، وحضره نخبة من الشخصيات العامة منهم عمرو موسى وأحمد جلال وإبراهيم المعلم وإبراهيم عبدالمجيد ومحمد العدل وإبراهيم عيسى ولميس الحديدي وخالد صلاح ومجدي الجلاد، إضافة بالطبع لمعظم أبطال الفيلم وفنانين آخرين.

حينما تسلمت الدعوة لمشاهدة الفيلم لفت نظري وجود مقولتين على يمين ويسار الدعوة.

القول الأول لاسم بطل الفيلم «وطني مينا عبدالملك»: «فيه فرق بين اللي عاش الفقر، واللي سمع عنه»، فى حين أن القول الثاني هو: «أنا لو من الحكومة لازم نرمي الفقرا في النيل ونخلص»، وصاحبه هو أدهم المصرى وهو أيضا اسم بطل الفيلم.

هل ساهمت هذه الأقوال في الضجة التي جعلت الرقابة تسحب ترخيص الفيلم قبل ثلاثة أيام من عرضه؟!.

ربما كانت لها دور، لكنه في النهاية هامش، وظني الشخصي أن جرأة الفيلم عموما، هي السبب، الذي جعل البعض يخشى ــ واهما ــ أن يترك أثرا سلبيا أو يسىء لعلاقات المسلمين والمسيحيين.

الذين اتخذوا قرار سحب الترخيص، أخطأوا خطئا كبيرا في حق السينما وحق مصر، لأنهم كرروا «عملية الإخراج السيئ» للعديد من الأزمات.

لو أن هناك أي مشكلة في الفيلم، كان يفترض حلها منذ البداية، ولو أن هناك مشهدا أو مشهدين بهما مشكلة، كان يمكن التعامل معهما قبل إصدار ترخيص العرض، ومعلوم للجميع أن الرقابة على المصنفات الفنية تحذف العديد من المشاهد من بعض الأفلام لأسباب متعددة، ولا أحد يشعر بالأمر، طالما أنه قبل إجازة الفيلم.

في المقابل ينبغي أن نوجه تحية خاصة لصاحب قرار عرض الفيلم بعد سحب ترخيصه، لأنه أنقذ الحكومة والنظام من موقف محرج، والشكر لكل من ساهم في حل المشكلة خصوصا وزيرة الثقافة إيناس عبدالدايم.

نعود مرة أخرى إلى مضمون الفيلم الذي يقال إنه تكلف ٣٠ مليون جنيه ومن إنتاج شركة «مصر العربية للإنتاج السينمائي». الفيلم طويل نسبيا، ورغم أنني لست ناقدا سينمائيا، فالحقيقة أنني استمتعت بوجبة فنية دسمة، هي استمرار للخلطة الخاصة لأفلام خالد يوسف، التي تجمع بين الإبهار والعوامل النفسية المعقدة والتداخل ما بين السلطة ورجال الأعمال.

عمرو سعد يقوم بدور رجل أعمال كبير جدا «أدهم المصري»، يملك المليارات، ويحلم بالتكويش على المزيد لكن لديه حلما أو كابوسا يطارده طوال الوقت، بأن هناك شخصا آخر أو نسخة منه يعيش في منطقة أبوالسعود الشعبية والفقيرة جدا.

الشخصيتان متداخلتان معا طوال أحداث الفيلم، وهما يعكسان هاجس خالد يوسف الدائم بشأن التفاوت الطبقي الرهيب بين الأغنياء والفقراء، والذي يعكسه الفيلم بصورة مبهرة.

خالد يوسف

وأنت تتابع الفيلم تستطيع أن تلمس تأثر خالد يوسف بالأحداث الجارية من أول إزالة بيوت ماسبيرو، إلى محاولات السيطرة على الصحف الخاصة، إلى الصراع بين كبار رجال الأعمال على النفوذ والصفقات.

هناك حضور واضح للاعلاميين في الفيلم ليوسف الحسيني وخالد تليمة وإنجى أنور. خالد الصاوي يلعب في الفيلم دورا مميزا أقرب إلى الطبيب النفسي أو مفسر الأحلام، وفي النهاية نكاد نكتشف أننا تقريبا إزاء شخصية واحدة لكل من أدهم المصري ووطني مينا عبدالملك، وأن الأول «رجل الأعمال» يريد أن يتطهر من الغنى الفاحش والثاني يريد أن يعتمد على كنزه ويتحرر من الفقر، وفي بعض المشاهد كانت هناك «مباشرة سافرة غير مستحبة».

البعد الأهم في الفيلم أنه يفضح ثقافة التعصب الديني المنتشرة ليس فقط بين رجال الدين وتجاره، ولكن بين طبقات شعبية كثيرة. فأحد جوانب الصراع بين «وطني وأدهم» أنهما مسيحى ومسلم. لكن طوال الفيلم، نلمس أن العلاقات الحياتية اليومية بين الجانبين جيدة جدا، لولا الثقافة السائدة التي يوظفها كثيرون لخدمة مصالح مختلفة.

حينما انتهى الفيلم «التمست العذر قليلا» لمن اتخذ قرار المنع، فالفيلم فعلا جريء بمقاييس الحاضر الصعب الذي نعيشه، لكن الرابح الأول ليس فقط خالد يوسف وفريق الفيلم، بل الحكومة والنظام، لأنهم يستطيعون القول: «ما يزال هناك هامش من الحرية يمكن الرهان عليه وتطويره».

شكرا لخالد يوسف وفريق الفيلم وللهامش الذي يجعلنا قادرين على التنفس!!.

“الشروق”المصرية