aren

كأن أميركا تتّجه إلى أزمة نظام سياسي … جهاد الزين
الأحد - 11 - ديسمبر - 2016

دعونا نتعلّم المزيد في العالم الثالث من العالم الأول وخصوصا أول الأول الولايات المتحدة الأميركية : أكثر فأكثر يتبيّن أن فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية يطرح تحدياً نوعياً على النظام السياسي الأميركي برمته يتجاوز ما سبقه من تحديات، لا سيما قضية فوز جورج دبليو بوش وخسارة آل غور أمامه.

التحديات متعددة حتى لربما تصبح أزمة نظام إذا استمر “انكشاف” مستويات متعددة:

هناك أولاً المسألة الكبرى أي تزايد رقم الأصوات التي تقدمت فيها هيلاري كلينتون على دونالد ترامب بما يُسمّى الصوت الشعبي حتى بلغت إلى يوم الثامن من كانون الأول الجاري مليونين وسبعماية ألف صوت (الأرجح أن تزيد).

لكن الجديد الخطِر في الموضوع أن هذا التقدّم الذي تحرزه كلينتون قد يحصل في الولايات التي حسمت فوز ترامب بالتصويت حسب الولاية. مما يعني إمكان حصول هيلاري على أصوات مندوبين ونزعها عن ترامب؟

هل تتغيّر النتيجة؟ لا نعلم. لكن تخيّلوا لو حصل ذلك ورفض ترامب خسارته بعدد المندوبين بحجة اخترعها سلفاً وهي وجود مليوني صوت لصالح كلينتون مزوّرين.

الأميركيون إذن هم أمام رئيس يهدد خلال الحملة الانتخابية بعدم الاعتراف بالنتائج إذا خسر، ثم يهدد بعد فوزه بعدم الاعتراف إذا تغيرت النتيجة بحجة أن الأصوات التي أعيد فرزها لصالح كلينتون هي مزوّرة.

هذا لا يحدث في دولة إفريقية أو عربية أو شرق أوسطية أو أميركية لاتينية. إنه يحدث في أميركا. في العالم الثالث يشكك الخاسرون بالانتخابات برمتها ولا يعترفون بها وهذا يحصل دائماً في العالم الثالث في أنظمة غير مستقرة وقلقة وأصلاً ناقصةُ الشرعية إن لم تكن فاقدتَها.

التحدّي الثاني: أميركا في أحد تصنيفاتها الأساسية في العلوم السياسية هي “دولة إعلام” (Media state) من حيث أن حجم الدور الذي يلعبه الإعلام التقليدي، الصحافة التلفزيون الإذاعة، يجعلها دولة العنصرُ القوي جداً والمساهم في القرار السياسي هو الإعلام. دونالد ترامب في مواجهته غير المسبوقة مع “بنية” الصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية يجعله في العمق، ويومياً تقريباً، ضد إحدى أكبر مؤسسات الديموقراطية الأميركية وبتأثير يتجاوز أي بلد غربي. كيف للديموقراطية الثابتة والجدية أن تكون ديموقراطية في أي دولة غربية من دون الإعلام وخصوصاً أميركا!؟ الثقافة الديموقراطية في خطر عندنا في العالم الثالث بسبب هذه الحالة. النبع الذي تشرب منه قوى الضغط الديموقراطي في العالم المتخلِّف أصبحت ماؤه عكرة مع ترامب.

التحدي الثالث هو استخدامه المباشر لوسائل التواصل الاجتماعي وخصوصا “تويتر”. كان يمكن لهذا الاستخدام أن يكون جزءاً من تطوير نوع غير مسبوق من ديموقراطية شعبية مباشرة (تُنسَب عادة لأثينا في اليونان القديمة). ولكن الذي يحصل بحسب مقالات أميركية عديدة في الأيام الأخيرة أن ترامب يستخدم “تويتر” لتهديد الشركات والقادة النقابيين الذين يعارضونه، كذلك طبعاً ضد بعض السياسيين والصحافيين حتى أن إحدى الشركات التي تجرأ رئيسها على تكذيب معلومات أدلى بها ترامب تعرضت لتهديد مباشر في ملكيتها أدى إلى انخفاض أسهمها. إذن هذا رئيس يهدد وينتقم ويؤذي مباشرة معارضيه. هذا أيضا تحدٍ غير مسبوق له تأثير على فعالية النظام السياسي نفسه.

التحدي الرابع هو “اكتظاظ” فريق حكم ترامب الآتي بالعسكريين بشكل أيضاً غير مسبوق مما يمكن أن يتحول إلى تهديد للعالم الخارجي نفسه. إذ تكاد تكون أميركا بعد ستة أسابيع تحت سلطة حكومة عسكرية يديرها رجل أعمال مشبوه أخلاقياً ومالياً وديموقراطياً.

الترامبية تبدو حتى قبل استلام الرئيس الجديد شاذة على أميركا. وقد تتفاقم الأمور. كل هذا خبر سيئ بل أخبار سيئة في العالم الثالث ذي الحكومات الكثيرة الفاسدة والديكتاتورية والسياسيين الميؤوس من معظمهم. ويخدم وصولُهُ صعودَ كل التيارات المتعصبة.

على أنه ربما كانت الإيجابية الوحيدة أو احتمال الإيجابية الوحيدة من وصول ترامب هو دفع نخب العالم المسلم للتفكير الجدي بالمساهمة مع القوى العقلانية الأميركية والأوروبية في مواجهة بل استنفار كامل ضد التطرف الإسلامي ليس فقط السياسي والإرهابي بل الاجتماعي والثقافي أيضاً.

النهار اللبنانية