aren

قراءة متأنية في المرسوم (16) الناظم لعمل “وزارة الأوقاف” \\ بقلم : د. منذر خدام
الأحد - 7 - أكتوبر - 2018

سورية والعلمانية

حفلت وسائل التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة ، بتعليقات كثيرة على المرسوم (16) ، الناظم لعمل وزارة الأوقاف ، جاءت في غالبيتها الساحقة ، ضد المرسوم .

واللافت ، ان أغلب الرافضين للمرسوم لم يطلعوا عليه ، ربما بسبب صعوبة الحصول عليه ، فهو غير منشور للجمهور، أو ربما بسبب ردة الفعل تجاه وزارة الأوقاف ومؤسساتها ، كنوع من “فشة خلق” ضد الارهاب عموما ، الذي مورس تحت الرايات الدينية الاسلامية ، وهذا متوقع في الظروف التي مرت بها سوريا ، خلال الأزمة الراهنة.

ومع أنني – من حيث المبدأ – ضد وجود وزارة للأوقاف أصلا، ولم تكن يوما موضع اهتمامي ، مع ذلك فقد أثارت تعليقات كثيرة على المرسوم المذكور ، هواجس جمة لدي ، كان من الصعب تهدئتها ، إلا بالاطلاع المباشر على نص المرسوم ، وقراءته بصورة موضوعية متأنية – هذا حصل – واعرضه في هذه المقالة.

اللافت أن بعض القوانين الناظمة للعمل الديني الاسلامي في سورية ، تعود إلى عام 1949 ( المرسوم 474 تاريخ 27/2/1949 قانون الموظفين الدينين) ، وإلى مرحلة الستينيات ( المرسوم 204 الصادر في تاريخ 11/12/1961 المتعلق بتنظيم وزارة الأوقافـ وغيره) .

وبحسب ما جاء في الأسباب الموجبة لمشروع المرسوم (16) ، فإن هذه المرجعيات القانونية لتنظيم العمل الديني ومؤسساته ، لم يطرأ عليها أي تعديل يواكب ” النهضة التشريعية” !!! ، ولذلك كان لابد من اعادة النظر فيها ، بما يسهم في ” مأسسة العمل الديني ” ، ذلك لأن وزارة الأوقاف ، هي الجهة المعنية بتحديد   “معايير وضوابط الخطاب الديني، ووضع ضوابطه وتطوير أساليبه بما يحقق تعزيز مبادئ المواطنة والإخاء الديني، وإزكاء روح الانتماء الوطني، ومحاسبة الفكر التكفيري المتطرف لحماية الوحدة الاسلامية والوطنية، والوقوف في وجه التنظيمات التكفيرية ذات الأفكار الظلامية الهدامة لتحصين الأمة الإسلامية من أخطارها وتعزيز قيم الوسطية والاعتدال”.

للوهلة الأولى ، تبدو المقاصد في هذا المقتطف من مقدمة المرسوم (16) جيدة ، فالوزارة بصفتها الجهة المعنية سوف تضبط الخطاب الديني ، وتطور أساليبه بما يحقق ” تعزيز مبادئ المواطنة ، والإخاء الديني، وازكاء روح الانتماء الوطني ..”. غير ان تنفيذ ذلك عمليا ، يخرج عن إطار المؤسسات الدينية إلى السياسة العامة للدولة ، وإلى طبيعة النظام الحاكم.

ليس لوزارة الأوقاف أي دور خارج إطار السياسة العامة للسلطة ، كجهاز من أجهزتها ، لفرض السيطرة الأمنية على جمهور المتدينين ، واذا كان كثير من السوريين قد كفر بوطنه ، وفضل الأجنبي عليه ، فليس بسبب فهمه الخاطئ للدين ، بل بسبب الظلم الذي يعانيه بالدرجة الأولى.

إن تعزيز الانتماء إلى الوطن ، يكون بتعزيز قيم الحرية والقانون ، وفتح المجال السياسي ليمارس الجميع حياتهم السياسية الطبيعية ، وبالتنمية الاقتصادية الشاملة ، وبتحييد الدين عن الشأن العام ، وخصوصا لجهة استثماره في السياسة.

ومن بين المقاصد الجيدة أيضا ، التي وردت في هذه الفقرة من مقدمة المرسوم (16)  “محاسبة الفكر التكفيري المتطرف”( الفكر لا يحاسب بل صاحبه، الفكر ينتقد) ، والوقوف في وجه ” التنظيمات التكفيرية..” لتحصين “الأمة الاسلامية !!”.

هنا تبرز المهام الأمنية لوزارة الأوقاف بوضوح، في توسيع لدور أجهزتها المختلفة ، خارج إطار الوعظ الديني الارشادي . في النظام الديمقراطي ، من حق كل ذي فكر ، أو رأي ، أن يعبر عنه بحرية بالطرق السلمية ، مهما كان متطرفا ، والرد عليه لا يكون إلا بالفكر المختلف أيضاً.

بالطبع في القانون ، او في الدستور ، يمكن تقييد هذا الحق بالحرية – مثل غيره – بما لا يؤدي إلى التعدي على حقوق الآخرين الفكرية ، او بما لا يؤسس للتطرف السياسي الديني او غيرالديني ، وتهديد استقرار الدولة ، وأمنها.

أضف إلى ذلك ، فإن الفكر الديني عموما ، بل الدين ذاته (أي دين) ، لا يكون كذلك ، إلا بتكفير الآخر المختلف ، والعمل على نفيه (قتله في الحالات المتطرفة) ، فهو في جوهرة مع وحدة الملة ، وضد وحدة الملل. فقط في النظام الديمقراطي العلماني ، يمكن حصر ذلك في إطار الفضاء الديني الطقوسي الضيق ، ومنع تأثيره على الفضاء السياسي .

وعلى افتراض ، أن الوزارة الزمت خطباء الجوامع ، بالتركيز على المقاصد السابقة في خطبهم ، عندئذ لن يكون ذلك خطابا دينيا، بل سياسيا بامتياز.

وفي الفقرة الثانية ، من الأسباب الموجبة ، يتم النص على ضرورة وضع ” ضوابط العمل الديني” ( ربما الصحيح الحديث عن نشاط ديني ، او ممارسات دينية ، وليس عن عمل ديني) ، وتحديد ” أسس تكليف أرباب الشعائر الدينية…” ، وذلك لضمان عدم اعتلاء المنابر من قبل ” أصحاب الأفكار المتطرفة..”.

في السابق أيضا ، كانت الوزارة هي التي تعين أرباب الشعائر الدينية ، بعد الحصول على الموافقات الأمنية المطلوبة – مثل أي مجال للتوظيف في الدولة – بل وتراقب خطبهم ، وفي حالات كثيرة تعدها لهم ، مع ذلك اعتلى كثير من خطباء الجوامع المتطرفون المنابر في مناطق سيطرت عليها الحركات الاسلامية المتطرفة، وما إن عادت الحكومة ، وسيطرت عليها ، حتى صار الخطباء انفسهم معتدلين ، بحسب نظرة النظام إلى الاعتدال.

إنه التوظيف السياسي للدين ، فالدين الاسلامي تحديدا ، يمكن قراءته بصورة صحيحة من موقعين متناقضين، من موقع ” واقتلوهم حيثما ثقفتموهم ..” ، وكذلك من موقع ” لا اكراه في الدين..” ، ومن ” شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..” .

في قراءته من موقع ” واقتلوهم حيثما ثقفتموهم ..” ، هي التوظيف السياسي للدين ، وهذا ما كان عليه جل التاريخ الاسلامي الواقعي ، الذي قتل في سياقه ثلاثة خلفاء راشدين ، وقطع رأس حفيد الرسول ، وضربت الكعبة بالمنجنيق ، وصار المسلمون مللا ، ونحلا متصارعة…

وهو عينه ، الذي استندت إليه بصورة صحيحة ، كل الحركات (الجهادية ) الاسلامية ، بل ويستند إليه الاسلام السياسي عموماً.

اما قراءته من موقع ” لا اكراه في الدين ..” ، فهي القراءة الدعوية الأخلاقية ، وهي للأسف كانت غائبة غالبا عن التاريخ الواقعي للإسلام ، الذي كان في جله غزوات وحروب ، واستبداد يجري استلهامها حتى اليوم.

القراءة الدعوية الارشادية الأخلاقية للدين الاسلامي مهمة ، وهي ترتكز بصورة صحيحة على كثير من الآيات القرآنية ، لكنها للأسف سرعان ما يتم التخلي عنها ، بمجرد تمكن الداعي ( حركة او فرد ) من السيطرة على مجاله.

عندما كان القاضي الشرعي ل”جيش الاسلام ” يفتي بقتل المختطفين من مدينة (عدرا العمالية) ، صار يفتي بدعم السلطة ، التي عينته خطيبا لجامع لبلدة (تل منين) ، وهو بذلك لم ينتقل أبدا من التطرف الديني إلى الاعتدال الديني – كما يحسب البعض –

وفي الفقرة الثالثة من الأسباب الموجبة للمرسوم (16) ، يتم التركيز على ” تطوير التعليم الشرعي ” وهذا مهم بلا شك ، لكن في هذه الحالة ، ينبغي التركيز على الجانب الدعوي الارشادي الأخلاقي ، وليس على الجانب الذي يتم توظيفه سياسيا ، ويدعو إلى تكفير الآخر ليس من اديان اخرى فقط ، بل من الدين الواحد، المختلف مذهبياً.

ولكي تطور الوزارة التعليم الشرعي ، ينبغي أن تكون هي الجهة المسؤولة عن انشاء ” مؤسسات التعليم الشرعي وتقويتها وإدارتها..” ، وذلك لإعداد ” نخبة من علماء الدين المتمكنين من أدوات الخطاب الديني..” ، القادرين على فهم النصوص وفق  “الضوابط”!!!.

ينبغي الاعتراف ، بأن المجال الديني الاسلامي (السني تحديدا) ، تنشط كثيرا في سورية منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي ، على عكس ما كان عليه الحال في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ،   وما قبلهما ، وصار يعبر عن نفسه مباشرة في السياسة ، من خلال تغذية مختلف تيارات وحركات الاسلام السياسي ، وبصورة غير مباشرة ، من خلال كثافة المشاركة في طقوسه ، ومن خلال انتشار رموزه.

في فترة ما قبل السبعينيات من القرن الماضي ، كان من النادر ان تجد جامعا مليئا بالمصلين ، صار اليوم لا يتسع لهم فيشغلون الشوارع والأرصفة من حوله ، وفي تلك الفترة أيضا ، كان من النادر أن تجد محجبة في المدارس والجامعات، او حتى في شوارع المدن والبلدات ، صارت اليوم تعطي للمدرجات ومقاعد الدراسة وشوارع المدن ، والبلدان لونها الخاص.

وبالعدوى أو بالاستجابة ، تنشطت أيضا جميع الأديان الأخرى والمذاهب بدرجات مختلفة . السبب في ذلك ليس في الدين ذاته ، وأن كان يؤمن التبرير لذلك فهو يملكه ، بل في التخلف وبؤس حياة الناس ، وفي الاستبداد والفساد ، أي في حياة الناس الواقعية.

لقد صدق ماركس في قوله : عندما تبتئس الأرض ، تبتسم السماء.

وعلى فرض ، ان الوزارة نجحت في وضع ضوابط للخطاب الديني ، لنقل حصريته في الجوانب الأخلاقية والدعوية الارشادية ، فكيف سوف تمكن الدعاة من التواصل أكثر مع ” المجتمع”، وفهم  (الواقع بصورة دقيقة) ، لكي يقدموا للناس ” البديل المناسب عن التطرف ، والأفكار المنحرفة التكفيرية “، في ظل منع نقد الفكر الديني والخطاب الديني ، وفي ظل التوظيف السياسي للدين سواء من قبل الاسلام السياسي ، او من قبل السلطة ذاتها.

في هذه الحالة ، لا يمكن حصر الخطاب الديني في المجال الدعوي الارشادي والأخلاقي، خارج المنابر، ولا مناص من تكفير الآخر المختلف دينيا ومذهبيا ، ثم كيف سوف تضع الضوابط للمذاهب الاسلامية الأخرى .

فعلى سبيل المثال لا الحصر ، لدى “الدروز” نظامهم الملي الخاص لإعداد وتمكين المشايخ ، وأي تدخل في هذا الشأن المذهبي الخاص، سوف يكون تعديا على خصوصيتهم.

وكذلك ، سوف يصعب تحقيق ذلك لدى “العلويين” ، الذين لا يوجد لديهم رجال دين بالمعنى السائد لدى السنة. العلويون ليس لديهم مؤسسات ومرجعيات لتنظيم المجال الديني عندهم ، فرجل الدين يحصل على لقبه غالبا بالوراثة.

العلويون بصورة عامة غير متزمتين دينيا ، ويتقبلون بسهولة الأفكار العلمانية واليسارية والانفتاح على الأخرين ، في الظروف العادية السلمية ، لكن العامة منهم يتقبلون أيضا الخرافات والأساطير، في ظروف الأزمات والشدة في الحياة.

لذلك يلاحظ اليوم في ظروف الأزمة الراهنة ، ازدهار زيارة المقامات والأضرحة ، التي صارت في وعي كثير من العامة لديهم ، تحل المشاكل وتشفي من الأمراض ، حتى صار كل مقام متخصص بمرض معين.

العلويون ، ليسوا طائفيين بالمعنى الاجتماعي الديني ، ولم تظهر لديهم سلوكيات طائفية خلال الأزمة الراهنة ، فاحتضنوا في قراهم وبلداتهم سوريين من مختلف المناطق السورية لجأوا اليها… لذلك كله ، لن تنجح وزارة الأوقاف ، إذا حاولت تطبيق مرسومها العتيد عليهم ، ولن يقبلوا به.

تركز الفقرة الرابعة من الأسباب الموجبة للمرسوم (16) على ” المكانة الاقتصادية للأوقاف” ، ودورها في التنمية المستدامة ، هذا الدور الذي من المتوقع ان يزداد فعالية في الظروف الراهنة، ولذلك لا بد من”تطوير التشريعات ” ، التي تحكم عملية استثمار أموال الأوقاف.

وإذا ما أخذ بالحسبان التسيب ، الذي كان سائدا في اموال الأوقاف وأصولها ، والتعديات الكثيرة عليها بالتواطؤ مع  العاملين عليه والمشرفين، يمكن القول ان هذا الجانب في مبررات المرسوم جيدة.

بالطبع كان يمكن تطبيق القوانين السائدة التي تحكم المجال الاقتصادي والاستثماري في الدولة على اقتصاد الأوقاف ، واخضاعه كغيره للهيئات الرقابية العامة في الدولة ، لكن على ما يبدو ، أراد المشرع منح وزارة الأوقاف مسؤولية مباشرة عن أموالها ، طالما هي مصدر تغطية جزء من نفقاتها المختلفة.

بعد هذه المقدمة ، المتضمنة الأسباب الموجبة لإصدار المرسوم (16) ، الموقعة من قبل وزير الأوقاف ورئيس مجلس الوزراء ، يحدد المرسوم صلاحيات وزارة الأوقاف.

ففي الفصل الثاني من الباب الأول من القانون المذكور، يتم تحديد صلاحيات وزارة الأوقاف ، إذ تشمل “ممارسة الشؤون المتعلقة بالتوجيه والارشاد الديني الاسلامي والأوقاف جميعها ” ، ويفصلها المرسوم ضمن فقرات خاصة.

من بين هذه الفقرات ، يلفت النظر ما جاء في الفقرة (د) ، إذ تنص على ” تجفيف منابع الفكر الوهابي  والإخواني المتطرف ، وتغيير التفكير لتغيير ما في الأنفس ، وتحصين المواطنين من الاختراقات الفكرية والعقائدية”.

في هذه الفقرة ، يعطي القانون للوزارة أدوارا ، تخرجها عن نطاق المجال الديني إلى المجال الاجتماعي العام، وينيط بها إلى جانب المهام الفكرية ، مهام سياسية.

فالإخوان المسلمون ، حركة سياسية لها رؤيتها السياسية ، وبالتالي لها كامل الحق في الدعوة لها في ظروف عدم التمييز في المجال السياسي بين حقوق المواطنين السياسية.

بالطبع ، يمكن منعها من استغلال أماكن العبادة للترويج والدعاية لرؤاها السياسية ، وإلزامها في قانون الترخيص للأحزاب ، مثلها مثل أي حزب آخر بضوابط معينه ، منها تقديم برنامج سياسي لا ديني ، وعدم استغلال الدين لأغراض سياسية.

اما تجفيف منابع الفكر الوهابي ، فمهمة فكرية ، يكون انجازها عن طريق حرية نقد هذا الفكر ، وما يستند  إليه من مقدس ديني ، وكذلك عن طريق التعليم اللاديني ، وهذه مهام تخرج عن نطاق وزارة الأوقاف إلى وزارت أخرى ، مثل : وزارة التعليم ، الثقافة ، وغيرها.

من حيث المبدأ ، وكما بينت التجارب ، الفكر وكذلك العمل السياسي ، لايحاربان إلا بالفكر والسياسة ، أما القمع ، فيبقيهما حيين ، وينتشران سراً.

مرة أخرى أقول : إن محاربة التطرف بكل اشكاله الدينية وغير الدينية ، لا تتم إلا بمزيد من الحرية والديمقراطية وسلطة القانون ، وبتطوير الحياة الاجتماعية ، الاقتصادية ، والثقافية.

يلفت الانتباه أيضا ما جاء في الفقرة (ز) من صلاحيات وزارة الأوقاف ، التي منحها اياها المرسوم (16)، إذ تنص على ” تكريس حقيقة أن أئمة المذاهب لم يتركوا طوائف وإنما قدموا اجتهادات…”.

هذا يعني ، أن الطوائف الاسلامية ليست طوائف بل اجتهادات، وهذا ينافي الواقع، وسوف يدخل الوزارة في حال بسط سلطتها عليها ، بمشكلات كثيرة.

كان من الصحيح ان يعترف المشرع بوجود الطوائف ، كهوية لجماعة دينية خاصة ، على ان يحصنها ضد الطائفية ، أي ضد الاستخدام السياسي لهويتها الدينية ، وان يخصها القانون بما ينظمها ، كهوية دينية.

الاشكالية الأكبر ، التي سوف تواجهها وزارة الأوقاف ، سوف تنجم عن ممارستها للصلاحيات المعطاة لها في الفقرة (ج) من المرسوم (16) ، والتي تنص على ” اعتماد التفسير الجامع والمنهج العام للخطابة المنبرية أداة وسبيلا لتعزيز دور المنابر والمحاريب في التوجيه الديني السليم (الاسلام كما انزله الله تعالى)… وربط الخطاب الديني بمتطلبات الحياة وحاجة الناس والمجتمع ونبذ التطرف”.

ان يربط الخطاب الديني ، بمتطلبات الحياة وحاجة الناس ، فهذا شيء جيد بلا شك ، كفى اجترارا لقصص تراثية تجاوزها الزمن والعقل وحاجة الناس ، لكن المشكلة سوف تنبع من تفسير الدين السليم ” الاسلام كما انزله الله تعالى” .

فالله لم ينزل إلا القرآن ، كما هو معلوم بحسب العقيدة الاسلامية ، وإذا أُخذ النص بحرفيته ، فسوف يعني رفض ما نقل عن الرسول من أحاديث ، ورفض كل الاجتهادات الدينية والتفسيرية للآيات القرآنية .

من جهة أخرى ، كل دين بالنسبة لمعتنقيه ، يعد سليما بل الأسلم ، ولذلك لا يمكن التمييز ، بين دين سليم ، وآخر غير سليم.

في الفقرة (ط) من صلاحيات وزارة الأوقاف ، يصير للوزارة مهام سياسية مباشرة ، إذ تنص على مواجهة ” … التنظيمات ذات الأفكار الهدامة كتنظيم الاخوان المسلمين وسواها..”.

المشرع السوري ، لم يكتف بالقانون (49) الخاص بالإخوان المسلمين ، والذي نص على اعدام كل من يثبت انتماؤه إليهم ، فيريد في هذا القانون الجديد ، ان يعطي للقانون 49 ، غطاءا دينيا.

لقد ركزت غالبية الانتقادات للقانون على الصلاحيات المنصوص عليها في الفقرة (ي) ، والتي تنص على  “تعزيز دور الشباب في مجالات العمل الديني من خلال الفريق الديني الشبابي التطوعي في الوزارة…” ،  وهي انتقادات محقة ، مهما حاول المشرع تلطيفها من قبيل النص على ” دعم مبادراته الرامية إلى تعزيز مفاهيم المواطنة والعروبة..”.

تسمح القراءة الواسعة للصلاحية المعطاة للوزارة في هذه الفقرة ، بتشكيل نوع من المطاوعية ، التي تتدخل تحت ستار الدين في حياة الناس ، ومعتقداتهم.

كما ركزت الانتقادات – وهي محقة – على الصلاحيات المعطاة للوزارة في الفقرة (ع) ، والتي تنص على  “تعزيز فريضة الزكاة والعمل على تطوير سبل وآليات تحصيلها وتوزيعها بما يحقق المقاصد الشرعية لهذه الفريضة”.

في الدولة الاسلامية الراهنة ، حلت الضرائب محل الزكاة ، ولها قوانينها وطرق جبايتها ومجالات صرفها. اما ما يخص الزكاة ، فهي نوع من التبرع ، الذي يقوم به المتبرع لمن يريد هو ان يتبرع له ، وإذا صارت الزامية ، تخضع للمحاسبة القانونية الشرعية ، عندها سوف تفقد وظيفتها كفريضة شرعية ، فكما لا تستطيع ، ولا ينبغي الزام الناس بقوة القانون بالصلاة ، كذلك لا يجوز الزامهم بالزكاة .

إن النص على هذه الصلاحية في القانون الجديد له مبررات أمنية ، إذ أن كثيرا من الأموال ، التي تم التبرع  بها تحت عنوان فريضة الزكاة خلال الأزمة الراهنة، كانت تذهب لتمويل الحركات السياسية الجهادية المتطرفة.

اعتقد ، إن أفضل السبل للتشجيع على الزكاة وعلى جبايتها مع الحفاظ على طوعيتها، هو في تنفيذ ما جاء في الفقرة (ش) ، والتي تنص على ” احداث المبرات … ودور رعاية أبناء الشهداء والأيتام ، والمستوصفات والمشافي والمنشآت والمراكز الخيرية والاجتماعية والاقتصادية..” وغيرها ، والحاقها تنظيميا وإداريا بالجوامع، ودور العبادة المختلفة للطوائف الأخرى.

بهذه الطريقة يمكن تشجيع أداء فريضة الزكاة ، بل التبرعات المختلفة ، والعمل الخيري بصورة عامة.

لقد خص مشروع المرسوم (16) ، وزير الأوقاف بصلاحيات واسعة لم تمنح لأي وزير آخر في مجال وزارته، بل تجاوزت صلاحياته حدود المجال الديني إلى المجلات الأخرى السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وهذا نابع من حاجة السلطة إلى مركزة العمل ، والاشراف على هذا المجال الواسع من حياة الناس الدينية، مثله مثل بقية المجالات.

لقد انصب نقد واسع على ما جاء في الباب الثالث \ االفصل الأول من مشروع المرسوم (16) ، والذي جاء بعنوان ” مرتكزات الخطاب الديني” ، من جهة لاستحالة تنفيذها ، ومن جهة ثانية لمخالفتها لجوهر الدين الاسلامي.

لقد جاء في الفقرة (أ) من هذه المرتكزات ، اعتماد الخطاب الديني على ” التحليل بدلا من التلقين” ، وكذلك ما جاء في الفقرة (د) ، أي ” النقل لا يتعارض مع العقل”.

الدين الاسلامي ، مثله مثل أي دين ، يقوم على تكرار المنقول التراثي ، الدين لا يتطور، وبالتالي فمنهج التحليل ليس منهجا دينيا، بل منهجا عقليا، وهو يتعارض مع جوهر الدين، أي مع المقدس.

الذي يتغير ليس الدين ، بل وعي الناس له ، وأشكال ودرجة حضوره في حياتهم (أي التدين) . التدين يزدهر في ظروف الفقر والتخلف والاستبداد والفساد ، وكذلك نتيجة التوظيف السياسي له ، ويتراجع في ظروف التقدم والحرية . في المجتمعات العلمية يسود العقل وهو يعتاش على العلم ومناهجه ، في حين في المجتمعات غير العلمية ، يسود الدين وهو يعتاش على الايمان بالأوهام والأساطير، وكلا السبيلين على تضاد ، لا يمكن الجمع بينها.

في الفقرة (و) من مرتكزات الخطاب الديني ، يتم النص بالاعتماد على ” سيرة النبي وشمائله في تفسير النصوص”. هذا النص يثير اشكالات عديدة منها ، ان سيرة النبي وصلت إلينا عن طريق الروات ، وهي مختلفة بحسب هوية الراوي.

ومن المعلوم ، أنه ماقد روي عن الرسول من احاديث ، تستغرق كامل الزمن الحياتي له ، بل تزيد عليه. ومنها أيضا ، ان تفسير النصوص في هذه الحالة ، سوف يتجاوز أسباب النزول ، التي تشكل مرجعا مهما في تفسيرها التاريخي.

وثالثا ، فإن الدين كما هو في وعي الناس ، لم يساهم بتشكيله النص القرآني ، بل القراءات المختلفة في هذا النص ، وهي صارت مقدسة لا يمكن تجاوزها ، إلا بالقطع مع التراث ، وهذا يتطلب مجتمعا مختلفا ، أي مجتمعاً علميا.

وسوف يثير اشكالات عديدة ، النص الوارد في الفقرة (ن) من مرتكزات الخطاب الديني ، أي العمل على  “تصحيح المفاهيم والمعطيات”. فمن سوف يقوم بالتصحيح ؟ وعلى أي أساس ؟ وما هي هذه المفاهيم والمصطلحات التي ينبغي تصحيحها؟! . هذا مستحيل ، لكون ذلك قد استقر وصار جزءا مكونا للمقدس الديني .

مرة اخرى ، أقول إن المقدس الديني لا يتم تجاوزه ، او اضعاف دوره في حياة الناس من خلال التدخل فيه، بل من خلال تطوير المجتمع، وتعزيز قيم الحرية والقانون والمشاركة ، وثقافة النقد.

لقد انصب النقد أيضا على ما جاء في المادة (8) ، المتعلقة بممارسة وزارة الأوقاف لصلاحياتها ، وخصوصا ما جاء في الفقرة (د) ، التي تنص على الرقابة على ” المطبوعات والمصنفات الأدبية والبرامج ذات الطابع الديني”.

إذ قرأها كثيرون بدلالتها العامة ، أي مراقبة كل المطبوعات والمصنفات الأدبية والفنية .. في حين هي فعلا تخص فقط تلك المتعلقة بالمجال الديني . ومع ذلك في الممارسة الواقعية ، ثمة خشية حقيقية من أن تتجاوز الوزارة حدود ما جاء في نص الفقرة، وان يتم توظيفها لهذا الغرض ، بحيث يصير منع أي عمل ادبي ، او فني ، مغطى دينيا.

في الفصل الثاني من الباب الثالث ، والذي جاء بعنوان ” معايير وضوابط الخطاب الديني” ، وضع المشرع جملة من الضوابط والمعايير ، التي يمكن وصفها بالجيدة ، لكنها هي بدورها ، سوف تثير اشكالات عديدة. من هذا الضوابط ، نذكر ما جاء في الفقرات الآتية :

أ- مراعاة مبدأ المواطنة والاخاء الديني

د- تجنب التعصب والطائفية …

و- الدعوة إلى التسامح والتواصل والحوار بين أبناء الوطن على اختلاف اديانهم ومذاهبهم واحترام الرأي الآخر ..

ح- العمل على نشر روح الانتماء إلى الوطن والدفاع عن ثوابته وهويته العربية .

ط – عدم استغلال الخطاب الديني لأغراض شخصية او سياسية أو حزبية أو فئوية انتمائية .

ك- الاهتمام بقضايا المرأة والطفل والدعوة إلى احترام حقوقهم.

م- الدعوة إلى احترام حقوق الانسان وفق أحكام الشريعة الاسلامية ، والمواثيق والأعراف الدولية.

في الفصول اللاحقة من الباب الثالث ، تتم معالجة المسائل ذات الطابع التقني ، التي تنظم المجال الديني،  مثل شروط وأصول التكليف بالعمل الديني الاسلامي (الفصل الثالث) ، وتحديد واجبات ومحظورات المكلفين الدينين (الفصل الرابع)، والعقوبات التأديبية (الفصل الخامس) ، والاجازات (الفصل السادس) والبدلات النقدية (الفصل السابع)، انهاء خدمة المكلفين بالعمل الديني ( الفصل الثامن) ، والمفتي العام للجمهورية (الفصل التاسع).

يكرس مشروع المرسوم (16) \ الباب الرابع لتنظيم التعليم الشرعي ، والباب الخامس لتنمية عقارات الأوقاف واستثمارها، وهي مسائل ذات طابع تقني خاصة.

المهم في الأمر هنا ، ان التعليم الشرعي ، سوف يترافق مع التعليم العام لوزارة التربية ، وسوف تحدد مناهجه في ضوء المقاصد العامة لتنظيم المجال الديني الاسلامي ، التي ناقشنا بعضها في هذه المقالة.

في ختام هذه القراءة المتأنية في نص مشروع المرسوم (16) ، بقية مسألة واحدة ، بودي التوقف عندها ، وهي مسألة لا علاقة لها بنص المرسوم ، بل بما تم تحميله أكثر مما يحتمل ، وفي حالات ليست قليلة ، نسب إليه ما هو ليس منه.

المسألة ، هي : هل اقرار هذا المرسوم ، يهدد علمانية الدولة السورية ؟ وهل الدولة السورية علمانية فعلا ؟!.

ثمة فهم خاطئ ، لكنه شائع للعلمانية ، فيتم تحديدها بالعلاقة مع الدين نفيا، أي من خلال فصل الدين عن الدولة . بهذا المعنى ، لا توجد دولة علمانية فعلاً ، فجميع دول العالم ، يوجد لديها متدينون بدرجات مختلفة ، وثمة قوانين تنظم هذا المجال العام.

بمعنى آخر ، الدين في جميع دول العالم ، يعد شأنا عاما لمعتنقيه ، تنظمه قوانين خاصة به ، لكن التدين ، هو شأن خاص.

من وجهة نظري ، لم تعد العلمانية تتحد بدلالة الدين ، كما ظهرت تاريخيا في السياق الأوروبي المبكر ، خلال الصراع مع سيطرة الكنيسة على الشؤون العامة ، بل بدلالة المقدس سواء أكان دينيا ، أو غير ديني، أي بدلالة جوهرة الفكر وتقديسه.

بناء على ذلك ، فإن مفهوم العلمانية ، يتحدد اصطلاحا ، بدلالة الاقرار بالاختلاف ، والحق فيه ، والحق بالدفاع عنه.

هذا المضمون الاصطلاحي لمفهوم العلمانية ، يتعارض مع جميع الأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية ، لآن ممارسة العلمانية واقعيا غير ممكن ، إلا في الأنظمة الديمقراطية.

لذلك العلمانية لا تكون بدون ديمقراطية ، كما إن الديمقراطية لا تكون بدون علمانية. وبناء على ما تقدم ، من واجب كل حريص على العلمانية ، ان يناضل ضد الاستبداد ، ومن أجل الحرية والديمقراطية.

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها