aren

قراءة في كتاب «المخابرات الغربية والعالم العربي»
الثلاثاء - 5 - ديسمبر - 2017

 

من الصعب التعامل مع التاريخ على أنه حقيقة مُسلَّم بها؛ فالحدث يبقى بلا فهم سنوات طويلة حتى يتم الكشف عن جزء من أبعاده، وهذا الكشف وإن كان موثقاً فإنه يظل ناقصاً في ظل غياب أو طمس المعلومات من قبل استخبارات أطراف الصراع، وعادة ما يحدث ذلك لترجيح أسباب النجاح وإخفاء أسباب الفشل.

لكن كتاب «المخابرات الغربية والعالم العربي» ، الذي صدر حديثاً عن جامعة «أدنبرة» البريطانية ، للدكتورة «دينا رزق» الباحثة في تاريخ الشرق الأوسط بجامعة «ريدنج» البريطانية .

الدكتورة دينا رزق

يفتح أمامنا نافذة عملاقة حول آليات عمل الاستخبارات الغربية في المنطقة العربية ، لا للكشف عن نجاحاتها ، ولكن للكشف عن أسباب إخفاقها وفشلها في مواقع عديدة ، وهي تقوم بمهامها في حراسة الشرق الأوسط.

والكتاب يستند على وقائع وأحداث بعينها ، ويفتش عن أدوات الاستخبارات الغربية في صراعها مع مصر بدءاً من عام 1956 حتى عام 1981، حيث تحاول الكاتبة بصبر وتأنٍّ الكشف عن كثير من الأحداث .

لتضع أيدينا على آليات عمل الذكاء الغربي، وكيف استند على نظريات تقليدية في تعامله مع الأشخاص والأحداث، كان من أهمها نظرية «الخصم والحليف»، التي تتعامل على أن من يقف معها حليف ومن يقف ضدها خصم ، فبدت وكأنها تتحرك بردود الأفعال بدلاً من أن تتحرك بأساليب علمية ، تعتمد على الترقب والتحليل لفهم المتغيرات السياسية والثقافية ، التي طرأت على المنطقة العربية ورغبة شعوبها في التحرر الوطني، الأمر الذي أعاق عملها ، وأدى إلى إخفاقها في الصراع العربي الأنجلو أمريكان.

ويطرح الكتاب نماذج عديدة للاستدلال على ذلك؛ فقد كانت بريطانيا تنظر إلى تنظيم الضباط الأحرار في مصر نظرة شك، وترى أنهم يسعون إلى نفوذهم العسكري لتدمير مصالحها في الشرق الأوسط.

فدأبت على الصدام معهم من اللحظة الأولى في مواجهات عسكرية ، حتى بعد جلاء قواتها بعدوان 1956، بينما كان الأمريكيون يجدون أن الصدام العسكري قد فات أوانه، وأن عليهم تدعيم عبد الناصر ، ليكون حليفاً للغرب حتى تضمن استحواذها على المناطق الساخنة في الشرق الأوسط ، وحتى تتمكن من مجابهة الزحف السوفيتي زمن الحرب الباردة .

غير أن الأساليب الاستخباراتية الأنجلو أمريكية ، لم تحقق أي تقدم في هذا الصدد ، بل باءت جميع جهودها بالفشل ، عندما ركنت إلى نظرية الخصم والحليف، حيث أكدت تقارير استخباراتها الشكوك الخاطئة تجاه عبد الناصر، فدخلت في صراع مع شخصه ، دون أن تنظر إلى مفهوم القومية العربية الذي تبناه، ولا إلى حركات التحرر الوطني في المنطقة.

حيث لم تكن تلك أفكار عبد الناصر فقط ، بل كانت رغبة غالبية الشعوب العربية ، وقد ظلت تلك الرغبة راسخة في وجدانهم ، حتى بعد وفاته. فقد دأبت الاستخبارات الغربية على استخدام الآليات التقليدية لمحاربة شخص عبد الناصر، الأمر الذي أعاق عملها في فهم مكونات الصراع آنذاك ، بسبب التغاضي عن عمد أو عن غير عمد عن فهم وتحليل الفكر العربي واستقراء ثقافته.

وقد تجلى ذلك عندما دعمت «نورى السعيد» ، وتغاضت عن وحشيته في العراق، وأسهمت في تكوين ما يسمى «حلف بغداد» لتطويق نفوذ عبد الناصر، وكان في تصورهم أن نورى السعيد سيكون الند الذي سيكسر أنف عبد الناصر ، دون أي تحليل علمي لطبيعة شخصية كل من الرجلين ، ومدى تأثير أفكاره على شعوب المنطقة ، وكانت النتيجة بالطبع ، هي الفشل الذريع الذي انتهى بالعديد من الكوارث في العراق.

وتؤكد الكاتبة أن الذكاء الغربي ، ظل محتفظاً بقوالبه التقليدية ، معتمداً على نظرية «الخصم والحليف» سنوات طويلة ، لم تجن نجاحات فيها ، إلا عندما استطاعت إضعاف القوة المصرية بعد زجها في حرب اليمن ثم في حرب الأيام الستة مع إسرائيل عام 1967. وبوفاة عبد الناصر ، تنفست الاستخبارات الغربية الصعداء، وأدركت أن هناك مرحلة جديدة يجب أن تعيد فيها ترتيب آلياتها في التعامل مع المنطقة ، لكنها ظلت تقيس الأمور بنفس الآليات القديمة.

فوصفت بداية حكم السادات ، بأنها بداية غامضة ، واعتبره الكثيرون ممن يعملون في الاستخبارات الأمريكية «وضعاً مؤقتاً» ، ومجرد نسخة رديئة من سلفه عبد الناصر، وعجزت أدوات الاستخبارات الغربية عن فهم المتغيرات السريعة ، التي لحقت بالمنطقة.

وكان أبرزها التقارب المصري السوري الليبي، بل أغفلت التحركات السرية بين أقطاب تلك الدول ، لدراسة إمكانية مصر في شن الحرب على إسرائيل ، واكتفت بالتقارير الروتينية لعملاء استخباراتها ، التي أكدت عجز مصر الكامل عن الدخول في حرب ، فدفعت ثمناً آخر لإخفاقها عندما انتصر السادات عام 1973.

إن الكتاب ، يحاول أن يفصح عن أهمية إغفال تقييم الثقافة العربية لدى جامعي المعلومات، ويطرح تساؤلات عديدة حول أهمية استخدام آليات جديدة ، تعتمد على الاستقراء والتحليل والنظر إلى العدسة الثقافية المعقدة ، التي تحتوى على طبقات من الموروث الثقافي والديني للمنطقة. بدلاً من الاعتماد على النظريات الجاهزة ، التي أضعفت حركتها ، وأفقدتها الكثير في صراعها للسيطرة على المنطقة.

ويشير الكتاب أيضاً إلى مجموعة الوثائق السرية ، التي تم الإفراج عنها مؤخراً، والتي تعتبرها الكاتبة من أهم المراجع ، التي تكشف آليات الذكاء الغربي في الشرق الأوسط ، لكنها تعترف بأن الصورة تظل ناقصة في ظل غياب الوثائق المصرية ، وصعوبة الوصول إلى مواد أرشيفية موثقة لاستكمال الأبعاد المفقودة ، عند تحليل عمل الاستخبارات الغربية عن الشرق الأوسط ، وقد حاولت الكاتبة ملء تلك الفجوة بالاستماع إلى آراء مجموعة مختارة من الذين عاصروا تلك الأحداث من الجانب المصري (من الباقين على قيد الحياة) ، لمعرفة تفسيرهم ، لما جاء في الوثائق الغربية ، لكن المحصلة النهائية لم تعط نتائج نهائية ، لاستكمال الصورة في ظل عدم التوثيق.

إن أهمية هذا الكتاب لا ترجع فقط إلى عرض أفضل ما جاء من المصادر الدبلوماسية والوثائق السرية لمعاملات الاستخبارات الغربية داخل منطقة الشرق الأوسط في الفترة بين عام 1956 حتى عام 1981. ولكن لكشفه عن آليات عمل تلك الاستخبارات في المنطقة ، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن الأساليب الجديدة التي تتبعها تلك الاستخبارات؟ وهل هذه الأساليب تعتمد على فهم طبيعة المنطقة والمتغيرات اللاحقة بها ؟ .

وإذا صحَّ هذا ، فكيف يمكن مواجهة الذكاء الغربي لتفادى حالة الفوضى العارمة ، التي تعمُّ المنطقة. تساؤلات عديدة ، قد تحتاج سنوات ، للكشف عما يجرى الآن ، في منطقتنا العربية.

راوية راشد – المصري اليوم