aren

قراءة في فيلم «ريش» \\ بقلم : د. أماني محمد ناصر
الأحد - 14 - نوفمبر - 2021

«ريش» فيلم شبه صامت، يقدم ممثلين غير معروفين يقفون لأول مرة أمام الكاميرا. يبدأ بمشاهدتنا لأسرة تعيش في منطقة عشوائيات، مكونة من الأب والأم وأطفال ثلاثة أحدهم طفل رضيع.. تعيش الأسرة في منزل يتسم بالفقر الشديد، وكاميرا الفيلم تكاد تكون ثابتة، فهي تركز على القذارة في كل مكان..

يتكرر مشهد صندوق المال، وهو صندوق حديدي شبه معطوب، المال الموجود بداخله عبارة عن أوراق نقدية شبه بالية.. وكأن الكاتب يريد أن يؤكد أن الفقر في هذا المنزل يمتد حتى المال.

أبٌ كثير الكلام، بعكس الأم الصامتة أغلب أوقاتها.

يقيم الأب حفلة عيد ميلاد لابنه بالرغم من فقر حاله، يزين المنزل ويأتي بساحر إلى هذه الحفلة.

الساحر يطلب منه أن يدخل إلى صندوق خشبي فارغ، يدخل الأب ثم يغلق الساحر الصندوق وببضع حركات وتمتمات من الساحر، يفتح الساحر ومعاونه الصندوق فتخرج دجاجة منه. ننتظر خروج الأب، لكن مع مرور لحظات عدة يتضح أنّ الدجاجة هي الأب المتحول إليها.

يحاول الساحر أن يعيد الأب فيفشل، وهنا تبدأ الاحتجاجات والاتهامات للساحر من المدعوين بأنه مشعوذ ونصاب.

الدجاجة ومهمة الأم

بين كل فقرة وأخرى، نسمع صوت هديرا قويا في الخارج، يسبب الهدير دخول دخان كثيف إلى منزل الأسرة، فتقوم الأم بإغلاق النافذة كل مرة يدخل فيها هذا الدخان، ربما كان هذا الهدير هدير أحد المصانع.

حيوانات ودخان وبيض مكسور مرمي على الأرض ولا أحد يعلم من قذفه عبر النافذة إلى داخل المنزل.

الدجاجة هي بطلة الفيلم، ففي الوقت الذي تحصل الأسرة على قدر ضئيل من الطعام، نجد الدجاجة تحصل على قدر وافر منه، خبز، وقمح، وغير ذلك. وتبدأ مهمة الأم الشاقة بتأمين القوت اليومي لأطفالها، فتذهب للعمل عوضاً عن زوجها، زوجها الذي ترك لها ديوناً وخلف وراءه ايجار المنزل غير المدفوع، فتهدَدُ الأسرة بالطرد وتتم مصادرة محتويات المنزل من براد وغسالة وغاز، وكلها معطوبة ومهترئة وبالكاد تعمل.

تذهب الزوجة إلى عدة سحرة ومشعوذين كي تسترد زوجها، وفي النهاية تسترده بطريق الصدفة شبه مفارق للحياة.

الخطأ الكبير

والكاتب وقع في خطأ كبير، حينما عاد الزوج لم تختفِ الدجاجة، ما يضعنا أمام السؤال التالي:

هل اختفى الزوج في البداية أم تحول إلى دجاجة؟

وإن كان قد تحول إلى دجاجة فلماذا لم تختفِ الدجاجة حال عودته؟

حينما عاد الزوج شعرت الزوجة بثقل وجوده، فهو يحتاج إلى مصاريف العلاج إضافة إلى مصاريف المشفى الذي طلب الطبيب نقله إليه، فتقوم بخنقه حتى الموت!

معضلة أخرى وقع فيها الفيلم، فحينما تحول الزوج إلى دجاجة لم نرَ استغراب الأم ولا بكاء الأطفال ومطالبتهم بوالدهم، بل سارت حياتهم كما كانت.

الإساءة إلى السمعة

الفيلم لا يسيء إلى سمعة مصر كما أثيرت الضجة حول ذلك، كان من الممكن إنتاجه باللهجة السورية أو الخليجية أو اللبنانية أو المغربية… إلخ. ولم نرَ أي رمز أو مكان في الفيلم لمصر، والأغاني المصرية التي سمعناها نسمعها من كل وفي كل بلد.

إن تجاهلنا تحوّل الرجل إلى دجاجة فهو فيلم موجع حد القهر، يظهر لنا الجانب الآخر من مجتمعاتنا… فقر مدقع، قذارة لا حدود لها، مدير متحرش، حزن دائم، وتناقض بين الجمال والقبح، وفي النهاية الانتقام من قسوة الحياة بقتل الأب الذي تحول مرتين.. مرة إلى دجاجة ومرة، من معيل للأسرة إلى عالة عليها.

فيلم شديد الغرابة، حزنه ممتع، ويشدك حتى النهاية.

يكاد الفيلم ينطق:

أيها الأغنياء انزلوا من أبراجكم العاجية قليلاً لترونا!

أخيراً، الفيلم بالرغم من كل ما ذكر، لا يستحق كل تلك الضجة التي أثيرت حوله، فهناك أفلام كثيرة أهم منه لم تلق كل هذه الضجة الإعلامية.

يذكر أنّ فيلم ريش، للمؤلف والمخرج عمر الزهيري، فاز بالجائزة الكبرى للنقاد في مهرجان «كان السينمائي الدولي» وهو أول فيلم مصري يحصل على مثل تلك الجائزة المرموقة.

أكاديمية وأديبة سورية