aren

قراءة في التقرير الصادر عن البنك الدولي حول ” خسائر الحرب : الآثار الاقتصادية والاجتماعية للصراع في سوريا”
الجمعة - 11 - أغسطس - 2017

 

التجدد :

فيما يلي ، قراءة في التقرير (التحليلي ) الصادر عن البنك الدولي بتاريخ 10 يوليو/ تموز 2017 ، تحت عنوان : “خسائر الحرب: التبعات الاقتصادية والاجتماعية للصراع في سوريا “.

وهو ” التقرير” ، الذي مرت عليه – كعادتها – وسائل الاعلام السوري ، وحتى المتخصصة منها ” الصحافة الاقتصادية ” ، كأنه لا يعنيها من قريب أو من بعيد …،

الهدف من التقرير :

يهدف هذا التحليل – كما ذكر في المقدمة التعريفية بالتقرير – إلى تقديم صورة أكثر اكتمالاً عن آثار الصراع من خلال دراسة تأثيره على سكان البلاد واقتصادها ومؤسساتها بالإضافة إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية ، فعلى الرغم من تراجع معدل التدهور الاقتصادي على مدار فترة الصراع ، فإن الآثار تصبح أكثر استمرارية

محاور التقرير :

يركز على أربعة مجالات رئيسية خلال الفترة الممتدة من عام 2011 إلى أوائل عام 2017:

(1) الأضرار في الممتلكات والبنية التحتية

(2) الخسائر في الأرواح وحركة الأفراد

(3) النتائج الاقتصادية

(4) نتائج التنمية البشرية

مصادر التقرير :

اعتمد تقييم الأضرار المادية على الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية ومقارنتها ، حيثما أمكن، مع منشورات وسائل التواصل الاجتماعي الواردة من المنطقة المعنية أوغيرها من المعلومات المتاحة.

وتم تحليل الآثار الواقعة على (عشر) مدن و(ستة) قطاعات مع استنباط النتائج في (ثماني) محافظات باستخدام تقنية للمقارنة بين شدة الصراع وقاعدة الأصول، كما استُخدمت المعلومات الواردة من الوكالات الشريكة لتقييم حركة الأفراد من جراء الصراع والنتائج الاقتصادية ونتائج التنمية البشرية.

وقُورنت هذه التقييمات التراكمية مع تصور، قائم على أساليب إحصائية، لوضع التنمية في سوريا في حال عدم اندلاع الصراع، وذلك للوصول إلى تقدير للآثار الاجتماعية والاقتصادية للحرب التي دخلت الآن عامها السادس.

ولا يركِّز التقرير على إعادة الإعمار كما لا يقدم تقديراً لتكاليفها ، بل يقدم تحليلا شاملا قدر الإمكان لما حدث لسوريا من أبعاد متعددة، وكذلك الآثار المتوقعة للصراع الدائر .

ويؤكد واضعو هذا التقرير ، انه لا تأخذ ھذه النتائج بعین الاعتبار العدید من المضاعفات الأخرى، مثل تحدیات الاقتصاد السیاسي كالمظالم التي یحركھا الصراع ، لإن أخذ ھذه العوامل بعین الاعتبار لن یؤدي الا إلى تدعیم النتائج الرئیسیة للتقریر :  فكلما طال الصراع ، زادت المظالم والانقسامات عمقا في المجتمع السوري ، مما يزید بشدة من صعوبة بناء مؤسسات كفؤة ، وآلیات اقتصادیة فعالة

منهج التحليل المتبع :  

يستخدم التقرير ” نموذجاً اقتصادياً ” لتقدير معدلات التعافي فيما يتعلق بأمد الصراع ، فإذا انتهى الصراع في عامه السادس وهو (خط الأساس للحسابات ) ، فإن الفجوة بين إجمالي الناتج المحلي ومستواه قبل اندلاع الصراع ستتقلص بنحو 41% في السنوات الأربع التالية.

النتائج ك(مقدمات ) مستقبلية :

ليس محور تركيز هذا التقرير ، هو تقديم قراءات لمستقبل سورية (الاجتماعي الاقتصادي ) ، غير أن التحليل التفصيلي الذي يقدمه للآثار الاجتماعية والاقتصادية للحرب ، من شأنه أن يساعد في ترتيب أولويات ما يتخذ من إجراءات في أي عملية مستقبلية لإعادة الإعمار والتعافي.

وتظهر النتائج أن إعادة إعمار البنية التحتية لن يمثل سوى جزء من التحدي ، وستشمل الأولويات إعادة بناء الأنظمة والمؤسسات ، حيث تساعد هذه الدراسة في إعداد قاعدة معرفية يمكن استخدامها لترتيب أولويات الإجراءات وتحديد حجم المعونات ، وتكوينها مستقبلاً

جاء في المخلص التنفيذي :

من النتائج الرئيسية للتقرير ، أن انهيار الأنظمة التي تنظم الاقتصاد والمجتمع، كما والثقة التي تربط الناس معاً، لهما أثر اقتصادي أسوأ من تدمير البنية التحتية المادية. ويخلص التقرير كذلك إلى أنه كلما طال أمد الصراع ازدادت آثاره استمراريةً، مما يجعل التعافي وإعادة الإعمار أكثر صعوبة.

آراء في التقرير :

HAFEZ GHANEM.

حافظ غانم ، نائب رئيس البنك الدولي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا : ” إن الحرب في سوريا تمزق النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد… إن عدد الضحايا مدمر ولكن الحرب تدمر أيضا المؤسسات والنظم التي تحتاجها المجتمعات لتقوم بوظائفها، وسيشكل إصلاحها تحدياً أكبر من إعادة بناء البنية التحتية، وهو تحدٍ سيظل ينمو ويتعاظم مع استمرار الحرب”.

saroj-jha-2015-156x156

مدير دائرة المشرق في البنك الدولي ساروج كومار جا : ” إن وجود تسعة ملايين سوري عاطلين عن العمل سيكون له عواقب طويلة الأجل بعد توقف المعارك… كما أن من شأن رحيل ما يقرب من خمسة ملايين لاجئ، بالإضافة إلى عدم كفاية التعليم وسوء التغذية وأمكانية التقزم، أن يؤدي إلى تدهور طويل الأجل في الأصول الأكثر قيمة للبلاد، وهي رأس المال البشري. وفي المستقبل، عندما تشتد حاجة سوريا إليها، سيكون هناك نقص جماعي في المهارات الحيوية “.

_14997972357

هارون أوندر، الخبير الاقتصادي الأول في البنك الدولي \ المؤلف الرئيسي للتقرير \ : ” تظهر نتائجنا أنه إذا انتهت الحرب هذه السنة، فإن الاقتصاد سيستعيد على مدى السنوات الأربع التالية 41% من الفجوة مقارنة مع مستواه قبل الصراع، وستبلغ الخسائر الناجمة عن الصراع 7.6 أضعاف إجمالي الناتج المحلي قبل نشوب الصراع على مدى عقدين من الزمن… لكن إذا استمرت الحرب إلى السنة العاشرة، فإن أقل من ثلث هذه الفجوة سيتم تعويضها بعد أربع سنوات من نهاية الحرب، وستصل الخسائر الإجمالية إلى 13 ضعف إجمالي الناتج المحلي عام 2010 على مدار عقدين. كما نقدر أن عدد السوريين الهاربين عبر الحدود بحثا عن الأمان سيتضاعف بين السنة السادسة والسنة العشرين من الصراع “.

______________________________

______________________________

d985d986d8b0d8b1-d8aed8afd8a7d985

اعداد : د. منذر خدام

مشاركة اعداد : مكتب التجدد (بيروت)

بحسب التقرير ، فإن الخسائر التراكمية في رصيد رأس المال المادي بلغت( 226 ) مليار دولار ، أي نحو (أربعة ) أضعاف الناتج المحلي السوري في عام 2010 – كما يقدره البنك –

يشير التقرير أيضا ، إلى أن نحو( 7% ) من المنازل في سورية قد تم تدميرها كلياً، إضافة إلى نحو( 20% ) منها قد طاله التدمير الجزئي ، ويقدر معدو التقرير الخسائر البشرية بين 400 و470 ألف وفاة ، عدا عن نزوح نصف سكان البلد عن أماكن سكنهم، وفي استقصاء معدو التقرير للمحرك الأقوى للآثار الاقتصادية الناجمة عن الصراع ، يجدونه في تعطل التنظيم الاقتصادي، وهو بحسب زعمهم يتجاوز حجم الأضرار المادية.

لقد أدى الصراع إلى تدمير عوامل الإنتاج وإعاقة عمليات التواصل الاقتصادي بين مختلف المناطق السورية ، بل حطم في كثير من الحالات الشبكات الاقتصادية والاجتماعية وسلاسل التوريد ، مما حد كثيرا من الحوافز لمتابعة الأنشطة الاقتصادية.

تقدر الخسائر الناجمة عن كل ذلك بما يتجاوز خسائر تدمير رأس المال بـ( 20% ) في السنوات الأولى للصراع، وتسبب في تراجع الاستثمار بنحو 80% وذلك من جراء تزايد المخاطر ، وتراجع مؤشر الربحية، وتشیر التقدیرات إلى أن إجمالي الناتج المحلي في سوریا ، انكمش بنسبة  63% بین عامي (2011 و2016 بالقیمة الحقیقیة، مقارنة مع مستواه عام  2010 .

وتظهر تقدیرات مؤشرات الحسابات القومیة، بما في ذلك أرقام إجمالي الناتج المحلي بالواقع المغایر المقدرة باستخدام أسالیب التقدیر الإحصائي، أن إجمالي الناتج المحلي الفعلي انخفض ب(مقدار 51) ملیار دولار بأسعار 2010.

لقد طال الضرر بصورة خاصة قطاع المحروقات، إذ انخفض إنتاج النفط بنسبة (93% ) ، فتراجع إنتاج الهيدروكربونات من (383 ) ألف برميل في عام 2010 إلى نحو (10) آلاف برميل في عام 2016 ، وذلك بسبب سيطرة “داعش” على حقول النفط.

وطال  الضرر أيضا القطاع الزراعي ،، نتيجة خروج مساحات واسعة من الزراعة ، وتضرر شبكات الري والنقص الشديد في مستلزمات الإنتاج كالبذور ، والأسمدة والوقود.

إن تعطيل الشبكات الاقتصادية ورأس المال البشري والقدرة على التواصل ، أدى إلى تفاقم الأضرار المادية على الخدمات العامة ، لقد كانت الأضرار مرتفعة في قطاع الصحة، إذ تعرض نحو (16% ) من المنشآت الصحية في ثماني محافظات – ركز التقرير عليها – إلى تدمير كامل ، في حين طال التدمير الجزئي نحو نصفها،

وفي قطاع التعليم  ، طال التدمير الكامل نحو( 10 % ) من المدارس في حين تضرر جزئيا نحو (53% ) منها، لقد كانت الأضرار التي لحقت بقطاع الكهرباء بالغة ، خصوصا لجهة القدرة على تشغيلها، بسبب نقص الوقود والقيود الناجمة عن الصراع لجهة الوصول إلى المحطات ، أدت إلى انخفاض حاد في توليد الكهرباء.

لقد انخفض  توليد الكهرباء من 43164 جيغاوات ساعة في عام 2010 إلى 16208 جيغاوات ساعة في عام 2015، أي بانخفاض بلغ 62.5%. ستة محطات فقط من أصل 18 محطة ، استمرت في العمل، إضافة إلى جميع سدود الطاقة، ولحق الضرر بأربع محطات، ودمرت محطة واحدة بصورة كاملة ، لقد طبقت الحكومة السورية نظام التقنين مما انعكس سلبا على خدمات أخرى حيوية للسكان مثل خدمات المياه والتعليم والصحة وغيرها.

من جهة أخرى ن تسببت العقوبات الدولية بتراجع الصادرات السورية بنسبة 92% بين  عامي 2011 و2016 . تشير التقديرات إلى أن العجز في الحساب الجاري قد بلغ نحو 28% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2016، بعد أن كان لا يزيد عن 0.7% في عام 2010، وكان تمويل هذا العجز ، يتم من خلال السحب من احتياطات النقد الأجنبي ، التي  كانت تقدر بنحو 21 مليار دولار في عام 2010، لتصير نحو مليار دولار في عام 2015.

وانخفضت إبراددات الموازنة من نحو 23% من الناتج المحلي في عام 2010 إلى نحو 3% في عام 2015 ، وذلك بسبب تراجع عائدات النفط والضرائب وانهيار التجارة مع أهم الشركاء التجاريين بسبب العقوبات.

ونتیجة لذلك، ارتفع الدین العام الإجمالي من 30%من إجمالي الناتج المحلي عام 2010إلى 150% عام 2015. ومن أجل الحد من تفاقم عجز الميزانية ، خفضت الحكومة السورية ، الدعم لكثير من المنتجات ، فارتفعت أسعار زيت الوقود عشرة أضعاف في عام 2015 ، مقارنة بأسعارها في عام 2011، وارتفعت أسعار السكر والأرز بنحو2.3 ضعف  خلال الفترة ذاتها.

لقد كانت الأضرار الناجمة عن الصراع ، بالغة على الأرواح البشرية نتيجة التشرد والمغادرة القسرية لمكان السكن والعمل. لقد تشرد أكثر من نصف السكان ، الذین كانوا یعیشون في سوریا قبل الصراع.

ووفقا لمفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئین، فإن العدد الإجمالي للسوریین المسجلین حالیا ك(لاجئین ) خارج البلاد في لبنان وتركیا والأردن والعراق ومصر وشمال أفریقیا یبلغ 4.9ملیون.

بالإضافة إلى ذلك ، فأن أكثر من 800 ألف مواطن سوري طلبوا اللجوء في أوروبا في عامي 2015 و .2016. ولا تشمل هذه الأرقام حوالي (0.4) ملیون إلى ( 1.1 ) مليون لاجئ سوري غیر مسجل في لبنان والأردن وتركیا والعراق.

 وبلغ عدد النازحین في الداخل نحو (5.7 ) ملیون شخص في ینایر/ كانون الثاني 2017 ، وظل نحو 56 % منهم داخل محافظاتهم، لقد كان أثر الصراع بالغا على معدلات الخصوبة، وعلى العمر المتوقع ، فتراجعت كثيراً.

أدى الانخفاض السریع في فرص العمل وتقلیص برامج الضمان الاجتماعي إلى زیادة تفاقم الأزمة الإنسانیة  ، فمنذ بداية الصراع تقلصت كثيرا فرص العمل بنحو 538ألف فرصة عمل في السنة بين عامي 2010 و2015.

أكثر من ثلاثة من كل أربعة سوریین في سن العمل، أو تسعة ملایین فرد لا یشاركون في أي نشاط یولد قیمة اقتصادیة، وبلغت البطالة بين الشباب نسبة 78% في عام 2015. في ضوء هذه الوقائع فإن 6 من 10 من السوريين ، يعيشون تحت خط الفقر المدقع ، بحسب بعض المصادر.

يوازن معدو التقرير ،الحالة التي وصل إليها الاقتصاد السوري والحالة الاجتماعية للسكان من جراء الصراع بحالتها قبل الصراع، فقد كانت سورية قبل  عام 2011 ، تصنف ضمن الشريحة الدنيا من البلدان المتوسطة الدخل، لكن نموها مع ذلك كان سريعاً.

فخلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ، نما الناتج المحلي بمعدل 4.3% بالقيمة الحقيقية، بدفع من القطاعات غير النفطية بالدرجة الأولى، في حين لم يتجاوز التضخم حدود 4.9% ، وهي نسبة متدنية في ظروف سورية.

رغم هذه النجاحات الاقتصادية الجيدة على مستوى النمو ، بقي الاقتصاد يرتكز على قاعدة اجتماعية ضيقة، من جراء غياب الشفافية والحريات المدنية بحسب معدو التقرير.

لقد سجل الاقتصاد السوري في عام 2010 ، تفاوتا في الدخل بلغ 32.7 على مؤشر جيني، ومعدلا للمشاركة في القوى العاملة بلغ 43.6% وهو أدنى من مستوياته العالمية، بل وكان منخفضا عن مستوياته في بعض الدول الإقليمية،( في مصر بلغ49%، وفي تونس 47%)ـ ويعود السبب في كل ذلك إلى انخفاض دور المرأة في الاقتصاد ، لقد بلغت البطالة لدى النساء نحو 25.2% ، وهو المعدل الأعلى في المنطقة.

إن إدراك حقيقة التباين بين مختلف أنواع الصدمات ، التي يتعرض لها اقتصاد دولة ما ، يساعد كثيرا في التخطيط الدقيق لسياسات إعادة الإعمار. من هذا المنظور ، يرى معدو التقرير ، انه بدون بناء المؤسسات الاقتصادية واستعادة الشبكات فيما بينها وبين مختلف المناطق، لن يكون لاستبدال رأس المال في حد ذاته ، أي أثر بعيد يساعد الاقتصاد على التعافي.

وكلما طالت فترة الصراع ، زادت صعوبة التعافي بعد توقفه، ومع أن معدل التدهور أخذ خطا صاعدا في السنوات (الأربع الأولى ) من بدء الصراع، لكنه بدأ يتراجع بعد ذلك، لكن آثاره تصير أكثر استمراراً.

فبحسب معدو التقرير ، فإن الصراع لو توقف في سنته (السادسة ) ، فإن الناتج المحلي سوف يستعيض نحو(41% ) من قيمته قبل نشوب الصراع خلال السنوات الأربع التالية لتوقفه، لكن لو استمر الصراع (عشر ) سنوات ، فإن الخسائر الاقتصادية التراكمية ، سوف تصل إلى (7.6 ) ضعف قيمة الناتج المحلي في عام 2010. وعلى افتراض توقف الصراع بعد ذلك ، فإنه خلال السنوات الأربع التي سوف تلي ذلك ، لن يستعيض الاقتصاد أكثر من( 28% ) من قيمته في عام 2010.

وبحسب نتائج نموذج المحاكاة ، الذي استخدمه معدوا التقرير ، فإن الخسائر الاقتصادية التراكمية قد تصل إلى( 13.2 ) من قيمة الناتج المحلي في عام 2010 ، بحلول السنة العشرين من الصراع.

من جهة أخرى ، كان آداء البلد ، غیر مواتٍ على مؤشرات تتعلق بالحوكمة ، والحریات المدنیة خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرین، وكانت تصنیفات سوریا على مقاییس حریة تكوین الجمعیات ، والتجمع وحریة التعبیر والمعتقد ، منخفضة بالمقارنة مع بلدان أخرى في المنطقة.

لقد شكل هذا الوضع ، أرضية خصبة للفساد ، الذي ارتفعت مؤشراته في سورية عن مستوياتها العالمية، وقد تسبب ذلك في فقدان الثقة بالمؤسسات العامة، فعلى سبيل المثال وبحسب دراسة لمؤسسة (غالوب ) أجرتها في عام 2009 ، فان نحو 52% ممن استطلعت آراؤهم من السوريين ، ” لا يثقون بالشرطة ” في مقابل (13% ) في الأردن.

يمكن القول ، ان التقرير معد بصورة منهجية جيدة، ويعطي صورة تقريبية عن المشهد الاقتصادي والاجتماعي في سورية خلال السنوات الست من الأزمة.

يؤخذ على التقرير ، عدم دقة بعض المعطيات، والاستنتاجات، وهذا (أمر متوقع ) نظرا لصعوبة الوصول إلى المعطيات الدقيقة ، بسبب ظروف الصراع، وإن الاعتماد على تقنيات الاستشعار عن بعد، ونماذج المحاكاة على أهميتها ، لا تغني عن المسح الميداني .

وبالعودة إلى التقرير فإننا الخسائر الاقتصادية التي يقدرها بنحو( 226 ) مليار دولار ، لا تشمل سوى رأس المال المادي الذي تم تدميره ، وليس رأس المال المادي ، الذي تم تهجيره، فبحسب مصادر عديدة ، تم نقل الكثير من المصانع السورية ورؤوس الأموال إلى الخارج، وهي بحسب أقل التقديرات لا تقل عن نحو( 50 ) مليار دولار.

الأرقام المتعلقة بالخسائر في الأرواح غير دقيقة، فعدد القتلى من مختلف الأطراف لا يقل عن (700 ) ألف قتيل، عداك عن الجرحى المعاقين بسبب الصراع، واللذين لا يقل عددهم عن نحو (1.2 )مليون شخص.

هذه الخسائر البشرية ، سوف يترتب عليها مشكلات اجتماعية خطيرة في المستقبل ، لجهة إعادة التوازن بين عدد (الذكور) و(الإناث) في المجتمع السوري، بحسب بعض التقديرات ، فإن أكثر من (مليون أنثى ) في سن الزواج ، لن يجدن فرصة للزواج ، يضاف إليهم خروج نحو (أربعة ملايين ) طفل من دائرة التعليم، وهؤلاء سوف يشكلون عبء على المجتمع والاقتصاد في المستقبل.

خسر المجتمع السوري ، واقتصاده أيضا ، كوادر عديدة ، صرف عليها مليارات الدولارات لإعدادها وتأهيلها، عداك عن خسارة دورها في إعادة الإعمار.

لا يلحظ التقرير الخسائر غير المباشرة ، وهي تلك المتعلقة بإعادة الإعمار . من وجهة نظر فلسفة التنمية ، فإن جميع الأموال التي سوف تكرس لإعادة الإعمار ، وتلافي الآثار الناجمة عن  الصراع هي خسائر، فالصراع المسلح جعل نقطة الانطلاق في التنمية (منخفضة جدا).

لا يلحظ التقرير (أيضا ) الخسائر الناجمة عن تحطيم منظومة القيم العامة، وإعادة تكوين الشخصية السورية من منظور قيم استسهال العنف ، والسرقة والخطف والغش ، عداك عن سوء التغذية الناجم عن ارتفاع الأسعار.

يخطئ التقرير كثيرا ، في رؤيته إلى وضع الاقتصاد السوري قبل الأزمة ، كأساس للمقارنة ، فقد مر الاقتصاد السوري في ” أزمتين حادتين ” قبل عام 2010، واحدة بدأت في عام (1985) واستمرت حتى عام 1990 ، والثانية بدأت في عام (1997 ) واستمرت حتى عام( 2005) .لتكوين صورة عن مساهمة مختلف القطاعات الاقتصادية في تكوين الناتج المحلي انظر الجدول(1).

تبين معطيات الجدول (1) ،أن قطاع الصناعة التحويلية قد حقق أكبر تراجع خلال الفترة 1997-2004 مقارنة بالفترة 1990-1997، يليه قطاع الماء والكهرباء، ومن ثم قطاع البناء والتشييد، والزراعة، والتجارة، وأخيراً النقل والمواصلات.

أما القطاعات التي حققت نموا  خلال الفترة ذاتها فهي قطاع الخدمات، يليه قطاع الصناعة الاستخراجية، وأخيرا قطاع المال والتأمين.

جدول (1)

مساهمة القطاعات المختلفة في تكوين الناتج المحلي الصافي

بأسعار عام 2000

البيان 1990-1996

(%)

1997-2004

(%)

الزراعة 8.0 4.5
الصناعة الاستخراجية 4.1 9
الصناعة التحويلية 20.7 -27
الماء والكهرباء 11 -7.5
البناء والتشييد 9.4 1.4
التجارة 6.9 5.3
النقل والمواصلات 9.9 7.7
المال والتامين والعقارات 7.8 7.9
الخدمات 2.9 10.3


المصدر: اعد الجدول من قبلنا ، استنادا إلى معطيات هيئة تخطيط الدولة

ا يزال الاقتصاد السوري ، يعتمد بشكل رئيسي على القطاعات الريعية، أي الصناعة الاستخراجية والزراعة، التي بلغت مساهمتها في الناتج المحلي في عام (2004 ) مقدرة بأسعار 2000 نحو (37% ) ، وهي قطاعات لا تستطيع تأمين نمو مستقر في الاقتصاد، نظرا لاعتمادها على عوامل غير مسيطر عليها، مثل الأمطار وأسعار النفط.

ويمكن الاستدلال على اعتماد الاقتصاد السوري على القطاعات الريعية، وذلك من خلال مقارنة مساهمة القطاعات الاقتصادية المختلفة في معدل النمو الاقتصادي بين الفترتين:1990-1996 و 1997-2004. انظر الجدول رقم (2).

تشير بيانات الجدول(2) ، أن مساهمة الزراعة في معدل النمو الاقتصادي بلغت خلال الفترة 1997-2004 نحو (27% ) متراجعة عن نسبة مساهمتها فيه خلال الفترة 1990-1996 والبالغة نحو( 35%) .

مع ذلك بقيت الزراعة، و الصناعة الاستخراجية، والنقل، والخدمات، هي القطاعات المولدة للنمو في الاقتصاد الوطني ، وهي قطاعات ريعية، ضعيفة القيمة المضافة ، في حين كانت مساهمة الصناعة، وخصوصا الصناعة التحويلية سالبة، وهي قطاعات ربحية حاملة للقيمة المضافة.

جدول (2)

مساهمة القطاعات الاقتصادية المختلفة في معدل النمو الاقتصادي.

(8.5% للفترة90-96 و2.9% للفترة 97-04)

القطاع الاقتصادي 1990-1996

(%)

1997-2004

(%)

الزراعة 35 27
الصناعة 31 -16
الصناعة الاستخراجية 22 38
الصناعة التحويلية 4 -52
الماء والكهرباء 5 -2
البناء والتشييد 4 2
المال والتامين 5 8
التجارة 8 19
النقل 12 30
الخدمات 5 30
المجموع 100 100

             

المصدر : المكتب المركزي للإحصاء ، وتحليل هيئة تخطيط الدولة

إن معدل النمو المرتفع نسبيا خلال الفترة 1990-1996 ، يعود بالدرجة الأولى إلى الظروف السياسية الملائمة نسبيا في المنطقة ، التي تلت عملية تحرير الكويت، وبدء مفاوضات مدريد لإحلال السلام في المنطقة، بالإضافة إلى تحسن المناخ الاستثماري الداخلي بصدور القانون رقم (10 ) لعام 1991، والبدء بإنتاج النفط الخفيف، مما شجع القطاع الخاص على الاستثمار.

أما الأسباب الكامنة ، وراء تدني معدل النمو خلال الفترة 1997-2000 فهي عديدة ، منها السياسة الانكماشية التي اتبعتها الحكومة، وخصوصا تجميد الأجور والرواتب، وتخفيض الاعتمادات المخصصة للاستثمار، مع تراجع معدلات التنفيذ بالمشروعات المقررة، يضاف إليها تعكر الأجواء السياسية في المنطقة، وتراجع الآمال بتحقيق السلام في المنطقة، إضافة تزايد معدلات الفساد في مؤسسات الدولة ، وعلى عكس ما ورد في التقرير ، فإن الفجوة في توزيع الدخل بين أصحاب (رأس المال ) كانت أكبر، وفي ذلك “فضيحة سياسية ” لادعات تمثيل العمال والفلاحين، فإن حصة الأرباح والريوع ، كانت دائما أكبر من حصة الأجور والرواتب .  انظر جدول(3)

جدول (3)

                   توزيع الناتج المحلي بتكلفة عوامل الإنتاج(2000=100)

السنة حصة الرواتب والأجور

%

حصة الريوع والأرباح

%

1992 40 60
1993 43 57
1994 46 54
1995 42 58
1996 43 57
1997 40 60
1998 40 60
1999 43 57
2000 42 58
2001 37 63
2002 37 63
2003 38 62
2004 42 58
متوسط الفترة 41 59

المصدر: بيانات المكتب المركزي للإحصاء ، وتحليل هيئة تخطيط الدولة

تشير معطيات هيئة تخطيط الدولة ، أن حصة الرواتب والأجور من الناتج المحلي بتكلفة عوامل الإنتاج ، مقدرة بأسعار عام 2000 الثابتة ، قد بلغت بالمتوسط خلال الفترة من عام 1992 إلى عام 2004 ، نحو (41% ) في حين بلغت حصة الريوع والأرباح خلال الفترة ذاتها بالمتوسط 59%.

لا يشير التقرير إلى كيفية تجاوز الأزمة وإعادة الإعمار، هل سوف يتم ذلك بالجهود السورية أم بدعم المجتمع الدولي.

إن الجواب عن هذا السؤال ، مهم جدا لجهة تامين الأموال اللازمة لإعادة الإعمار، وبالتالي تقصير أجال إعادة الإعمار ، فالاتحاد الأوروبي ، أعلنها صراحة ،أنه لن يشارك في إعادة إعمار سورية ، إذا لم يحصل تغيير سياسي جذري وشامل في النظام السوري.

 ومن البديهي أن دول الخليج العربي ، لن تشارك أيضاً في حال استمر النظام ذاته ، ثمة أراء تقول أن حلفاء النظام الدوليين( خصوصا روسيا وإيران) ، سوف يقومون بذلك من خلال السيطرة على استثمار الثروات النفطية والغازية المحتملة في سورية ، لكن ذلك سوف يتطلب زمنا ليس قصيرا.

بصورة عامة ، التقرير جيد ، ومعد بطريقة احترافية ، ويلقي الضوء على الآثار الاقتصادية والاجتماعية للصراع الدائر في سورية منذ عام 2011 ولا يزال مستمراً.

التقرير كاملا بصيغة (ب . د . ف )

https://openknowledge.worldbank.org/bitstream/handle/10986/27541/Syria%20ESIA%20Executive%20Summary-AR.pdf