aren

قراءة سورية في وثيقة (موغيريني) : دمشق هي عاصمة السوريين ، وليس بروكسيل !! … د. فؤاد شربجي
الخميس - 1 - ديسمبر - 2016

منذ أكثر من شهر ، يتحرك الاتحاد الاوروبي على خط الازمة السورية ، وتضمنت قرارات القمة الاوروبية ، بحث (المستقبل السياسي) لسورية ما بعد النزاع ، لذلك استقبلت مسؤولة الخارجية والامن في الاتحاد الاوروبي ، السيدة فيديريكا موغيريني ، ثلاثة وفود من المعارضة السورية ، كل على حدة .

وهم ، وفود (هيئة التفاوض ) و( ائتلاف قوى الثورة ) و (هيئة التنسيق) – وبحثت معهم – حسب اعلانها (مستقبل سورية السياسي ) ، وخرجت بوثيقة تقترح نظاما سياسيا ، يقوم على اللامركزية ، وضمان تمثيل الاقليات ( الاكراد ، المسيحيين ، العلويين ) ، والنساء …

وعلينا كسوريين ، فهم مبررات ودوافع هذا التحرك الاوروبي ، كما علينا تحليل الاقتراح الذي تقمت به السيدة موغيريني ، للوقوف على معناه ، وأهدافه ، لان البلد ( بلدنا ) ، والقضية (قضيتنا ) .. ولذلك سنحاول قراءة كل ذلك في الوثيقة ، بمايلي من أمور :

1 – رددت السيدة موغيريني ، أنها تعمل في مبادرتها هذه ، (بتنسيق حي) مع المبعوث الاممي لسورية – دي ميستورا – وهذا ما يكشف مصدر اقتراحه الادارة الذاتية في شرقي حلب ، وهو الاقتراح الذي رفضته سورية ، ( قبل أسبوع ).

2 – جاء في (وثيقة موغيريني) ، أنها سعي سياسي ، في اطار بلورة (مقاربة اقليمية) للعمل في سورية .

و” اقليمية ” هنا ، تعني ( التعاون الاوروبي الخليجي التركي ) في ضوء اليأس من امكانية قيام اميركا – ترامب ، بتحقيق ما يريده هذا الحلف السياسي الاوروبي الخليجي التركي في سورية ،… وهكذا فان (وثيقة موغيريني) تعبر عن القوى ، التي ساهمت في الحرب على سورية ، ومولت وسلحت وسهلت عمل الارهابيين بطرق متعددة ومتنوعة ، تتناسب مع كل طرف من أطرافها ، فهل هي حل لازمة سورية ، أم فعل سايسي مواز للعمل العسكري (الارهابي) ، الذي يقوم به الارهابيون منذ أكثر من خمس سنوات ضد سورية ؟!! .

3 – تعتمد (وثيقة موغيريني) على فرضية تعتبر أن أصل المشكلة في سورية ، هي ( النظام السياسي القائم ) ، وأن حل هذه المشكلة يكمن في (اقامة نظام سياسي بديل ) .

وهذه الرواية ، هي الاساس الذي تحرك تحت ستاره ، الحراك ضد الدولة ، والذي استهدف اسقاطها منذ البداية ، لاقامة دولة بديلة ، وطبعا يجب على هذه الدولة البديلة ، أن تكون منسجمة ومنخرطة ضمن التعاون الاقليمي الاوروبي الخليجي التركي ، ومحققة لسياساته ومصالحه … ، واعتبرت موغيريني ، أن موافقة وفود المعارضة الثلاثة على طرحها ، هي موافقة الشعب السوري ، وهذا طبعا مخالف للوقائع ، وللحقائق السورية .

4 – في بحثها عن نظام سايسي لسورية ، ترى (وثيقة موغيريني) ، أن اقامة نظام سياسي تتمكن فيه جميع مناطق البلاد والجماعات من العيش في سورية بسلام ، ضمن اطار سياسي واحد ، هو   (التحدي الاكبر ) .

وطبعا ، تجاهلت (وثيقة موغيريني) أن السوريين قبل الحرب الارهابية عليهم ، كانوا يعيشون بجميع مكوناتهم بسلام ، ضمن اطار سياسي واحد ، وكان عيش السوريين في نظام سياسي واحد ، مسألة طبيعية نابعة من تفاعل مكوناتهم ، وتكامل خصائصهم ، الامر الذي أنتج عبر آلاف السنين (هويتهم الحضارية) ، التي باتت باستقلاليتها وفطرة السيادة فيها ، ونزوعها للارتقاء الدائم ،(التحدي الاكبر) ، لمن يريد أن يلحقها به ، وبسياساته .

وان صدقنا ، أن نية موغيريني ، هي فعلا البحث عن حل ، فاننا نؤكد أنه قد فاتها ، أو ربما ضللتها وفود المعارضة ، بحيث اقتنعت ان المناطق السورية والجماعات في سورية ، تعيش على أرض سورية ، متجاورة ، كجيران ، بينما الحقيقة التاريخية الحضارية ، تقول بقوة  : ان جميع مكونات سورية من مناطق أو جماعات أوأقوام أو طوائف أو…أو …ألخ

تعيش على أرض سورية متفاعلة مع بعضها البعض ، وتفاعلها هذا ، خلق ويخلق هويتها الجامعة ، سورية ، محتفظا بخصائصها الاصلية ، كنوع من الغنى الحضاري ، وأساس لقوة ابداعية انسانية ، حضارية …

ليس في سورية مشكلة مناطق أو طوائف أو أقوام ، الا ما خلقته هذه الحرب الارهابية ، وبقهر الارهاب ، تعود الامور الى طبيعتها ، وتظهر الهوية السورية الحضارية ، بأصالتها الجامعة ، وباحترامها لخصائص كل مكون من مكوناتها ، وبتلافي كل غبن يلحق بأي مكون لاي سبب ، ومهما كان .

5 – ان (وثيقة موغيريني) مررت في صفات (النظام لسياسي) الذي تقترحه و(تريده) ، ان يكون محققا ل( ضمان ألا تكون سورية ملاذا للارهاب ) ، والجملة تفيد المستقبل ، أي ضمان ألا يكون هناك ارهاب في سورية مستقبلا ، وماذا عن الحاضر ..؟ّ!! ماذا عن مئات وربما آلاف الفصائل الارهابية ، التي تقتل وتدمر وتسرق وتنهب ، وتحتل ؟!! ..

ان (وثيقة موغيريني) ببحثها عن حل في سورية ، لا ترى في الارهاب القائم مشكلة ، بل تخشى من ارهاب مستقبلي ، فهل في هذه الرؤية ، تبرئة للارهاب وجرائمه القائمة ؟!! ، أم تجاهل عن سلاح يستعمله التعاون الاوروبي الخليجي التركي ، ضد الدولة السورية حاضرا ؟!! ، أم هو العمى عن رؤية الحقائق والوقائع في البحث عن الحل ؟!! ان كل ذاك ، يجعل اقتراحات (وثيقة موغيريني) ، عملا داعما للارهاب القائم بالتجاهل ، أو بالتبرئة الضمنية ، أو بالعمى عنه .

6- تقترح (وثيقة موغيريني) نظاما لا مركزيا ، يوزع السلطات على المناطق ، والطوائف ، والاقوام ، وبتغابي واضح ، تقرر ان هذا التوزيع للسلطات ، لن يؤثر في وحدة سورية ، ولا يعني التقسيم ، ولتؤكد على موقفها هذا تعطي للدولة المركزية ، وظائف التابع لكل سلطة من السلطات المتفرعة عنها – وعليها – الدولة المركزية ، بان تقدم للمناطق والطوائف والاقوام ، ما يعينها على اقامة سلطاتها الخاصة بها ، وباستقلالية تخصها ، وهذا ليس له أي معنى ، الا التقسيم ، أو بأحسن الاحوال ، بوابة التقسيم .. والكلام عن وحدة الدولة ، لا يغطي الحقائق والافعال ، التي تبرز وتزرع بذور التقسيم .

7- تطالب (وثيقة موغيريني) بنظام (يضمن المساءلة) ، وتناقش دساتير سورية ، وتقرر ان السوريين يريدون دستور 1950 ، ولا تحترم ان هناك استفتاء شعبيا جرى على دستور 2012 ، الذي اعتمد بموافقة شعبية ، … ان البحث في الدساتير واعطاء الاحكام على قيمة هذا الدستور أو ذاك ، وترجيح تبني الشعب لهذا الدستور أو ذاك .

ان كل ذلك ، يتضمن ( وقاحة استعمارية ) ، تتدخل في شؤون سيادية لشعب حضاري عريق وأصيل ، هو الشعب السوري ، وهو بمكوناته وعمقه الحضاري والتاريخي ، قادر على اجتراح دستور يرتقي أكثر عن كل الدساتير الماضية ، ولكن هذا يفعله الشعب السوري وحده ، ودون تدخل من أي وصاية أو انتداب ، باسم الحل أو اقتراح الحل .

8- العيب القاتل في (وثيقة موغيريني) ، أنها في بحثها عن الحل ، تدارست الامور مع معارضات ليس لها تمثيل شعبي ( بل لها تمثيل في الرياض – أو في أنقرة – أو لدى بعض أجهزة المخابرات الاقليمية والغربية).

واستبعدت أطرافا فاعلة من المعارضة الوطنية ، كجبهة التغيير والتحرير برئاسة قدري جميل ، وهو الذي نادى منذ البداية ، بحكومة وحدة وطنية ، تقود الاصلاح ، كما استبعدت الاحزاب الوطنية العريقة ( الشيوعي ، السوري القومي الاجتماعي ، البعث ..) .. واستبعدت أيضا الاحزاب الوطنية الجديدة ، ومنصة وسكو كلها ، ومنصة القاهرة ، ومكونات المجتمع المدني ..

أما النقص الفاضح ، فقد تجلى بأن (وثيقة موغيريني) لم تبحث مع الدولة السورية القائمة هذا الحل ، علما ان الدولة ، هي القوة الاساسية في سورية ، وهي من يقوم بادارة شؤون الشعب ، وهي من يقاتل الارهاب ، وهي القوة الاساسية الوحيدة القائمة ، والقادرة على انجاز الحل ، وتسهيل تحقيقه .

ان استبعاد الدولة السورية ، من البحث عن حل في سورية ، يفضح دوافع (وثيقة موغيريني) وأهدافها ، حيث يؤكد ذلك انها لا تبحث عن حل يرضي الشعب السوري ، بل تريد الوصول الى حل يعجبها هي ، ويحقق مصالحها ، وأول هذه المصالح اسقاط الدولة السورية ، واستبعاد حتى المعارضة الوطنية ، والابقاء على اتباع ( التعاون الاوروبي الخليجي التركي ) ، ألم يعمل هؤلاء على اسقاط الدولة منذ العام 2011 ، بهدف اقامة دولة بديلة تكون ألعوبة بيدهم ، وخادمة لمصالحهم ، ومنخرطة في سياساتهم ..؟!!!

ونتيجة كل ذلك ، فان الشعب السوري ، لا يضّيع أولوياته ، لانه مصمم على الخروج من الازمة، وهذا ما يدفع السوريين ، لان يجعلوا (محاربة الارهاب والقضاء عليه) ، أولى أولوياتهم ، كما ان الشعب السوري وبعد كل ما عاناه من الحرب الارهابية وداعميها .

فانه لن يقبل من أي جهة سعّرت الحرب ضده ، وحركت الارهاب بين جنباته ، لن يقبل منها أي اقتراح أو نصح للحل ، لان من طبخ السم لنا ، هو عدونا ، وأي عسل يغلف به سمه الجديد ، لن يغش السوريين .

أما الحديث عن نظام سياسي يتمكن فيه جميع مكونات الشعب السوري من العيش بسلام والمشاركة السياسية ، فان سورية بشعبها ، اقامت مثل هذا النظام ، وتستطيع ان تطوره وتحدثه وتقويه ، وتجري تغييرات الازمة فيه ، بحيث يكون قادرا على محاربة الفساد، وتفعيل المؤسسات والابداع المجتمعي ، وتحقيق مستويات أرقى من المشاركة السياسية والعدل والمساواة ، والاسهام الوطني والدولي والحضاري .

وبذلك ، فان السوريين يعرفون طريقهم جيدا ، وسيقضون على الارهاب وسيقوون دولتهم ، بتخليصها من كل أشكال التمييز والفساد ، والبلادة الادارية ، وبشحنها بالعدل والمساواة ، وبتوفير فرص الحياة الكريمة ، والمشاركة الفعالة في ادارة وحكم البلد .

وسيعمل السوريون على جعل الحرب الارهابية والانتصار عليها ، بوابة مرحلة أرقى للسوريين في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والحضارية …، وهذا واجب ومسؤولية السوريين وحدهم ، معارضة وحكومة ، ومجتع مدني …

وباختصار ، على موغيريني أن تعيد النظر بوثيقتها ، على ضوء حقائق الشعب السوري وحقائق مكوناته ، وعلى ضوء الحقيقة الاقوى ، ان مكونات الشعب السوري ، تتفاعل في اطار الهوية الحضارية الوطنية ، وليس مكونات تتجاور ، وليست مكونات جيران يسكنون قرب بعضهم معزولين عن بعضهم ، وان كانت مكونات بلجيكا جيران تتجاور ، فان مكونات سورية ، اسسس وطنية تتفاعل … ودمشق هي عاصمة السوريين ، وليست بروكسيل .