aren

في مؤسَّسية النظام الأمريكي وما يهدّدها \\ كتابة : د.عبدالاله بلقزيز
الخميس - 21 - فبراير - 2019

 

ساد اعتقاد لدى السّواد الأعظم من الناس في العالم، ولفترة طويلة، بأن الولايات المتحدة دولة مؤسّسات ونظامها السياسي قائم على عمل المؤسّسات، وأنّ السلطات التي يملكها الرئيس، بموجب الدستور، لا تخوّله حقّاً في تجاوُز مؤسّسات الدولة أو عدم حيازة موافقتها على قراراته، بل تفرض عليه أن تكون شريكاً في صُنع القرارات تلك.

وما كان الاعتقاد هذا انطباعاً تَكَوَّن لدى الناس من انبهارهم بقوّة أمريكا، وإنما هو ممّا يُسَلّم به حتى أعرق الديمقراطيات الغربيّة (بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، ألمانيا…)، ويحاول بعضُها أن يجاريه. والحقّ أنّ المتابع لما يجري في أمريكا، وفي عمل مؤسّساتها السياسيّة، لا يسَعُه إلاّ أن يسجّل، بموضوعيّة، حقيقةَ انتظام السياسة الأمريكيّة على مقتضى العمل المؤسّسي المتسلسل والمترابط ؛ فالقرار فيها لا يخرج من البيت الأبيض، بالتِّلقاء، كما يخرج من الإيليزيه مثلاً، وإنما يمرّ بمحطّات ومؤسّسات عدّة قبل أن يتبلور في البيت الأبيض.

إنّه يقطع شوط الصّوْغ والبناء والإنضاج من مراكز الدراسات، إلى الرئيس مروراً بال«سّي آيْ إيه»، و«مكتب التحقيقات الفيدرالي»، و«مجلس الأمن القوميّ»، والكونجرس. وفي الأثناء، تنشط الصِّحافة ووسائل الإعلام في تداوُلِهِ مشروعاً أو مناقشته قراراً؛ مهيّئة الرأيَ العامّ له، أو مبرّرةً إيّاهُ، أو ناقلةً إلى الجمهور اعتراضات أو تحفّظات المخالفين. وهكذا توفّر السيرورةُ التي تقطعها السياسات، بين هذه المؤسّسات، اطمئناناً عامّاً (على الأقلّ في المجتمع السياسيّ) إلى أنّ القرار الرسميّ يحتاز شرعيّته الدستوريّة والديمقراطيّة.

ليس الاعتقاد هذا جديداً أو حديثَ عهد، بل قديم هو في الزمان بحيث يعود إلى نهايات القرن الثامن عشر؛ إلى عهد الثورة الفرنسيّة التي تأثَّر رجالاتُها بمبادئ الدستور الأمريكي (الذي أعلِن، 12 عاماً، قبل ثورة فرنسا وبدأ العمل به عامين بعد إعلانه). وقد وفَّر كتاب المفكر الفرنسيّ ألِكسي دو توكفيل «الديمقراطيّة في أمريكا»- الصادر في منتصف القرن التاسع عشر غداة إقامة مديدة للمؤلّف في الولايات المتحدة- مادةً مرجعيّة هائلة اطَّلعت من خلالها النخبُ السياسيّة والفكريّة في العالم – ولأجيال متعاقبة- على نوع نموذج النظام السياسيّ الأمريكيّ، ومُباينَتِهِ النموذجين الإنجليزي والفرنسيّ، ناهيك عن مَواطنِ القوّة فيه التي تَعَزَّز بها مركزُ النظام السياسيّ الأمريكيّ في العالم.

صحيح أنّ قوّة أمريكا تغذّت من عواملَ عدّة: الثروات الخرافية في القارّة؛ عزلتها وراء البحار عن العالم ومشكلاته (إلى حدود الحرب العالميّة الثانية)؛ استفادتُها القصوى من الخبْرات العلميّة والكفاءات الوافدة إليها في مواكب المهاجرين أو هرباً من الحروب والأزمات؛ استفادتُها ممّا أصاب أوروبا من إنهاك اقتصاديّ جرّاء حروبها في القرنين التاسع عشر والعشرين…إلخ. ومع ذلك، لا يمكن لأحد أن يَجْحد حقيقةَ تميّزِ نظامها السياسيّ، من نظائره الأوروبيّة، بتنوّعه ولامركزيّته… وبالمؤسَّسيّة في عمله.

ظلّ النظامُ هذا يشتغل بديناميّته المؤسّسيّة في العهود كافّة. ومع أنّ خللاً كبيراً استمرّ يعتورُهُ هو انقفالُ مجاله السياسيّ على ثنائيّةٍ حزبيّة مكرورة، من اللون والجنس نفسِه، هي ثنائيّة: الحزب الديمقراطيّ/الحزب الجمهوريّ، إلاّ أنّ عمل مؤسّساته لم يتعطّل، يوماً، حتى مع استشراء مرض الاحتكار الكامل للسياسة من قِبَل هذين الحزبين، وما ولّدهُ الاحتكارُ ذاك من تكلّسٍ في بنيةِ نخبةٍ سياسيّة تعيد إنتاج نفسها، باستمرار، من داخل البيئة السياسيّة الحزبيّة عينها.

بيد أنّ علاماتٍ جديدةً، اليوم، تُؤْذِن بميلادِ طارئٍ جديد على نظام اشتغال السياسة في الولايات المتحدة الأمريكيّة، وعلى سلامة عمل المؤسّسات فيها وانسيابيّته المعهودة، بل هي توحي بأنّ مؤسَّسيةَ النظام ومبدأَ الشراكة في عمله وَلَجَا طوْر تأزّمٍ ليس يُعْلم بعد كيف سيُصَار إلى تفريجه وإعادة الأمور إلى مجراها المألوف. أكثر هذه العلامات بدأ في الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامپ – وقد قطعت نيّفاً والنصف منها- وكانت سياساتُه، هو بالذات، القرينة الأدلّ على ما بات يتهدّد المؤسّسيّة في النظام الأمريكيّ من أخطار ما عاد كثيرون يستبعدون أن تستفحل أحوالُها، أكثر، مع مرور الأيّام.

لا يُخفي المجتمعُ السياسيّ الأمريكيّ، ومعه الرأي العامّ، خوفه على النظام الأمريكيّ ومركزيّةِ عمل المؤسّسات فيه ممّا بات يجري، اليوم، من طرقٍ وأساليبَ جديدة في إدارة شؤون الدولة الداخليّة، وتناوُل ملفّاتها الرئيسية: كالأمن الداخليّ والهجرة والضرائب..، وفي إدارة السياسة الخارجيّة والعلاقة بدول العالم، والحلفاء منها للولايات المتحدة خاصّة؛ فالذي يقع اليوم، في ظل إدارة دونالد ترامپ، ليس من مألوفات السياسة الأمريكيّة وتقاليدها، وقد يُخْشى من أنّ الاستمرار في نقض المألوف، والسير في هذا المسار، قد يجُرّ الولايات المتحدة إلى أزمات داخليّة ومع العالم الخارجيّ تضرّ باقتصادها وبمكانتها في النظام الدوليّ.

وليس صدفة أنّ المَخَافةَ هذه عامّة، ويُبديها الجمهوريّون والديمقراطيّون، وينخرط فيها الإعلام بحماوة؛ ذلك أنّ هؤلاء جميعاً يقرعون نواقيس الخطر في مواجهة منحى من السياسة مُقلق في بلادهم.

“الخليج”