aren

في ذكرى مولده الـ87 .. “محمد الماغوط” جرح لا يمتهن الفرح \\ بقلم : فلك الشام
الخميس - 25 - نوفمبر - 2021

أتى الشاعرُ والأديبُ السوري “محمد الماغوط “للحياةِ في نهايةِ خريفٍ قديمٍ يشبه هذا اليومَ، وعاش اثنين وسبعينَ شتاءً قارسَ الفقرِ ولم يقابلْ الربيعَ إلا مرة واحدة في الثالثِ من نيسان يوم رحيله. لم يكن الماغوط مواطناً عربياً يقبعُ تحتَ سلطةِ السيّافِ بل حملَ قشَّ فقرهِ على جناحيه المكسورين وبنى عشه على قبةِ البرلماناتِ العربيةِ.ليصنعَ وطناً من ألفِ الآهِ إلى ياءِ التمنى، كان يشبه جرحاً عربياً يغني بكلِ لهجاتِ الوجعِ الممتدِ على أضلاِع اللغةِ الممنوعةِ من الصرفِ في جيوبِ المحرومين على حسابِ الطغاة.

كتبَ حتى البكاء وسَخِرَ حتى الضحك ماسحاً دموعه بكلِ ملفاتِ القممِ العربية وبكلِ أوراقِ القضيةِ. هو أولُ من اعترفَ بأنَّ الجريمةَ الكاملةَ في هذا العالم ، هي أنْ تولدَ عربياً ، وأن يعيدكَ الحكامُ إلى التراثِ وأنت لا تطيقُ العودةَ إلى البيت وأنت جالس تحلمُ بأنْ ينبتَ رجلٌ غيركَ على أخشابِ الكرسي المسقية بعرقِ القهر. رجلٌ أقوى منكَ، لا يخشى الرفضَّ ولا يخشى الحراسَ ولا السجّانين يتحدى تيارَ قطيعِ الأمّة، ِرجلٌ في يده كلمةٌ كالسيفِ يدخلُ كلَ قصورِ الحكمِ الجائرِ ليصرخَ وفي فمه صوت شعبٍ جائعٍ، وهو الحالمُ والفاعلُ في عودةِ أخشابِ المسرحِ العربي للحياةِ.

ليخضَرَّ العرضُ براعمَ ألمٍ فى مسرحيته (ضيعة تشرين) ولتُفتحَ ستائرَ مسارحنا العربيةِ على شبابيك (غربة) في وطنٍ يأكله الأغرابُ. الماغوط كسرَ الكأسَ العاشرَ في يدِ القبّاني لنصحو من كذبةِ عشقِ الأوطان وننادمَ وطناً سكراناً أكثر من حنا رحابنةِ الأخوين في حانة (كاسك يا وطن) ولنتقيأ فوقَ مقابرِ موتانا الراحلين عبثاً وشقاءً في ربيعِ (شقائق النعمان) وهناكَ على طاولةٍ في مقهى شعبي يجلسُ في زاويته شرطي يراقبُ أنفاسَ القهوة والدخان كي يكتبَ لسيده (التقرير) لا يمكنكَ وأنت مواطنٌ عربُّ محرومٌ أنْ تقتبسَ من الماغوط جملةً أو عبارة، بل عليكَ أن تقتبسه كاملاً بقبعتهِ الغريبةِ وبآثار أسنانه تعضُّ على تلك السيجارة.

هو سيدُ الحداثةِ الشعرية ، رغمَ النافخين نقداً على شموعِ قصائدهِ المتَّقدةِ بنارِ وجعِ الإنسانِ العربى، وحاملُ شقاء الراحلين على دروبِ الشوكِ نحو الخلاص، هو الإنسان العربى المقهورُ على امتدادِ وطنٍ أعارَ أبناءَه للجوعِ ليكتبَ خارجَ قضبانِ التفعيلةِ وسجونِ الأوزان ويعدّلَ ذاك الميزانَ بعمقِ الجرحِ وعمقِ المعنى وفظاعةِ أوجاع الصورة، ينثرَ شعرَه خلفَ عكازهِ على طريقِ الحريرِ المؤديةِ إلى المقهى الدمشقي القديم. قبلَ أنْ يقتادَه شعرُه إلى محاكمةٍ قهريةٍ على قوسِ قضاء الجرحِ وهو القائلُ: «إن الوطن يساوي حذاء» ليبرئَه قاضىي الشعر كأولِ شاعرٍ عاشَ وماتَ حافياً في وطنِ العراء. ويقولها الماغوط علانية: «سأخون وطني».. «سأجوع عن كل فقير.. وسأسجن عن كل ثائر.. وأتوسل عن كل مظلوم.. وأهرب إلى الجبال عن كل مطارد.. وأنام في الشوارع عن كل غريب».

نام الماغوط غريباً فى شوارع الفقر ، وذاقَ بردَ السجنِ ، وتوسلَ في أبياتِ شعره نيابةً عن كل المظلومين. ونادى كلَ الطغاةِ أنْ يعيدوا للشعبِ قمحَه وللثيابِ أعيادها وللروح العربية كرامتها، تلك الكرامة التي قاتلَ من أجلها الهرمُ الرابعُ والزعيمُ الكبير، سيد التأميم جمال عبدالناصر حيث رثاه الماغوط منادياً بعد (أيتها) كل شىء صارخاً بكلِ أنفاسِ عروبته وإنسانيته: أيتها الأغصان الباردة كأطراف الموتى.. أيتها المواهب الذابلة في ربيعها الأول.. أيتها السجون المزدحمة بالأحرار.. أيتها القطارات الغاصة بالمهاجرين.. أيتها الخطب المرتجلة من الشرفات.. أيتها المسيرات المعطلة في كل مكان.

أما من عبدالناصر جديد ولو برتبة عريف «وعلى بعد حبل دموع أزرق من تلك السماء ودهرٍ من بكاء، وقف الماغوط محدقاً نحو الأعلى عارفاً أنَّ مصيرَه كمصيرِ الطيورِ التي لا بلاد تسمح لها بأن تبني عشاَ من الشعرِ على غصنٍ من الحريةِ، فأنشد غصَّاتٍ زفيرها هذه الكلمات: «دموعي زرقاء.. من كثرةِ ما نظرتُ إلى السماء وبكيت.. دموعي صفراء من طولِ ما حلمتُ بالسنابلِ الذهبيةِ.. وبكيت.. أما أنا.. فسأبحث عن مسبحةٍ وكرسي عتيق.. لأعودَ كما كنت حاجباً قديماً على باب الحزن.. ما دامت كل الكتب والدساتير والأديان.. تؤكدُ أنني لن أموت.. إلا جائعاً أو سجيناً». وفارقَ الماغوط عكازَه الخشبي الذي عجزَ أنْ يعيدَ إليه الاخضرار تاركاً على أرصفةِ دمشق قصائده مثل مقهى لا يقدم قهوته إلا للفقراء. وقد كتب الماغوط على بابِ المقهى بالجرحِ العريض الفرح ليس مهنتي».

شاعرة وكاتبة من سورية