aren

في ذكرى حرب تشرين اكتوبر 1973 \\ بقلم : كمال ديب
الخميس - 7 - أكتوبر - 2021

رئيسة الوزراء الاسرائيلية اثناء حرب تشرين (غولدامائير) مع عدد من الضباط الاسرائيليين خلال الحرب

يوم نادى جبل الشيخ “إنّ فيكم قوّة لو فعلت ، لغيّرت وجه التاريخ”.

السادس من تشرين الأول اكتوبر 1973 ، كان يوماً عظيماً للعرب، سجّل أكبر هجوم عسكري في تاريخهم ، وأثبت مقدرتهم على التخطيط والتنفيذ بأحدث الأسلحة والمعدات على عدو كان يظن الجميع أنّه لا يقهر.

في الساعة الثانية بعد ظهر السبت 6 تشرين الأول، شنّت الجيوش السورية والمصرية هجوماً صاعقاً ومباغتاً على المواقع الاسرائيلية المحصّنة في سيناء والجولان، واستطاعت خلال 24 ساعة قلب المعادلة وتحقيق تقدّم استراتيجي على الأرض. فعلى الجبهة المصرية عبر مائة ألف جندي وأكثر من ألف دبابة قناة السويس محطّمين تحصينات خط بارليف، ما وصفه الخبراء الأميركيون أنّه “من أعظم عمليات العبور العسكرية لحاجز مائي في تاريخ الحروب”. ثم واجه المصريون القوات الاسرائيلية على الأرض ودمّروا 300 دبابة اسرائيلية خلال ساعات. لم تفق اسرائيل من الصدمة إلا في اليوم الثالث، 8 تشرين الأول، حيث قامت ثلاثة ألوية مدّرعة اسرائيلية بهجوم مضاد لوضع حد للاندفاع المصري، فقط لتصاب اسرائيل بالخيبة وتخسر 260 دبابة إضافية بفضل المدفعية المصرية والصواريخ المصرية المحمولة على الأكتاف، ما اعتبره مراقبون عسكريون أميركيون “أسوأ هزيمة في معركة يخوضها الجيش الاسرائيلي” .

على الجبهة السورية، كان الاسرائيليون قد حفروا خندقاً على طول الجولان بطول 65 كلم وعمق أربعة أمتار وعرض خمسة أمتار، مزنّراً تماماً على الجانبين بألغام أرضية مضادة للدروع، يليه مساقط أرضية عالية يطلّ منها الاسرائيليون من مواقعهم التي بلغت 112 قلعة محصّنة ومدعومة بالاسمنت المسلّح والسميك. ويلي تلك القلاع تجمعات دبابات وآليات ومدفعية إسرائيلية ووحدات لواء “غولاني” الاسرائيلي.

وأشرف على هذا الحاجز البري الطويل تجهيزات مراقبة ومعدات الكترونية في قاعدة عسكرية في قمّة جبل الشيخ. ولم يكن السوريون على غفلة من هذه التفاصيل، أو أي عدو سيواجهون. إذ خلال الأشهر الماضية قام (غبريال) البيطار قائد مخابرات الجيش السوري بإرسال مجموعات عسكرية ، صوّرت المواقع الاسرائيلية، وجمعت المعلومات حتى توفّر لسورية خرائط مفصّلة عن كل موقع على طول الجبهة. وأجريت تدريبات على اقتحام هذه المواقع بما فيها قاعدة قمّة جبل الشيخ الالكترونية.

وكانت سورية قد حشدت 60 ألف جندي مع معداتهم المؤلفة من 1300 دبابة و600 قطعة مدفعية و400 رشاش مضاد للطائرات و100 بطارية صواريخ سام أرض جو. وفي 6 تشرين الأول، خرق 35 ألف جندي سوري و800 دبابة التحصينات الاسرائيلية، فيما هاجم سرب طائرات هليكوبتر موقع جبل الشيخ الالكتروني ، واحتله.

وخلال ساعات أطلّ السوريون على بحيرة طبريّا ووادي الأردن وشمال اسرائيل، وحقّقت القوات السورية تقدّماً كبيراً في القطاع الجنوبي ، حيث استطاع اللواء الخامس في نفس اليوم بقيادة علي أصلان أن يجتاز العوائق الاسرائيلية بسهولة ويضرب الخطوط الاسرائيلية ويمضي في ثلاثة طوابير لتحرير معظم القطاع الجنوبي والأوسط في الجولان.

وكاد التقدّم السوري يصل حدود 1948 ، لولا تدخّل قوى اسرائيلية مدرّعة منعت إنهيار كامل الدفاعات الاسرائيلية صباح 7 تشرين الأول، أي بعد 18 ساعة من بدء المعارك. ولكن سورية كانت تمسك بزمام المبادرة، إذ أنّ غرفة القيادة في دمشق (الرئيس الأسد ورئيس الأركان شكور ومعهما كبار القادة العسكريين) ، لحظت تقدّم اللواء الخامس السوري ، وأمرت اللواء الأول المدرّع باقتحام وجاهي في القطاع الأوسط ، حيث يقع مركز قائد جبهة الجولان الإسرائيلي خلف مدينة القنيطرة ، وذلك لتستمر مساندة كتف اللواء الخامس. وهكذا في ليل 7 – 8 تشرين الأول، حقّق هذان اللواءن السوريان تقدّماً هاماً ، وباتا على مسافة قصيرة من بحيرة طبريا وجسر بنات يعقوب على نهر الأردن، وما هي إلاّ ساعات ، ويصبح “تحرير الجولان” الكامل بمتناول اليد.

في سيناء كما في الجولان، بدت اسرائيل الطرف الخاسر، تنكسر وتتراجع وتخسر مئات الدبابات. وعلى وقع هذا الانتصار، اشتعلت مشاعر الشعوب العربية كما لم يحدث من قبل. إذ لأوّل مرّة منذ 1948 تتحدّى جيوشهم صعود اسرائيل الجبّار وتقهر اسطورة تفوّقها وتنهي عار هزائم 1948 و1956 و1967. أنّ العرب قد استعادوا كرامتهم وضمّدوا جراح الماضي هي مسألة تحقّقت في اليوم الأول ولن تغيّرها مجريات الحرب ونتائجها الميدانية فيما بعد . فقد جلب العرب إلى أرض المعركة جيوشاً سورية ومصرية عصرية مسلّحة ومدرّبة جيّداً تختلف تماماً عن الجيوش الضعيفة والعارية التي حطّمتها اسرائيل في حرب 1967.

بفضل سنوات من التحضير والتخطيط الجيّد، وقد تعلّمت سورية ومصر من أخطائها في السابق ومن تفوّق اسرائيل وسمحتا هذه المرّة لأصحاب المعرفة والخبرة أن يتسلّموا المناصب الهامة في الجيشين بعيداً عن المحسوبية السياسية. 

كما تمتّع الجيشان بمقدرة تسلّح ممتازة ليس فقط في الطائرات والدبابات ، بل في الأسلحة الفردية كـ(صواريخ ساغر وستريلا) المضادة للدروع ، والتي دمّرت عدداً كبيراً من الدبابات الاسرائيلية، وصواريخ سام 6 التي كانت عاملاً أساسياً في انتصارات الأيام الأولى ، لأنّها حرمت سلاح الجو الاسرائيلي من الدور الذي لعبه في الحروب السابقة. فعطّلت هذه الأسلحة مدرعات اسرائيل وطائراتها منذ اليوم الأول. كما أنّ الجانب العربي استعمل أجهزة إتّصال لاسلكية متفوقة ، ومشفّرة اشترتها سورية عام 1972 من شركة سويدية – سويسرية.

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها