aren

في العيد الخامس للميادين : ستبقى الضوء في نهاية النفق \\ كتب : غسان بن جدو
الثلاثاء - 13 - يونيو - 2017

 

عند الساعة الثانية من بعد ظهر يوم الإثنين العام 2012، قبل خمس سنوات. بخلفية “موطني” نشيداً اختارته رسالة لهويّتها، أُعلنَ انطلاق “شبكة الميادين الإعلامية”. كلمة سرِّها “يا رب”. تحت “السماوات والأرض”. في فضاء “النور والمشكاة والمصباح والزجاجة والكوكب الدرّي”.

قالتها “الميادين” منذ البدء بلا حرج : ننطلق “من رحم العدم”. بإمكانات متواضعة ولا تزال، وبتصميم كبير ولا يزال، وبطموحات سامية ولا تزال، وبإدراك مبكر لا يزال، لتعقيدات وضغوط وحملات ضدّنا لا تزال، وبواقعية العمل والتنفيذ ولا تزال.

برؤية شاملة لا تزال، لمشروع إعلامي استراتيجي لا يزال. بطاقات عديدة تعمل بمنطق الانتماء لا الوظيفة ولا تزال، وبتواضع الواثق ولا يزال. الأساس، بالتوكّل على الله لا يزال ولن يزول.

بكل هذا وغيره انطلقت “الميادين” قبل خمس سنوات. تستمر في عملها وإشعاعها وانتشارها بهدوء وتواضع وإصرار. كنّا ندرك منذ البدء صعوبة المهمة. ليس فقط بسبب الفوارق الخيالية وبمسافات ضوئية لا زمنية بين إمكانات “الميادين” وإمكانات وقدرات غيرها، بل بسبب ضبابية واقعنا العربي، وحشر مجتمعاتنا وبلادنا في خراب التأزيم والتدمير والتشويه، والتضليل والطائفية المقيتة، والمذهبية البشعة والفتن المتنقلة.

بصراحة، لم نبالِ أبداً ولا نزال، بحكاية الفوارق بين إمكانات “الميادين” وغيرها. مبالاتنا تعني تركيزاً على سراب وأوهام وأهداف خاطئة. لقد انطلقنا وهمّنا تقديم إعلام مهني متوازن. ينقل الواقع كما هو بما هو متاح ومتيسّر لدينا. الأهم أن نخوض معركة الوعي وننتصر في حرب المعرفة.

هدفنا استعادة جانب من الرأي العام الخاضع لأقذر حملات تضليل وتزوير وتعبئة عبثية تحريضية على الفتك بمجتمعاتنا. حملات تهشيم لثقافتنا وحضارتنا وعمراننا. حملات تحويل أدياننا وقيمنا من التسامح والرّحمة إلى الهتك والذبح، بل العمالة باسم شعارات نبيلة. حملات هي في عمقها سياسات تجهيل ومنهجية تبعية.

أول تجسيد لإسم “الميادين” هو معانقتنا الميادين والساحات والأرض. تغطيات ميدانية شجاعة ومتميزة. بعد خمس سنوات، حققنا إنجازات، وتنقصنا أخرى لا تُحصى. وُفّقنا في جوانب وتعثّرنا في أخرى. يمكننا المجازفة بالجزم أن “الميادين” باتت رقماً صعباً في المعادلة الإعلامية والاستراتيجية العربية والإقليمية بلا شك.

يمكننا المجازفة بالتأكيد أن شاشة “الميادين” أصبحت حاضرة في جميع البلاد العربية. بين العرب حيثما كانوا. دخلت غالبية البيوت العربية بالرغم من محاولات الحظر والإقصاء والحصار الإعلاني. خطابنا مهذّب وراق وهذا خيارنا الثابت على الشاشة. أي استثناء فهو نشاز.

“مع الإنسان في كلّ مكان”، شعار عكسته الميادين بجدارة في أخبارها وبرامجها وفواصلها الترويجية المتميزة.

أي قناة عربية صغيرة وبلا مرجعية دولة كـ”الميادين”، بلا ارتباط بأي جهة رسمية في العالم يمكنها حمايتنا وتسهيل الأمور أمامنا دبلوماسياً وماليا وأمنياً وسياسياً وحتى اقتصادياً كما هو حال غيرنا، أي قناة بلغت علاقاتها الدولية واتفاقاتها المهنية ما بلغته “الميادين” في مثل سنواتِ عمرها الذي مازال يحبو؟

ليس المجال هنا لعرض مدى مصداقية القناة وسعة تأثيرها واهتمام عواصم القرار بها، لكن “الميادين” باتت مرجعية جدية للحليف ولمن يعتبر نفسه غير ذلك ، لصنّاع وأصحاب القرار في محيطنا العربي والإقليمي.هي كذلك لغيرهم كثر في عواصم القرار الدولي.

إنطلقنا برسالة إعلامية تعلن التوازن، هذا صحيح. متمسّكون بهذه السياسة ولن نَحيد عن لازمة التوازن في أدائنا الصحافي المهني. في الوقت ذاته، لم ولن نكون أيضاً محايدين في قضايانا المركزية إنسانياً ونضالياً.

الحياد في قاموسنا هو اللاموقف، واللاموقف هو خطاب الإمّعة، ونحن لسنا إمّعةً ولن نكون كذلك. لا حياد مع الإرهاب بكل عناوينه وأفكاره وجماعاته. لا حياد مع الاحتلال بكلّ قواه ومظاهره وعناصره. لا حياد مع الفتن بكل شعاراتها وأهلها ومؤسساتها.

ضميرنا مرتاح والحمد لله. لم نتورّط في حروب الفتن والتقسيم وسفك الدماء وتحريض الناس على القتل باسم الثورات المسروقة . قبل كل ما سلف وبعده، لن نحيد أبداً عن مركزية قضية فلسطين. وسوف تبقى القدس بوصلتنا ما دام في “الميادين” شعاعُ ضوء وفي أجسادنا قطرة دم. القدس لنا هي ذاتٌ ووجودٌ وليست مادةً صحافية.لن نحيد ولن نتراجع عن خيارنا الواضح منذ التأسيس باحتضان المقاومة ونهج التحرير. في هذا لا تردد أبداً.

شاشة “الميادين” أثبتت وثبّتت هذا على مدى الأعوام الخمسة الماضية. موقع “الميادين نت” والأونلاين سجّل تطوراً كبيراً وتقدماً جيداً. جسّدنا أحد مبادئنا الأساسية بتدرّج: اصطفافنا إلى جانب عالم الجنوب من موقع “الانتماء” وليس فقط موقف الانحياز.

باتت “الميادين” مصدر ثقة مئات وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة الكبرى في عالم الجنوب من أفريقيا إلى أميركا اللاتينية وآسيا ناهيك عن روسيا. “الميادين” إسماً وصورةً وشاشةً مصدر جدّي في منطقتنا لوكالات الأنباء العالمية والدولية. مع ذلك فالمشوار طويل طويل. المشوار طويل لأنه مشوار حياة.

“الميادين” مشروع أكبر من قناة وشبكة. هو مشروع إعلامي وطني إنساني في لحظة زمنية ما أقساها وما أعقدها وما أصعبها أيّها الأحبّة. لكنّها لحظة زمنية تاريخية تضعنا أمام مسؤوليات تاريخية.

هذا ليس إنشاءً ولا نثرَ حشوٍ، هذا هو “الجوهر الفرد” لـ”الميادين” الشبكة والمشروع والرسالة. مشروع انطلق ولن يتراجع. يكمل بي أو بغيري، بنا أو بغيرنا. مشروع حقّق نجاحات ويستمرّ بمزيد من الإبداع والتألّق إن شاء الله. المهم أنه مشروع مستقر.

 القناة ثابتة بكل ما لهذه الكلمة من معنى ودلالة. مستمرّون بمهنية وحرفية وتوازن. مستمرّون بالتزام وهدوء وصبر وتواضع وشجاعة وحكمة وذكاء.

لقد توكّلنا على الله ولم نَخِب. نتوكّل على الله دائماً ورجاؤنا ألا نخيب .. نحن على ثقة من ذلك. على ثقة من النجاح والتألق. هي ثقة راسخة بإذن الله. ثقة نحميها برموش عيوننا ونحفرها بكدح سواعدنا. نستمر مع “الميادين” مردّدين دائماً: يا رب.

رئيس مجلس إدارة شبكة الميادين الإعلامية