aren

في الشرق الأدنى : ترامب ضد ترامب \\ بقلم : د.ماهر الشريف
الأحد - 19 - يناير - 2020

ترمب

“روبير ماليه” ، رئيس مجموعة الأزمات الدولية، والمستشار السابق للرئيسين باراك أوباما وبيل كلينتون لشؤون الشرق الأوسط، في حوار مع مجلة “أوريان 21” الإكترونية، أجراه الصحافي “كريستيان جوريه”.

روبير ماليه

رداً عن سؤال بخصوص ما يشاع عن انسحاب أميركا من المنطقة، يقول ماليه إن هذا الانسحاب أو التراجع المزعوم للولايات المتحدة يتوافق مع قراءة خاطئة. إذ إن هناك أكثر من 30000 جندي أميركي في المنطقة، ومنذ انتخاب ترامب تمّ إرسال 14000 عسكري إليها. وإذا أضفنا تدخلات واشنطن هنا أو هناك في المنطقة، عبر إرسال الطائرات المسيرة أو عبر القيام بعمليات، يبدو لي أنه من المبالغ الحديث عن تراجع أميركي. أما هذا التصور الخاطئ عن التراجع، فيعود إلى أن ترامب غالباً ما قال إن الأميركيين استنزفوا أنفسهم كثيراً في المنطقة، ويتوجب على بلاده أن تقلل اهتمامها بها. كما يعود هذا التصور إلى تخوفات بعض الزعماء الإقليميين من أن يتركوا وحيدين في مواجهة إيران.

إن هناك بالفعل –كما يتابع ماليه- إعادة تموضع للولايات المتحدة إزاء استخدام قوتها العسكرية. فالتراجع النسيبي للقوة الأميركية هو حقيقة تعبر عنها المكاسب النسبية التي تحرزها قوى أخرى. فكل قوة تبحث عن مكانها في عالم بات حضور الولايات المتحدة فيه أقل مما كان. وهذا التراجع انطلق أساساً مع حرب العراق في سنة 2003، عندما تبين أن استخدام الولايات المتحدة لقوتها العسكرية الأميركية كان في الواقع مظهراً لضعفها. ومنذ تلك الفترة، يعبر الرأي العام الأميركي عن عدم قبوله هذا النمط من التخلات المتكررة. وجاء الحدث الليبي ليعزز هذا الشعور.

ومن هنا برزت قناعة عامة بأنه ينبغي عدم الاهتمام بهذه المنطقة. أما ما يمكن أن نسميه “معادلة” ترامب؛ فهو أعلن عندما كان مرشحاً، خلال حملته الأنتخابية، أن الحروب الأميركية كلفت الاقتصاد أثماناً باهظة وتضحيات بشرية كبيرة. واليوم، تتبنى حملة المرشحين الديمقراطيين لانتخابات الرئاسة سنة 2020 موضوع التدخلات العسكرية غير المفيدة في المنطقة، أي أن هناك ظاهرة على المدى البعيد تراعي التراجع المفروغ منه للقوة الأميركية.

لكن بالنسبة لترامب لا يتعلق الأمر بموقف مبدئي، إذ إن سلوكه يقوم على تقدير ما إذا كان التدخل أو عدم التدخل يخدم مصالحه، وهو سلوك يتسبب في انعدام الثقة لدى بعض زعماء العالم العربي، الذين يتساءلون: “هل الحليف اليوم، سيكون حليفاً غداً؟”. ولكن لا يجب المبالغة في خصوصية ترامب. فإذا ما انتخب رئيس ديمقراطي سنة 2020، أعتقد انه سيواصل هذه السياسة إزاء الشرق الأدنى.

وفي رده عن سؤال بخصوص “صفقة القرن”، قال: إن هذه الخطة قد وضعت بالفعل موضع التنفيذ: نقل السفارة الأميركية إلى القدس، الجولان، المستوطنات، الأونروا، إغلاق الممثلية الفلسطينية في واشنطن، موقف مختلف إزاء اللاجئين، تقليص المساعدات للفلسطينيين، كل هذه العناصر تشكل جزءاً من الخطة من دون أن يعلن ذلك بوضوح. وتابع بأن ترامب قدم هذه الهدايا لإسرائيل لاعتبارات تتعلق بالسياسة الداخلية. فهو قدم هدية لنفسه، ولإرضاء الناخبين الإنجيليين واليهود. فترامب لا يمتلك له رؤية إيديولوجية؛ فهو قد يهتم في يوم ما بإيران، أو بإسرائيل أو بسوريا، ثم ينسى ذلك، وينقل اهتمامه بسرعة من موضوع إلى آخر، ودور المحيطين به مهم جداً. فهذا المحيط يذكّره بأن عليه أن يتحدث عن موضوع ما، أو يطبق سياسة ما، عندما لا يكون مهتماً بذلك.

ومهما يكن، فالقضية الإسرائيلية الفلسطينية بالنسبة لبعض أعضاء إدارته هي قضية إيديولوجية، فهم يرون ضرورة تغيير معايير حل هذا النزاع، كما هو الأمر مع السفير الأميركي في إسرائيل دافيد فريدمان –وصهر الرئيس جاريد كوشنر أيضاً- إذ هومقتنع بأن سبب الانسداد في هذا الملف هو أن العالم، وخصوصاً الغربي، غذى أوهام الفلسطينيين بحديثه عن 1967، واللاجئين، وحق العودة، وعدم شرعية المستوطنات، إلخ، وأقنعهم بأنهم ما زالوا أقوياء ولم يخسروا الحرب. وهو يطمح أن يخفض توقعات الفلسطينيين كي يتم حل هذا النزاع بطريقة مختلفة. هذه هي المقاربة الإيديولوجية لليمين الليكودي وللإدارة الأميركية.

وإذا ما تم عرض هذه الخطة، التي لن تكون حدثاً، ورفضها الفلسطينيون، سيقول أصحابها: لقد فعلنا أحسن ما يمكننا، وكنا على استعداد لتقديم مساعدة اقتصادية كبيرة للفلسطينيين، ولكنهم يريدون التمسك بأوهامهم وأحلامهم في الوقت الذي تضعف فيه إمكانياتهم!! ولا أعتقد ان الانتخابات الإسرائيلية القادمة ستغيّر شيئاً، فهي مهمة على صعيد السياسة الداخلية الإسرائيلية، وليس بشأن ملف هذا النزاع.

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها