aren

” في السودان ” \\ بقلم : د. حسن حميد
الأربعاء - 28 - فبراير - 2018

441

ها أنذا ،

أعود من السودان العزيز ، حزيناً موجعاً مبللاً بالأسئلة الحرون ، وقد كان لي وعليَّ ، أن أفرح بعد أن ظفرت بجائزة ، تحمل اسم الأديب الكبير والعالمي «الطيب صالح»، أشهر أسماء الروائيين العرب منذ النصف الثاني للقرن العشرين ، وإلى ما شاء الله من أزمنة قادمات، وصاحب مدونة سردية نافذة في حضورها أزمنة ونايفة في مقامها، وعالية في رتبتها.

كان عليَّ ولي ، أن أفرح لأن الجائزة مشدودة إلى هذا الاسم الكبير ، الذي غدا مجرد ذكره يعني التعريف بالسودان البلد الذي أحب ، وأهله الذين أعشق.

ولكني عدّت حزيناً ، لأن الجائزة في دورتها الثامنة ، لم تدور حول ما يحدث في فلسطين وجروح أهلها وأحلامهم ، كما لم تدور حول ما يحدث من حرائق في البلاد العربية من ليبيا إلى العراق واليمن وسورية، وهذا أمر موجع لأنه يعني أن موضوعات أخرى تقدمت على الموضوع الوطني والقومي، وأن موضوعات أخرى نحّت مدارات النبل بعيداً ، لتحلَّ في مكانها مدارات أخرى ، تعالج موضوعات أخرى أيضاً .

قلت ، وقد علمت أن سردي الذي يدور حول الجروح، والشهادة ، والظلموت الفاقع في حضوره الوحشي ، يحظى بالتقدير للمرة الأولى …

هذا عجيب ! وكيف ؟! أين هي حساسية الأدباء والكتّاب ، وأين هي شواغل الذات الأدبية ، التي لا يشغلها شاغل بعيداً عن الأولويات ، التي في طالعها أنهار الدم ، وخراب القرى والمدن، والتشريد والاقتلاع والتهجير، والموت قهراً وحرقاً وغرقاً وذبحاً بالسيوف والنصال ، وبكاء الأمهات العميم ، الذي صار أشبه برفوف الطير ، التي تحلق فوق المقابر ، التي اكتظت بالنبلاء الذين دافعوا عن معنى وجودهم في الحياة ؛ المقابر التي صارت أكثر سعة من القرى ؛ المقابر التي غدت أشبه بالحقول؛ أشبه بحقول عباد الشمس ، جمالاً ، رهبةً ، ومهابةً ..

لهذا أقول : كيف تزلّ موضوعات الشهادة والفداء والتضحية وطيّ الحياة من أجل كرامة الأوطان، والأرض مازالت محتلةً، وسيوف الأعداء وقنابلهم وطائراتهم ، وصواريخهم تفتك بالجسد العربي؟!

كيف يحدث مثل هذا ، وأعداد المشاركات الأدبية بهذه المسابقة التي بدأت عالميةً ، كبيرة ومخيفة في حضورها، وهل حقاً أن موضوعات الوطنية والعروبة غير حاضرة ، أم أن رغبوية أهل التحكيم ، هي التي حيّدت هذه الموضوعات وأقصتها ، لقناعات عملت عليها ، وأرادت تجسيدها ؟!

طبعاً، أنا لا أدري، ولا أعرف إلا ما هو معروف، لا أعرف طبيعة الموضوعات التي قدّمها أصحابها للمناددة داخل أحياز جائزة كبيرة ، تحمل اسم ” الطيب صالح” ، وجائزة مشمولة بالمعنى السوداني النبيل!

ولكن حدسي وعقلي في آن ، يقولان لي أن الأدباء والكتّاب ، لابدّ لهم أن يقفوا عند الحرائق ، التي أحرقت كل شيء حتى قلوب الأدباء والكتّاب أنفسهم !

وهؤلاء – أعني الأدباء والكتّاب –  يعرفون الأولويات ، مثلما يعرفون طبيعة الدوافع العضوية المعنية بالدفاع عن النفس في الملمات قبل حبّ الآخر والتودد إليه عاطفياً، والمعنية بكفّ لهب الحرائق وألسنتها الكاوية ، قبل التمادي في الكلام أو العتاب أو تبادل النظرات الشامتة، وقبل تفنيد أسباب الأذى والكراهية ، وقبل المضي إلى تضاعيف التاريخ ، لجلو ما فيها!

كيف يغيب موضوع حرائق بلاد العرب، ونبل اندفاعات أبنائهم من أجل الدفاع عن أرضهم وتاريخهم ومستقبلهم ، ناهيك عن دفاعهم عن حريتهم ، ورفضهم للاستعباد مرة أخرى؟!

هذا بالضبط ما جعلني أعود من السودان العزيز حزيناً ممروراً، وأنا الذي ظننت أن رعاية هذه الأولويات هي جوهر هذه الجائزة وهي رايتها الخفّاقة ، وإلا ما كنت لأرسل إليها عملاً من أعمالي المهمومة بالبعد الوطني والقومي، والمجبولة بدم الشهداء ودموع الأمهات، والجائلة في براري الجليل وحقوله، وبيارات الليمون والبرتقال، وحقول الدحنون، وضفاف طبريا، والناهضة في قمم جبالها، وسحر أوديتها، وذؤابات قصبها الراقص في جنبات الهواء العليل، والعلوق بالمخيمات وأحزان أهلها الولود يومياً مع كل صباح، وكلّ مساء من جهة، والعلوق بالمخيمات وأحلام أهلها الولود يومياً مع كل صباح، وكل مساء ترنيمات تلهج بالعودة الظافرة!

ـ 2 ـ

السودان ،

يا لهذا السودان الحبيب ، الذي ترى نبل أهله طيوراً تحوّم في رحابة السماء ، وتحطّ بين يديك وتماشيك في الشوارع، وعلى ضفاف النيل الراهج بالجمال الإلهي، والمحبات الضافيات!

السودان بلاد الطيبة، والصفاء، والحضارة، والبشر الذين نحتتهم روح الله كائنات للمودات التي لا تدانى، واللطف الذي لا تسوّره جدران، والتقدير الذي لا تراه في نظرات الآباء والأمهات والأجداد ؛ أنت في السودان، ولأنك في السودان، تشعر أنك أكثر من كائن، وأكثر من محبوب، وأبعد من أن يحيط بك شوق أو تضمّك ذراعان .

وهيهات.. إن ضمّتك ذراعان سودانيتان ، كيف لك أن تفتكَّ نفسك وروحك من النداوة السودانية ، من العبق الطالع من السودان مثل الشجر، البادي في الوجوه الأكف ، مثل الحناء الضاحكة!

السودان!

يا لهذا السودان … الناس والأمكنة والحب ، الذي يسيل مثل عسل أقراص الشمع من كل باب ونافذة ، وممر حتى ليصير نداءات تجول في اللهوات ، والوجوه من أجل التلاقي على المسرات / الحلم.

ويا لهذا السودان ، المحتشد بالرواء والصفاء الثقافي والإبداعي ، جمالاً يلوح في براري الله ، مثل أكف الصمغ في جذوع الأشجار رهجاً آسراً، ويا لهذا الحرص على ديمومة العطاء والبناء ، والمثاقفة مع الآخر من دون مداحمات ، أو أذيات!

ويا لهذا التواضع ، الذي يشيل بأبناء السودان أصحاب الصدور الجياشة بالعلم ، والعقول المناددة ، لأهم عقول الدنيا مساهرة، وجلواً، ومضايفات! ويا لهذه الطيبة ، التي هي صبغة السودانيين الإلهية ، هي هبة السماء الخاصة بالسودانيين وحدهم .

فأنت ، وفي أي لقاء مع أي سوداني أو سودانية.. أنت في كمين عاطفي ، يقول لك في البداية ، أو يشير إليك أن هذا (الزول) أو (الزولة) كائن عادي ، يريد أن يتعلم منك ، أو عادية تريد أن تتعلم منك ، ولكن حين تتلاقى الأفكار وتتصادى ، تصير من دون أن تدري المتعلم في حضرة السوداني أو السودانية..

تحسّ أن الواحد منهم ، مكتبة متربعة في صدره أو فوق كتفيه ، وهو يتحدث أو تتحدث ، وكأنهما يقرأان في كتاب.. تواريخ ، وعوالم حضارية ، ولغات ، وعلوم ، ونباهة سياسية ، وفطنة معرفية تشدّ باليدين على كل ما هو نفيس ، وسير للمدن ، والأعلام ، والأحداث ، والكتب ، والأفكار، والأساطير، والميثولوجيا… والحكايات المستلّة من ثقافة الماء، ومن عجائب الغابات والبراري !

أنت وطول وقتك مع السوداني ، تسافر في مركب جميل ، أنيق ، هادئ ، محتشد بالمحبة والدهشة.. ولهذا يغادر المرء السودان جسداً ، وقلبه علوق بأهله … أقمار الله على الأرض.

ـ 3 ـ

الطيب صالح ،

أي اسم هذا، الذي ما أن يغادر اللهوات ، حتى يرنّ مثل ليرات الذهب ، الأديب المتواضع إلى حد الذوبان أمام الآخر، فتأخذ به يد السماء علواً مرة تلو مرة.

الطيب صالح ، هو طيبٌ وصالح حقاً ، لا أحد مما عرفت في السودان ، إلا ويتحدث عنه ، بوصفه هبة ثانية لهذا السودان العظيم بعد الهبة الأولى النيل!

فهو المعلم بتعابير أهل التربية ، وهو المتصوف بتعابير أهل العرفان ، وهو الرائي بتعابير أهل السياسة، وهو المرآة التي قدّمت السودان على نحو يشبه تقديم الغدران لما يحيط بها من طبيعة وجمال ودروب، وما يسيجها من حكايات ، وأسرار!

الطيب صالح … نبتٌ سوداني ، يشبه النيل بحضوره ، الذي لا حضور من دونه ، وروح سودانية لا تعرف العلو وهي الجديرة به ، ولا الحديث عن النفس وهي الحفية به ، ولا المدائح ولا الزينات ، وهي المستحقة بالمديح والزينة.

عرفته ساعات لا أكثر، مواجهةً في مؤتمرين من مؤتمرات الرواية العربية ، التي عقدت في القاهرة، فالرجل جبل معرفة وثقافة ، ودنيا من الأخبار والأحداث والحكايات ، ومدونة هائلة في اختبار الناس، وشجر عالٍ من التواضع والهدأة ، وترك المرء في حضرته ، يصير مهراً للطراد في الحديث، والتفاخر، والزهو، والرضا عن النفس.. وهو صامت يقلّب محدثه ، لكي يحكي ويحكي ويحكي.. ، كيما يصير قمراً مربعاً، عندئذٍ يتحدث الطيب صالح، فيدرك المرء أن الحيرة أحاطت به ، وأتت عليه…

فهو في حضرة كاهن، وحكيم، وعارف، وعقل جوّال بانٍ، وروح تسيل عذوبتها ، مثلما يسيل الضوء من النهارات العزيزة، وهو في حضرة ساحر أدب، سارد.. في كل سطر من سطوره معاني الغنى، وجمالٌ يدفعه جمال.

أذكر أنني كنت في حضرته ، صامتاً كي أطير فرحاً بثقافته وجمال نبرته وهدوئه وطيبته ، وكي أعي كيف نظر إلى مدونات الكتاب والأدباء والشعراء المصريين ، الذين كانوا بالنسبة لأدباء السودان في مواضع التقدير العالي ، وكيف ومتى قرأ أدباء سورية وسائر البلدان العربية وبمن تأثر، ومن سرقه جمالياً.

بلى ، كان الطيب صالح في أحاديثه ، كائناً أشبه بالينابيع، وكنا حوله أشبه بمن التهم الملح ، فنشرب من دفقه الأدبي ، فلا نرتوي.

الآن ،

تتهادى المحبة ، مثل رفوف الطير … لتحط بي تعالقاً وجدانياً وأدبياً على أرض الراوي العالمي الطيب صالح ، الذي أراد أهل بلاده الكرام ، أن يجعلوا من ذكره ، كتاباً سنوياً تترادف عليه نصوص الأدب وأسماء لأسماء ، مثلما ترادف الأيدي اغترافاً من مكنونات النبل .

فقد قيّضت لي هذه المحبة ، أن أكون سطراً بين سطور وهّاجة ، أنارها ” الطيب صالح ” ، بإبداعه الخالد

Hasanhamid55@yahoo.com