aren

في الإستراتيجيا: صراع روسي- انكلوساكسوني \\ بقلم : د. عماد فوزي شعيبي
الإثنين - 5 - يوليو - 2021

الواقع ‏الدولي يتصاعد استفزازٍاً بين أمريكا وبريطانيا وروسيا أولاً، وأمريكا والصين ثانيا.

‏لكن البداية ، هي مع روسيا وذلك في محاولة لفك الترابط بين موسكو وبكين ، أو على الاقل تحييد روسيا في (المعركة) ‏المفتوحة في بحر الصين الجنوبي، والتي لم تبدأ مفاعيلها بعد ‏بشكل ظاهري

‏دخول مدمرات غربية بريطانية وأمريكية إلى البحر الأسود ومن مضيق البوسفور ، يوحي بأن هنالك صفقةً ‏تجري حاليا ، أو جرت بين أردوغان وبايدن ضد بوتين. ‏وهي تخالف إلى حد كبير اتفاقية “مونترو” بشأن نظام المضائق ، التي عُقدت في مونترو عام 1936 ، ومنحت تركيا السيطرة على مضيقي (البوسفور والدردنيل)، لتنظيم عبور السفن الحربية.

وتضمن حرية مرور السفن المدنية في وقت السلم، وتقيّد مرور السفن البحرية ، التي لا تنتمي إلى دول البحر الأسود، باختصار لاتسمح بدخول ‏السفن الحربية الغربية إلى تلك المنطقة.

‏الحدث الذي جرى في 23 حزيران\يونيو بدخول المدمرة البريطانية إلى قرب سواحل القرم ، كان استفزازاً واضحا ، وقد كان ظاهريا بمثابة رفض غربي لضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا. ‏لكن واقع الأمر أنه كان بمثابة رسالة استفزاز أمريكية بريطانية معا ، للضغط على موسكو بسبب علاقتها الاستراتيجية مع الصين؛ حيث يود بايدن من موسكو ، ‏فك الترابط سابق الذكر ، لمحاصرة الصين في بحر الصين الجنوبي منفردةً بدون دعم ‏قوة كبيرة كالاتحاد الروسي. ‏وهذا ما حاوله الرئيس السابق (ترمب)، وما يحاوله الرئيس الحالي (بايدن)، والدولة العميقة الأمريكية بأدوات عملية أكثر. ‏فدخول المدمرة البريطانية قد ترافق مع تحليق لطائرات الاستطلاع الأمريكية ، مايؤكد التنسيق.

‏الغريب في الأمر، أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد من موسكو ما لا يمكن أن تطيقه؛ فالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية بين روسيا والصين ، أكبر من أن يتم التخلي عنها تحت واقع الضغط..

موسكو بدورها استجابت ‏لتحدّي مجالها الحيوي، فقد أصدر الرئيس بوتين ، مرسوماً رئاسيًا في 1 تموز/ يوليو ، سمح به للجيش الروسي بإغلاق الأراضي والمياه المحيطة بالمناطق التي تعتبر مجالاً حيويًا ، تم اختراقه استفزازيّاً ، بحيث يحمي مياه مضيق (كيرتش)، والجسر فوقه ، والمنطقة المائية المحيطة بشبكة الكهرباء الروسية ، التي تربط شبه جزيرة القرم.

و يوفر المرسوم، الأساس القانوني للقوات المسلحة الروسية ، لتطويق هذه المناطق أثناء محاولات “العبور والتسلل غير القانونيين” إلى منطقة المياه المحيطة ، ومحاولات الخروج منها. 

‏إن هذا الإجراء ، هو رسالة للرد على الاستفزاز او على الاقل لكبح محاولات قادمة. فوجود أساس قانوني من المفترض أن تستجيب له الدول الأخرى ، وبطبيعة الأحوال لا نعتقد بأن ‏الدول العظمى ، تذهب إلى مواجهات فعلية ، وإلا لكانت موسكو قد ردت على دخول المدمرة البريطانية ،“المياه الإقليمية الروسية” في البحر الأسود، ‏بشكل عدواني، لكنها آثرت تطويق الموقف برسم دائرة استراتيجية ، لمنع تكرار الاستفزاز.

وهكذا ، فقد سيطرت روسيا بحكم الأمر الواقع الجديد، بالمرسوم الأخير، على مضيق “كيرتش”، وبموجب المرسوم الرئاسي ، ستسيطر موسكو من الآن فصاعدًا على كل مداخل بحر (آزوف)، ‏وهذا تصعيد (قانوني) ، ‏يهدف إلى منع احتمالات قادمة ، ‏وهكذا يلعب الكبار

وبموجب ماسبق ، فقد خُلقت نقطة اشتعال جديدة، بتحول شريان الحياة الاقتصادي لـ(ماريوبول)، وهي مدينة ميناء صناعي أوكراني مهم ، تقع على شاطئ بحر آزوف، إلى نقطة الاختناق في الصراع الدائر حالياً ، كما يلاحظ (بهداركومار).فبعد سيطرة روسيا على مضيق كيرتش ، فإن (أوكرانيا) المدعومة من الغرب في لُجّة الصراع ، تجد ميناءها سابق الذكر، وهو ذو أهمية حاسمة لتصدير الحبوب والصلب من أوكرانيا، أمام حقائق جديدة.

والغرب أمام رد الفعل الروسي “غير المتماثل” في ملف مجاله الحيوي وفي ملف أوكرانيا ، لابد أنه سيبحث عن ردود … وهكذا دواليك في صراع ، أشبه بصراعات الحرب الباردة ، أو تزيد.

‏‏ساحة مجلس الأمن ، هي الساحة الأولى في هذا النزال بخصوص المعابر ، ولابد أن نرى سجالات. والأغلب أن تكون هنالك مقاسمة إرادات، فالامريكي قد لا يعتبرها قضيته الأم ، والروسي لديه الفرصة لتعديلات بالإشراف من دول “أستانا” مع الدولة السورية على التوزيع، (وهذا سيعني أن تركيا لم تذهب بعيدًا مع واشنطن)، وربما تكون هنالك مقترحات أخرى.

ماذا ‏عن الدور التركي؟

هل هنالك تغيرات استراتيجية في الموقف التركي من روسيا ، فالأمر بالنسبة لي : ان أردوغان يقع بين حديّ الشفرة؛ فمصالحه في الغاز ، مرتبطه مع روسيا، وفي قطاعات اقتصادية ، بل واستراتيجية أخرى مهمة، لكنه يريد إنقاذ راسه من وضعه تحت المقصلة الامريكية.

‏وفي تقديرينا ، انه لم يتخذ قرارا بالانحياز إلى الولايات المتحدة الأمريكية بشكل كامل، و إلا فإنه سيكون كمن يطلق النار على قدميه الاستراتيجية، ‏وسيكون الرد الروسي الاقتصادي ، أصعب استراتيجياً من الرد الأمريكي الحالي على العملة التركية.

‏فتركيا لا تستطيع اليوم ، أن تنحاز إلى أيٍّ من الطرفين بشكل كامل ، أو هكذا يقول المنطق ، ‏فهي (تسرب!) الأمريكيين والبريطانيين إلى البحر الأسود، وبنفس الوقت تبقي الجسور مفتوحة مع موسكو. أو هكذا يبدو حتى الآن.  إلاّ ‏إذا تبين أن (أنقرة)، ‏قد ارتكبت الخطيئة الاستراتيجية بالذهاب بعيدا مع الولايات المتحدة الأمريكية ضد موسكو ، فإن ساحات التوافق ، ستتحول إلى ساحات النزال.

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها