aren

فيروز لبنان الجريحة! \\ بقلم : مفيد فوزي
الأحد - 5 - ديسمبر - 2021

أكاد أتصور صوتك الخافت الحزين ، وأتصور عينيك بلا بريق. أكاد أشعر بإحباطك وعذاباتك من أجل لبنان الجريح. منذ كان ماكرون فرنسا يأتى إلى بيروت ، ويقصدك حيث تقيمين فى جبل أنطلياس ببيروت، كان التفاؤل بالحل كبيرًا، ثم صار التفاؤل سرابًا، أكاد أفهم أحزانك الهائلة لما أصاب وطنك من ترهل وضمور ولا أعرف سيدتى.. لـ«وين لبنان»؟!.

ولست- فى يوم ميلادك- شاعرًا أهديك قصيدة، ولا بياع خواتم يزين إصبعك بخاتم. ما أنا إلا كاتب صديق يملك حروفًا، وكلماتى هى ورودى التى لا تذبل. ما أنا إلا درويش من دراويش محبيكِ يسبح فى أطياف صوتكِ. أنت ربيع الحياة وكل الفصول وتحبك كل الأديان، يا أجمل قيثارة بشرية.

لو فتحت نافذتك سترين مهرجان عصافير سابحة في المدى الأزرق تحتفل على طريقتها بيوم ميلادك. تمنيت لو أسمع صوتك ذلك النهار لكن موبايلك مغلق، وهكذا ذبحت التكنولوجيا.. لهفتي!. قررت أن أكتب خطابًا علنيًا لكِ فهل تشي كلماتي بشوقي الكبير باتساع الأفق؟.

لا أعرف طبيعة أيامك منذ صحت بيروت على الانفجار الهائل. لم يكن انفجارًا بفعل مواد حارقة، ولكنه كان انفجارًا بفعل الطائفية وأطماع أخرى. دمر الانفجار بيروت ودمر المصاريف فى المصارف، والليرة ما عاد لها قيمة. أعرف تلك اللوعة التى طالتكِ، وأعرف النار التى نشبت فى صدرك، والصداع الذى يدوى فى رأسك. أعرف سر صمتك وعزوفك عن الطعام. أعرف البيت المشتعل بهجة وقد سكنته أسراب الغربان. أعرف جلستك بجوار نافذة مغلقة في صالون بيتك. وقد سئمتِ الأخبار والصحف والتليفزيون والراديو، وجاءت الكورونا عابرة القارات فلم يعد للحياة جدوى. أنت يا سيدتى أرقّ منشور عاطفي يحمل شارة الحداد.

أنت حزب الأغلبية في الذوق، أنت التي تروجين لثقافة الجمال، وصوتك يهتف بسقوط الذوق المنحط. وجودك بيننا يعتذر عن ضجيج التفاهات وعن رداءة التلقي، فأنت ترنيمة حب وترتيلة سلام، أنت التحضر والرمز، كنت أظن أن صوتك يمحو الخلافات والمعارك، ونبرتك تقتل الحسد والغيرة والأحقاد. لكن قدر بلادك لم يكن كذلك، وبات الناس يقولون: الكل فاسد! هل صحيح، الكل فاسد؟!.

صوتك سيدتي، يبدد كآبتي، وأنت- رغم يوم ميلادك- تحيط بك الكآبة من كل جانب، لا تندهشي إذا قلت لك أنت عطر الوجود ونحن الفيروزيين نحبك بعمق نهر واتساع صحراء وعذوبة ينابيع زحلة. حبيبتي من برج العقرب، من نفس ذات البرج الكوني الذي تنتمين إليه، كبرياء بطول مسلة، وقلب بعمر طفل، وحساسية ميزان الذهب، أنت كذلك ست نهاد حداد كما يناديك المقربون إليك.

تذكرين ست نهاد ، اني قلت لك إن أم كلثوم تروّج للشعر، لما انفتحت السيرة، وقلت لك إني أحب أم كلثوم القصائد، وإنها تعبث بمشاعرى وتقلب دفتر أيامي!.

مضى عام من عمرك- يا أيقونة الغناء- يا رئيسة أكبر أحزاب الدنيا ذوقًا، مضى عام من عمرك يا شجرة الأرز، والعمر المديد لك يا واهبة السعادة، يا سبيكة المشاعر، يا غنيوة على شفتى، أقول للزمن- كما قال شاعر قديم- أيها الزمن قف فى طيرانك، كف أيها النهر عن الجريان. لا تزحف على الفيروزة. غدًا تضىء بيروت بعد ظلام، وتذهب الطائفية ويندحر الفساد ويعود لبنان الجريح إلى عافيته، وتذهب ابتسامتك الشاحبة وتعود ضحكتك المجلجلة، وتدق البهجة على بابك في جبل أنطلياس.

غدًا، قد يحدث هذا، فالسياسة قمم ومنحدرات، تأملي حالنا- نحن المصريين- كيف وقعنا تحت سيطرة الجماعة. كان يحكمنا المرشد. تأملي شهور الخراب التي عشناها. تأملى الضابط الجسور الذي قال للمرشد والجماعة: قف. تأملي حال المصريين لو استمر حكم المرشد العام، لعام آخر، تأملي لو لم يظهر في كف الزمن هذا الضابط الذي جاء بإشارة من السماء لمصر السيسي.

وعندي يقين..

نعم، عندي يقين، سيصحو لبنان ذات صباح على حكومة ربما بوجوه جديدة تعزف «النغم السياسي» الحقيقي، وتسترد الليرة قيمتها، وتصبح الطائفية شبحا ولّى!.

في عيد ميلادك.. أتشبث بالأمل، فكم من بلدان انتكست ثم تبدلت.

نعم سيدتي نهاد حداد. أتحرش بالأمل، ليعود لبنان كما كان، وتغني في بعلبك.

يعطيك الله العمر والعافية، أنت وأم كلثوم قمتان من عجائب الزمن: أم كلثوم ضيفة أذنى في ليالى السهر والوجع، أما أنت فصديقة الفجر والضحى وساعة العصارى.

أنا الآن في «بنوار» الحياة، أحيا على ونسك الجميل. وأتمنى أن تختفي الآهة الحزينة على لبنان. أتمنى أن يضىء بيتك ونذهب إلى جبل أنطلياس، لنراك. لي ذكريات حميمة في بيروت.

يوم جئت إحدى مسرحياتك وصرخت من حلاوة الأداء يوم تناولنا العشاء: نزار قباني وبلقيس وغادة السمان والراحلة آمال العمدة. يوم زرت حريصا كما تعودت. يوم جئنا لك أنا وحنان مفيد الصحفية في زمن سناء البيسي.

ذكريات منقوشة على شرايين قلبي.

ويمضي عام من عمرك المديد، فيروز التي «تكحل» صوتها بألحان عبدالوهاب، وتعمد بألحان الرحبانية، وظهرت ممثلة بإخراج يوسف شاهين … وغنيتِ لمصر.