aren

فواز حداد : ” دمشق … مصابي الجميل “
الأربعاء - 23 - مايو - 2018

 دمشق القدسيمة

“دمشق”

هنا ، قطعة وجدانية فنية عن مدينة ” دمشق” ، من (نص ادبي) أكبر للروائي السوري “الدمشقي” المعروف \ فواز حداد \

في الكتابة عن دمشق ، قد يخدعنا الياسمين الدمشقي ، استثمره الشعر من قبل بكفاءة في التغزل بها ، فلم يغفل عن عذب مائها وعليل هوائها، لكن متى كان الشعر يجاري الواقع؟ لهذا جار بجاذبية أكاذيبه على دمشق ، لن يبرز اليوم حقيقتها بقدر ما سيصدّر عنها صورة زائفة .. مصداقا على أن أكذب الشعر، أجمله، الا في حال كنا نتكلم عن دمشق أيام زارها أمير الشعراء أحمد شوقي :

دَخَلتُكِ وَالأَصيلُ لَهُ اِئتِلاقٌ

وَوَجهُكِ ضاحِكُ القَسَماتِ طَلقُ

وَتَحتَ جِنانِكِ الأَنهارُ تَجري

وَمِلءُ رُباكِ أَوراقٌ وَوُرْقُ

… فلنكتب عن دمشق الأمس التي كانت ، وإن بدا الكلام عنها أشبه بالحديث عن مدينة افتراضية لم يعد لها أثر الا في الذاكرة. لا يمكن استعادتها بسهولة، الدخان يحجبها ، وآلاف الضحايا تبعدها.

دمشق مدينة محيرة للذي يريد أن يتحير، تبدو متحفظة، لديها أسرارها التي لا تبوح بها . بينما للذين يأتون إليها، ويقيمون فيها ويألفونها، سرعان ما ينتمون إليها، ويحافظون عليها، تمنحهم خصوصياتها بسهولة، وتصبح مدينتهم الودودة المنفتحة. فضيلة تعزى الى البشر قبل الحجر.

أما في نظر الغزاة، فمدينة مستباحة. لذلك ليس من الغريب أن تبدو مذعورة، وهذا ليس وليد العقود السابقة فقط، بل ما سبقها من قرون أيضاً، وإذا كانت قد أتقنت التخفي، فلأنها ابتليت بالفاتحين الدمويين القساة. فاعتصمت وراء أسوار من التمويه، يبدو في أسلوب بناء حاراتها وبيوتها.

فللحارة باب ضخم يوصد بالترباس والاقفال ، ينفتح على أزقة وزواريب ودخلات ضيقة ومتداخلة. كل حارة عبارة عن جزيرة صغيرة ، تتصل بالجزر الأخرى نهاراً وتنغلق على سكانها ليلاً . كما للبيت الدمشقي معالمه الشامية :

الباب الذي لا يوحي بما خلفه، الدهليز بعتمته الخفيفة ، المؤدي إلى باحة الدار الطافحة بالنور، تتوسطها البحرة بنوافيرها المشرئبة تزهو بتناثر ألق الماء تحت أشعة الشمس ، حول الباحة جنة الأزهار والورود وأحواض العرائش والأشجار المثمرة. ثم الليوان، تؤطر جداره الزخارف الملونة. القسم التحتاني من البيت يضم؛ القاعة والصاليا، المطبخ، ثم الدرج المؤدي إلى الفوقاني؛ غرف النوم، الفرنكة، ومن ثم السطح . عدا ما يحتويه من دخلجات مثل، الداكونة، بيت المونة، الليوك، الخص.. في كل زاوية ذكرى أو ذكريات، تختزن ما لا يبتذل ولا يباح به.

ومن أكثر مظاهر التقاليد الدينية، مواظبة سماع خطبة الجمعة، وحضور صلاة العيدين صباحاً، تعقبها زيارة المقابر بعد الخروج من المساجد، يحمل الأولاد برفقة آبائهم الآس والنخيل، ويقرأون على أرواح أموات العائلة سورة «يس»، تليها طوال أيام العيد معايدات الأقرباء والأهالي. توارى هذا التقليد، فأمواتهم الجدد ما بين شهيد في الجبهات ، وقتلى الخطأ، لم تسمح حتى بمواراتهم التراب، ودفنت جثثهم في مقابر جماعية أو أحرقت.

لا يصح الحديث عن دمشق دونما التذكير بموقعها في المنطقة، لم يطلق عليها «قلب العروبة النابض» عبثاً، أخذت على عاتقها قضايا العرب في النهوض القومي، خاضت معاركها الكبرى؛ البرجوازية والاشتراكية، تحرر المرأة، التطلع الى الديموقراطية، القديم والجديد، الوحدة العربية، وشعلة اليسار، الصراع بين العسكر والأحزاب، وانكسار الأحلام.

تحت تأثير هذه التحولات، لجأ اليها مناضلون تعرضوا الى ملاحقات في أوطانهم الأصلية ، واعتبروها مدينتهم ، وهناك من جاءها لأسباب تجارية ، وربما دينية.

استقبلت دمشق أيضاً رجالات السياسة والعلم والأدب، من المدن والأرياف السورية والساحل. كانوا رسل الفكر والخلق الكريم، رموز الحركات القومية والعلمية والثقافية ، مثل : بدوي الجبل ، عبدالسلام العجيلي، صدقي إسماعيل، وحنا مينة، أنطون مقدسي، محمد الماغوط.. حلوا فيها ، وقدموا لسوريا أفضل ما لديهم ، أحبوا دمشق ودافعوا عنها وشاركوها مصائرها ، لعبوا أدواراً عظيمة الشأن ، ثقافية وإنسانية واجتماعية، وصنعوا أمجادها الحقيقية.

صادف أنني كنت دمشقياً، وإذا كنت اعتززت بدمشقيتي، فلأن لا مدينة لي غيرها، كانت دائماً قدري الجليل ، ومصابي الجميل الذي لا راد له ، ولا أرغب في الخلاص منه. وربما كنت شاهد عيان على ما كانت، وما أصبحت.

أسواق دمشق التاريخية الشهيرة والمتواضعة؛ «الحميدية» و«البزورية» و«الحريقة» و«تفضلي ياست».. تقاليدها محفوظة لدى النسوة الشاميات، ينزلن ليشترين لوازمهن في جولة تطول من الصباح الى الظهر، تخفف عنهن عناء مشاغل البيت والزوج والأولاد ، مشوار عزيز على النفس ، أشبه بنزهة ، يبرعن في المساومة ، قد يشترين أو لا يشترين ، تختتم بتناول البوظة في محل «بكداش».

وكما للنساء مجالسهن في الصبحيات تعقد بين يوم وآخر، وفق موعد محدد لكل بيت. للرجال أيضاً مجالسهم في المقاهي ؛ «علي باشا» في ساحة المرجة للقادمين من الأرياف ، قهوة «الديرية» في طلعة جوزة الحدباء، «البرازيل» و«الهافانا» في شارع الفردوس للسياسيين والأدباء ورجالات الأحزاب. «الروضة» في شارع العابد للموظفين والمتقاعدين.