aren

فلسفة طظ \\ كتابة : د. أيمن الجندي
الجمعة - 3 - نوفمبر - 2017

 

 

من أعمق الشخصيات الروائية شخصية محجوب عبدالدايم التى رسمها نجيب محفوظ فى روايته «القاهرة الجديدة». حقق فيها المعادلة المستحيلة: وغد يعلم أنه وغد، ويفخر بأنه وغد، ويصنع من سفالته فلسفة كاملة!.

■ ■ ■

طويل القامة، مفلفل الشعر، جاحظ العينين، شعاره الدائم طظ: طظ للمبادئ، للدين، للعلم، للأخلاق. بالنسبة له «طظ» ليست شعارا يُرفع بل مثل أعلى يُتبع.

نشأ فى الشارع مع أقران له ينطلقون بلا وازع فسبّ واعتدى واعتُدى عليه وتردى إلى الهاوية، فلما انتقل إلى المدرسة أخذ يدرك أنه كان يحيا حياة قذرة ورأى حوله شبانا مهذبين يطمحون إلى المثل العليا. لكنه عثر على موضة الإلحاد فسر بها سرورا شيطانيا. لقد كان ساقطا فصار فيلسوفا!.

ومنذ اللحظة الأولى أدرك أن مبادئه سرية لا يجوز الإعلان عنها– لا احتراما للرأى العام فإن من مبادئه احتقار كل شىء– ولكن لأنها لا تؤتى أكلها إلا إذا كفر الناس بها وآمن بها وحده. وإلا فكيف يتميز بينهم؟

وبالفعل عندما سقط والده مشلولا ولم يعد قادرا على معاونته ماليا فى دراسته الجامعية وطحنه الجوع طحنا، فإنه حين عُرض عليه أن يتزوج عشيقة البك الكبير متغاضيا عن زيارته الأسبوعية (وكلنا شاهدنا الفيلم) فإنه لم يتردد! عفة؟ كرامة؟ شعور بالإهانة؟ إن الحياة تنبرى لامتحان فلسفته لتثبت إن كانت سفسطة وجدلا أم عقيدة وعملا؟ التردد معناه أنه لا يزال غير أهل لفلسفته الجسور.

■ ■ ■

لكن الأمر لم يسر على هذا الأساس النظرى. فالعقل لا ينفرد بتوجيه شعورنا. فثمة الشعور، وهناك الغيرة الطبيعية التى يستشعرها حتى ذكور الحيوانات صوب إناثهم. حينما أزف موعد البك الكبير وغادر البيت فى عجلة ليتيح له خلوة آمنة حاول أن يقول «طظ» من قلبه لكنه لم يستطع. نفثت الغيرة سمها القتال، وراح يدور فى الشوارع على غير هدى ويتساءل: أمسرورة هى بهذا اللقاء؟ شرب بشراهة لا عهد له بها. وراح يسأل نفسه: أغضب حقا لعرضه؟ وما عرضه؟ ألم يتحرر من هذه الأغلال جميعا؟

■ ■ ■

امتحان آخر تعرضت له فلسفته العجيبة. والداه المعدمان اللذان ينتظران نصيبيهما من راتبه بعد أن صار لا مأوى لهما ولا طعام. وتولاه الغضب من نفسه حينما لم يفلح فى طرد صورتهما عن مخيلته. ما البنوة؟ أليست عادة سخيفة يكفر بها كما كفر بأخوات لها من قبل؟ لماذا يعيشان وما فائدتهما فى الحياة؟ ولماذا لا يموتان فيستريحان ويريحان؟ البر بالوالدين شر إذا عاق سعادة الابن. ولكن إذا كان الأمر كذلك فلماذا يشعر بكل هذا القلق والتمزق؟ كيف يطرد سحائب الوحشة من صدره؟ لقد ظفر بالكثير بفضل تلك الحكمة الغالية «طظ» فلا يجوز أن يفرط فى كنز من كنوزه الغالية.

■ ■ ■

لا يعنينا فى هذا المقام استقصاء أحداث الرواية، ولا كيف انقلبت الأمور رأسا على عقب بعد ذلك بوشاية من منافس له فى العقيدة النفعية (ولكل داء آفة له من جنسه). المهم أنه فى أحلك الظروف- بعد فضيحته وعزله ونقله- لم يتنازل عن فلسفته أو يشعر بما يسمونه ندما أو ضميرا، كل ما فى الأمر أنه حظ غير مواتٍ.

■ ■ ■

فلسفة عجيبة شيطانية. لكن إذا شئتم الصراحة فقد كان محجوب عبدالدايم أكثر صدقا مع نفسه من معظم الناس، ومن ضمنهم أنا وأنتم.

“المصري” اليوم