aren

فقأوا عين الفيحاء ………. نبيل سالم
الجمعة - 13 - يناير - 2017

مؤلم ما يجري في سوريا، حيث يدفع المدنيون أرواحهم في صراعات مسلحة، على خلفية صراعات سياسية، ومصلحية أحياناً، ورغم أن هناك الكثير من الجرائم التي ارتكبت بحق سوريا، والشعب العربي السوري، سواء من هذا الطرف أوذاك، والتي ترقى إلى حد اعتبارها جرائم ضد الإنسانية، كحصار المدن، أو الاختطاف، والتعذيب، والقتل خارج إطار القانون، إلا أنه حري بنا أن نتوقف أيضاً عند الجرائم التي ارتكبت، وترتكب، بحق التاريخ العريق لهذا البلد العربي وشعبه، والتي تمثلت في استهداف تنظيم «داعش» الإرهابي للآثار التاريخية القديمة، التي تحكي قصة وتاريخ الحضارة التي شهدتها سوريا، والتي تعد كنزاً تاريخياً بكل ما في الكلمة من معنى.

فتدمير آثار تدمر وهي مملكة قديمة، وإحدى أهم المدن الأثرية عالمياً والتي كانت عاصمة مملكة تدمر والمعروفة حالياً في سوريا باسم «عروس الصحراء»، والتي ورد اسمها في المخطوطات البابلية القديمة، ونافست روما ذات يوم، إن دل على شيء فإنما يدل على عقلية متحجرة، لا تعادي البشر فقط، وإنما تناصب التاريخ العداء أيضاً، بل والحضارة الإنسانية كلها، حيث صنفت منظمة «اليونيسكو» تدمر كموقع للتراث العالمي في عام 1980.

وما يقال في تدمير الآثار في سوريا على يد هؤلاء المجرمين الإرهابيين من «داعش» وأخواته، يقال عن الجرائم التي ارتكبت وترتكب في العراق، ضد المواقع التاريخية العريقة، التي تعد إرثاً حضارياً ليس للمنطقة فقط، وإنما للعالم كله.

ومع أن الحديث عن تدمير الآثار في هذين البلدين العربيين، حديث طويل ذو شجون، لا تكفيه هذه السطور، فإن ما يستوقفنا الآن هو جريمة جديدة، لا تقل خطورة عن تدمير الآثار، ألا وهي جريمة استهداف نبع الفيجة قرب العاصمة السورية دمشق، لأن استهداف هذا النبع بما يحمله من معان تاريخية، وإنسانية يعد جريمة بحق الإنسانية، يجب معاقبة مرتكبيها، أياً كان موقعهم، بغض النظر عن الجدل الذي أثير حول هوية الجهة التي استهدفت هذا المعلم العريق، الذي يروي تاريخ الفيحاء، مثلما يروي سكانها أيضاً على مدى قرون من الزمن.

ولكننا، وقبل الإمعان في الحديث عن هذه الجريمة الكبرى، حري بنا أن نتوقف أولاً عند تعريف نبع الفيجة، وتاريخه، ليعرف العالم أي جريمة تلك التي أقدم عليها أعداء الحضارة والإنسانية، فنبع بردى كما يسميه البعض، يغذي دمشق وغوطتها منذ أقدم العصور ،وهو عبارة عن نبعين هما نبع الفيجة، ونبع بردى.

ويقع نهر بردى على بعد أربعين كيلو متراً من دمشق، ويتجه في مساره من الغرب إلى الشرق، ويبلغ طوله من منبعه حتى مصبه خمسة وستين كيلو متراً، حيث يعبر سهل الزبداني إلى أن يمر بواد يسمى باسمه حيث ينضم إليه عند قرية الفيجة الذي يبلغ وسطي تصريفه السنوي مئتين وخمسين مليون متر مكعب، ويصل تصريفه اليومي الأعظم في سني العطاء إلى نحو مليونين ونصف المليون متر مكعب.

ويتتفرع عن نهر بردى ست أقنية هو سابعها تتجه جميعها نحو الغوطة قبل أن يصب في بحيرة العتيبة.

وعرف الأقدمون أهمية نبع الفيجة ومواصفات مياهه وعذوبتها، حتى إن القدماء اتخذوه مكاناً للعبادة بدليل وجود معبد روماني قديم بالقرب منه، فضلاً عن أهميته الاقتصادية باعتباره شريان الحياة في المنطقة، حتى أن مياهه كانت تجر في زمن الرومان إلى سهول الضمير إلى الشمال الشرقي من دمشق.

وبردى ذلك النهر العظيم يروي في الواقع تاريخ حضارات الشعوب التي مرت على هذه المنطقة، وتحديداً دمشق الفيحاء أقدم مدينة في التاريخ.

والحديث عن بردى ونبع عين الفيجة ممتع وذو شجون، لاسيما لمن عرف دمشق، وعاش فيها، وشرب من مائها، وجذبه سحرها.. وأصبح عاشقاً لها، كما قال ذو القرنين أبي المطاع بن حمدان: سقى الله أرض الغوطتين وأهلهـا فلي بجنوب الغوطتـين شـجـون، وما ذقت طعم الماء إلا استخفنـي.. إلى بردى والنـيربـين حـنـين. أما الشاعر الكبير: سعيد عقل فقد قال: سائليني حين عطرت السلام كيف غار الورد واعتل الخزام، وأنا لو رحت أسترضي الشذا لانثنى لبنان عطراً يا شآم.

حديث طويل ذو شجون يمكن أن يقال ونحن نشهد هذه الجرائم الفظيعة بحق بلادنا العربية وشعوبها، لكن ما يجب التذكير به دائماً، أن مرتكبي هذه الجرائم يجب أن يحاسبوا، أياً كان موقعهم، لأن ما أقدموا عليه ليس جريمة بحق المنطقة وأهلها وإنما بحق الإنسانية كلها، وأن من فقأ عين الفيحاء، يجب أن تفقأ عينه، أياً كان موقعه، وأياً كانت هويته.

الخليج الاماراتية