aren

فضيحة الديمقراطية في تركيا \\ كتابة : د. محمد نور الدين
السبت - 24 - أغسطس - 2019

 

الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عندما كان رئيساً للحكومة، كان يردد أن الصراع مع الخصوم يكون في صندوق الاقتراع. وكان يقول: «يجب احترام المهل الدستورية» عندما كانت المعارضة تطالب مثلاً بإجراء انتخابات نيابية مبكرة، داعياً إلى التعود على التخلي عن المطالبة بانتخابات مبكرة هنا، أو هناك.

لكن أردوغان لم يثبت على تعهداته. فعندما كانت مصلحة حزب العدالة والتنمية الذي يترأسه تقضي باحترام المهل كان يلتزم بها، وعندما انهزم حزب العدالة والتنمية في انتخابات 7 يونيو/ حزيران 2015 بادر فوراً إلى تعطيل نتائج الانتخابات والدعوة إلى انتخابات مبكرة جداً بعد خمسة أشهر فقط، ليعود الحزب بعدها إلى السلطة. وفي 23 يونيو/ حزيران 2018 جرت انتخابات مبكرة أيضاً رئاسية ونيابية، ليتم انتخابه رئيساً بموجب التعديلات الدستورية التي أقرت قبل سنة من ذلك.

ولم تقتصر عملية تطويع العملية الديمقراطية على صندوق الاقتراع، فيوم الاثنين الماضي كانت تركيا على موعد لا مثيل له في تاريخ تركيا الحديث، وهو إقالة ثلاثة من رؤساء بلديات كبرى هي ديار بكر، وماردين، وفان، بعد أربعة أشهر فقط من انتخابهم ديمقراطيا في 31 مارس/ آذار الماضي، وتعيين آخرين بدلاً منهم، وهذه ليست المرة الأولى.

وفي 30 مارس/ آذار 2014 انتخبت النائبة الكردية غولتان قيشاناق رئيسة لبلدية ديار بكر. وفي الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 أقيلت قيشاناق من منصبها بتهمة التعاون مع منظمة إرهابية مسلحة، أي حزب العمال الكردستاني. وعينت الحكومة بدلاً منها جمالي آتيللا من حزب العدالة والتنمية. واستمر آتيللا في منصبه 881 يوماً إلى أن خسر في الانتخابات البلدية التي جرت في نهاية مارس/ آذار الماضي، وفاز بها عدنان سلجوق مزراقلي من حزب الشعوب الديمقراطي الكردي وبأغلبية ساحقة، فالمدينة معقل للحزب الكردي. واستمر مزراقلي 141 يوماً في منصبه ليقال يوم الاثنين الماضي ويكلف محافظ ديار بكر حسن بصري غوزيل أوغلو بتسيير شؤون البلدية الكبرى.

وفي مدينة فان فاز عام 2014 بكير قايا من حزب الشعوب الديمقراطي الكردي واستمر حتى 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 حين أقيل بسبب التهمة نفسها، التعاون مع منظمة إرهابية مسلحة. وتم تعيين محافظ فان إبراهيم طاش يابان بدلاً منه. واستمر في الموقع 864 يوماً إلى انهزم في الانتخابات البلدية الأخيرة، وفازت بديعة أوزغوكتشيه إرتان من حزب الشعوب الديمقراطي الكردي. لكن إرتان أقيلت يوم الاثنين الماضي وكُلف بدلاً منها محمد أمين بيلماز بإدارة شؤون البلدية.

وفي ماردين كان النائب والشخصية الكردية المعروفة أحمد تورك قد فاز برئاسة بلديتها في انتخابات 2014 حتى أقيل منها في 17 تشرين الثاني 2016، وعين بدلا منه محافظ فان حينها مصطفى يمان الذي استمر 864 يوماً في موقعه. لكن احمد تورك عاد وفاز برئاسة البلدية في انتخاباتمارس الماضي إلى أن أقيل منها الاثنين الماضي. وللمرة الثانية يكلف محافظ فان مصطفى يمان بإدارة البلدية.

في انتخابات مارس الماضي نال مزراقلي نحو 63 في المئة من الأصوات في ديار بكر، ونال أحمد تورك 57 في المئة من أصوات ماردين، ونالت إرتان 54 في المئة في فان. أي أن الثلاثة انتصروا بفارق واسع على خصومهم. ومع ذلك كان القرار إقالتهم. وبدلاً من إجراء انتخابات جديدة ولا يزالون في بداية الولاية، فقد تقرر تسيير البلديات هذه بالتعيين فيما يفترض أن يكون رؤساؤها بالانتخاب.

علماً بأن اتهامهم بالإرهاب المسلح معزوفة قديمة تم تعميمها حتى على النواب المنتخبين، حيث يقبع في السجن العديد من نواب الحزب الكردي، وعلى رأسهم رئيسه صلاح الدين ديميرطاش. ومن لم يدخل السجن بتهمة الانتماء لجماعة فتح الله جولين يدخله بتهمة التعاون مع حزب العمال الكردستاني. ومن لم يدخله بتهمة تحقير الرئاسة والوطن يجري العمل على محاولة التخلص منه برفض الاعتراف بنتائج الانتخابات وإعادتها كما حصل مع مرشح حزب الشعب الجمهوري لرئاسة بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو الذي فاز في انتخابات 31 مارس الماضي بفارق 13 ألف صوت على مرشح حزب العدالة والتنمية بن علي يلديريم. لكن أردوغان تدخل لدى اللجنة العليا للانتخابات التي أبطلت الانتخابات وأعادتها في 23 يونيو الماضي. لكن النتيجة كانت صاعقة حين خسر يلديريم لكن بفارق ضخم وصل إلى ثمانمئة ألف صوت.

قرار إقالة رؤساء بلديات ديار بكر، كبرى المدن الكردية، وماردين وفان، ووجه بانتقادات واسعة ووصف بأنه انقلاب حقيقي على إرادة الشعب. بل إن البعض تساءل عما إذا كانت القرارات مقدمة لإقالة رؤساء بلديات أخرى، منها إسطنبول، وأنقرة، وإزمير، بذريعة أكثر من تهمة، حيث لا أحد يسأل ما دام القضاء، وكل مؤسسات الدولة، ألعوبة بيد رئيس الجمهورية.

هكذا ب «شحطة قلم» يلغي أردوغان إرادة الناخبين في ثلاث مدن كبيرة في تركيا ولم يمض على انتخاب رؤسائها الخمسة أشهر. ومع ذلك يؤكد مسؤولو حزب الشعوب الديمقراطي أنهم سيواصلون المعركة ديمقراطياً، في وقت يبدو جلياً أن أردوغان يستخدم الحزب الكردي ديكوراً في اللعبة الديمقراطية تماماً كما كانت الأحزاب الكردية السابقة ديكوراً منذ أكثر من ثلاثين عاماً. وهذا يطرح تساؤلات حول نجاعة النهج الذي تتبعه الكتلة الكردية في تركيا لتحقيق مطالبها التي لم يتحقق منها شيء منذ أربعين عاماً. وبعد كل الذي جرى هل لأحد أن يصدق، أو يؤمن بأن في تركيا ديمقراطية؟

“الخليج”