aren

فصل الأطفال عن عائلاتهم يفوق جريمة «أبو غريب» \\ كتابة: د. جيمس زغبي
الخميس - 28 - يونيو - 2018

الفصل

انتشرت مشاهد وأصوات أطفال أميركا الوسطى الذين تم تفريقهم عن آبائهم على أيدي ضباط حرس الحدود الأميركيين، الآن في جميع أنحاء العالم. لقد كانت التجربة صادمة للضحايا ومؤلمة للغاية لمن يشاهدها. كما أنها ألحقت أضرارا لا تحصى بفكرة أميركا ذاتها.

هذا هو يونيو، الشهر الذي يفترض أن نحتفل فيه – مثل كل عام – كـ«شهر ارث المهاجرين». لقد انتهزت هذه الفرصة لأذكر قصة هجرة عائلتي الى اميركا – ورحلتهم للبحث عن الفرصة والحرية والمصاعب التي تحملوها والتقدم الملحوظ الذي أحرزوه في جيل واحد فقط.

لقد كتبت كيف تعلمت من مسار عائلتي، والفرق بين تجربة المهاجرين في أميركا وأوروبا. تحدث صديقي مايكل بارودي عن «كيمياء أميركا» التي أظهرت القدرة، في كل جيل، على تحويل الشعوب من ثقافات متنوعة الى مواطنين أميركيين. وكيف تغيرت اميركا، في سياق هذه العملية، بحيث لم يعد من الممكن ببساطة التحدث عن الثقافة الأميركية – الطعام، والموسيقى، والأزياء، والمرح، أو حتى أبطالنا المعاصرين – دون الاعتراف بفضل الثقافات الكثيرة التي انصهرت لتكون ثقافتنا.

في الوقت نفسه، لاحظت أن التعايش مع هذا التاريخ الترحيبي والشامل كان بمنزلة خطايانا الأصلية للرق، والإبادة الجماعية والتطهير العرقي، والاحتلال. كان التحدي الذي يواجهه كل جيل هو محاربة التركة المتبقية لهذه الخطايا، بينما كان يعمل على تحقيق الوعد بفكرة أفضل لأميركا. هذا ما سعينا للقيام به مع «شهر تراث المهاجرين».

ان المشكلة التي أواجهها الآن هي كيفية فهم مشاهد وأصوات العائلات على الحدود، وكيف يمكن بعد اليوم، على ضوء هذا الرعب، الترويج لفكرة أميركا.

وتثير ردود الفعل المبتذلة عند بعض الليبراليين الذين يقولون «هذه السياسة لا تمثلنا» أو «هذه ليست قيمنا» بينما، في الواقع، وفي أوقات كثيرة جدا في تاريخنا، كنا هكذا.

وينطبق هذا الأمر بشكل خاص اليوم، حين تكون لدينا ادارة مدعومة من قبل كونغرس جمهوري وشريحة كبيرة من الجمهور الذين يؤيدون بناء جدار مع المكسيك، وفرض حظر على دخول المسلمين. وموقف الرئيس حول خطر قبول الأشخاص الملونين في بلدنا، وفصل ابناء المهاجرين غير الشرعيين عن آبائهم، وتقليص عدد اللاجئين وطالبي اللجوء.

ان تجاهل أو انكار تأثير خطايانا الأصلية على ثقافتنا السياسية ليس مجرد خداع للذات، بل يجعلنا عرضة لتقبل المواقف المفسدة.

ويجب توجيه اللوم كذلك لأولئك الذين لا يدركون التأثير الأوسع للمشاهد المرعبة التي ينشرها الإعلام من حدودنا الجنوبية. هذه لا تعادل، كما كتب البعض، كارثة ما بعد اعصار كاترينا التي هزت ادارة بوش. لأن فشل ادارة بوش كان بسبب عدم الكفاءة وعدم الفعالية في أعقاب الإعصار. وما يحدث الآن مختلف. انه نتيجة سياسة متعمَّدة، باردة ومحسوبة ولدت من العنصرية ومصممة لتلعب على اوتار أسوأ غرائز مؤيدي الرئيس.

لقد هيأ ترامب المشهد لمثل هذه السياسات عبر سنوات من الخطابة التي أساءت للمهاجرين من الجنوب. وتحدث عنهم في أوقات مختلفة، كتهديد مميت لدولتنا وثقافتنا وشعبنا. وصورهم في خطاباته، على أنهم «ثعابين» و«غزو»، ووصفهم بالقتلة والمغتصبين والمجرمين، أو ببساطة «ليسوا أفضل الناس»، والذين لن يكونوا سوى عائق أمام تقدمنا!

ان مجرد تجريد المهاجرين من انسانيتهم بهذه الطريقة، يجعلهم عرضة لسوء المعاملة ويسهل على المدافعين عن الرئيس تبرير هذا الاعتداء. فعلى سبيل المثال، رفض معلقو فوكس نيوز صرخات الأطفال، ووجهوا سهام اللوم الى آبائهم لأنهم وضعوا عائلاتهم في وضع خطر، مما يوحي بأنهم يستحقون ما يحدث لهم ولأطفالهم.

ما تجاهله ترامب وأتباعه هو العنف والفقر المدقع في البلدان الأصلية لأولئك الذين خاطروا بكل شيء، وقطعوا آلاف الأميال مع أطفالهم بحثاً عن ملجأ في الولايات المتحدة، لأنهم يبحثون عن الأمان والحرية والفرصة لعائلاتهم، إنهم أبطال وليسوا مجرمين.

ان القصة وراء المهاجرين اليوم لا تختلف عن قصة الايرلنديين الذين فروا من المجاعة أو المذابح، أو اليهود الذين فروا من المجازر أو الفارين من أوروبا الوسطى والجنوبية، والفارين جراء الحروب والصعوبات الاقتصادية أو القمع الفاشستي أو الشيوعي.

بالنسبة لي، القصة شخصية أيضا، لأن المهاجرين الحاليين يذكرونني أيضا بقصة عائلتي. انهم مثل جدي الذي فر بزوجته وأطفاله السبعة الى جبال لبنان من أجل سلامتهم. توفي في المنفى وترك زوجته وأطفاله نازحين داخليا. و«القصّر المعزولين عن أهلهم» اليوم يشبهون عمي حبيب الذي اختارته العائلة في سن الرابعة عشرة ليأتي بمفرده الى أميركا عام 1910 كي يمهد الطريق لبقية افراد العائلة ليلحقوا به. والمهاجرون “»غير الموثقين» اليوم يذكرونني بوالدي الذي حين عجز عن الحصول على تأشيرة للولايات المتحدة، دخلها بشكل غير شرعي، وظل يتوارى عن اعين ضباط الهجرة الى ان حصل على اعفاء ثم نال الجنسية بعد عشرين عاما من المعاناة.

ومثل بقية القادمين الجدد الى الولايات المتحدة، تعرضت عائلتي الى التعصب والمصاعب وعملت بكد، ونجحت في النهاية. هذه قصة أميركا التي تحولت الى منارة الى الفقراء والمجهدين والتواقين الى الحرية من جميع انحاء العالم.

ومن هنا، فإن ما أقدمت عليه ادارة ترامب قد أحدث ضررا دائم الأثر، ووصمة لا تُمحى عن جبين تمثال الحرية وفكرة الهام أميركا للناس حول العالم. لهذا أعتقد أن وصمة فصل الاطفال عن ذويهم لا تقل فداحة عما فعلناه في سجن ابو غريب. وربما نحتاج الى أجيال لاستعادة القيم التي فقدناها.

رئيس المعهد العربي – الأميركي في واشنطن

“القبس”