aren

فرنسا الطامِعة في «وِراثة» الدور الاميركي.. هل تستطيع؟ \\ كتابة : د. محمد خروب
الإثنين - 24 - ديسمبر - 2018

 

_104329604_c543dcc9-43d7-4c8a-9b4c-7f5026084ad2

من بين ردود الأفعال المُرتبِكة وتلك القلِقَة التي أَحدثها قرار الرئيس الاميركي ترمب,المُفاجِئ وغير المُتوقّع – أَقله في المرحَلة الراهِنة – والقاضي بسحب قواته الغازِيَة من الاراضي السورية،يبرز الموقف الفرنسي المُثير..إن في «نبرَته» والصياغات اللافتة في التصريحات الصادِرة بتوجيهات من قصر الإيليزيه,حيث يعيش ساكِنه ايمانويل ماكرون حالاً غير مسبوقة من التوتّر والإنفعال والضعف السياسي,الذي كشَف انهيار شعبِيّته «ورُعبِه»,من تداعيات «الإعصار» المُتنامي القوّة الذي سبّبه حراك السترات الصفراء,والتي ما تزال رافِضة كل التنازلات التي قدمتها ادارة ماكرون.تلك التنازلات «المالِيّة» الكفيلة – ضمن امور اخرى – بالإسهام في بروز خلافات بينه وبين قيادة الاتحاد الاوروبي,وبخاصة لجهة خروج فرنسا عن الأُطر والمُحدّدات التي تفرضها ادارة الاتحاد,على نسبة «العجز» المسموح بها في ميزانية الدول الاعضاء,والتي ستكون لقرارات ماكرون الاقتصادية,كرفع الحد الأدنى للاجور وإدخال زيادات على الرواتب,أثر كبير في ارتفاع العجز وتجاوز النسبة التي تحدّدها انظمة الاتحاد الاوروبي.

ما علينا..

موقف فرنسا «الرافِض»قرار ترمب والذي وصفته وزيرة الدفاع الفرنسية بانه «فادح للغاية»,والمحمول على قرار فرنسي بـِ»الإبقاء على وجودها العسكري في سوريا,لمواصَلة محاربة الارهاب هناك…رغم قرار واشنطن»,يدفع للتساؤل حقاً عن قدرة فرنسا على «وراثة» او ملء الفراغ الذي سيحدثه القرار الاميركي بالانسحاب(إن تمّ فِعلاً ولم يخضَع للمساومة او ينتهي كمناورة متعددة الاطراف,لجأ اليها ترمب بهدف خلط الاوراق او الابتزاز,او استدراج أطراف أخرى لتحالف الشرّ الذي تقوده واشنطن في المنطقة,وال منخرطة فيه بقوة كل من تل ابيب وبعض العرب وخصوصاً أنقرة,التي بدأت تتكشّف خيوط «تناغُمِها» مع قرار ترمب,الذي جاء في سياق مكالمة هاتفية مع اردوغان,وتنسيق عسكري استخباري رفيع المستوى بين البلدين).

والتساؤل أيضاً ما إذا كانت باريس في صدَد»تبَنّي» كُرد سوريا,بعد ان خَذلَتهم «ماما اميركا»,التي وضعوا في سلّتِها كل بَيضِهم الفاسد,ظناً منهم ان الدولة الإمبريالية الاكبر لن تخذِلَهم,وأن سلوكها في عهد رئيس مُتقلِّب مثل ترمب سيختلف عن «تُراث» أسلافِه,الذين أداروا ظُهورَهم على الدوام لأتباعهم ودُماهم وعملائِهم ,مهما علَت مواقِعهم والرُتَب والألقاب التي حملوها,سواء كانوا رؤساء ام ملوكاً ام جنرالات جيء بهم في انقلابات عسكرية ثم أُطيحوا وتم القاؤهم في السجون,او عُلّقوا على اعواد المشانق. ما بالك بحركات «مُقاوَمة» وأُخرى مُتمرِّدة وثالثة من عصابات الإتجار بالبشر أو السلاح او المخدرات أو»فِرَق الموت»التي تولّت المخابرات المركزية الاميركية تدريبهم وتمويلهم وتسليحهم؟

ثمة ما يدعو للتشكيك في قدرة باريس الغارِقة في ازماتها الداخلية (المُرشّحة للتفاقُم وربما ذهابها الى انتخابات مبكرة,إذا ما تم إجبار ماكرون على حلّ الجمعية الوطنية»البرلمان»,كما تُطالِب أحزاب المُعارَضة التي استعادَت بعض قُوّتها,بعد أن فقَدتها لصالح حركة السترات الصفراء).. فضلاً عن انعدام القُدرَة وفقدان البصيرة لدى قيادات كرد سوريا,الذين ما يزالون حتى اللحظة تحت تأثير الضربة القوية التي وجّهها لهم حليفهم الاميركي المُتقلّب, وربما غدوا أسرى وَهْمٍ بأن «ماما فرنسا»,تتوفّر على قُدرة وإرادة وموارِد بشرِية ومالِية وعسكرِية وتحالفات ميدانية اقليمية,كي تقيم لهم «منطقة حظر جوي».

راح رياض درّار وإلهام احمد..القِياديان في مجلس سوريا الديمقراطية (مَسد),يُروّجان لها في باريس, وربما انخدعا بما قال لهما مسؤولو قصر الاليزيه الذين استقبلوهم حيث لم يجِد ماكرون وقتاً ولو قصيراً لاستقبالهما واحتضانهما, لأنه يدرك في قرارة نفسه انه أصغر واقل شأناً من ان ينهض بدورٍ,عجز سيد البيت الابيض «المُدجّج» بحلفاء واتباع وممولين في المنطقة,من القيام به او إتمام الوعود التي بذلها شخصياً وبالَغ مرؤوسيه في التلويح بها,من أن بقاءَهم (غير الشرعي) في سوريا,سيطول ولن يقوموا بالإنسحاب إلاّ بعد خروج ايران من سوريا وهزيمة داعش,وعدم السماح أو تمويل اعادة الاعمار,إلا بعد بدء عملية سياسية ذات مصداقية في سوريا,وغيرها من الترّهات التي اعتاد المستعمِرون الغربيين…تكرارها في منطقتنا.

في الخلاصة يبدو معسكر المُرتبِكين «الإقليميين» الثلاثة.. تركيا اسرائيل وكرد سوريا (لا تنسوا بعض العرب),في حيرة من أمرهم.وليس وصف نتنياهو ومصادر العدو الصهيوني قرار ترمب بأنه صدمة وصفعة,والتبجّح بأن اسرائيل ستعتمد على نفسها،سوى إحدى تجلّيات هذا الارتباك,رغم عدم بروز تحرّك اميركي ميداني جدّي, يوحي بان إدارة ترمب قد حزمَت امرها نهائياً,في اتجاه الإنكفاء والجلاء عن الاراضي السورية,فضلاً عن ما يستبطنه القرار التركي بـِ»تأجيل» الاجتياح العثماني لمناطق شرق الفرات السورية,بذريعة عدم التعرّض لنيران صديقة،ناهيك عن الإضطراب الذي يعيشه كُرد سوريا وفقدانهم البوصلَة والارادة في تحديد خطواتهم اللاحقة, وبخاصة في المسارعة لاغتنام الفُرصة المُتاحة (حتى الان) للعودة الى حضن الوطن الأُم وتسوية امورهم مع دمشق,وعدم البقاء في مُربّع المُراوَحة, التي قد تزيد من الأكلاف الباهِظة التي سيُجبَرون على دفعِها,في حال واصَلوا الرِهان على حليف بديل لواشنطن كباريس,التي لن تحتاج الى وقت طويل كي تُقِرّ بإفلاسها وعدم قُدرتِها على تحمّل أعباء «الفراغ»,الذي سيُخلِّفه قرار الانسحاب الاميركي (إن تم).

ما يستدعي منهم (كُرد سوريا) التخلّي ايضاً عن سذاجتهم السياسية التي تعكسها مطالبَتهم واشنطن «احترام تضحياتِهم»,وإدراك ان واشنطن لا تَخدِم إلاّ مصالحها ولا شيء غيره.ناهيك عن تهافُت تَهديداتِهم الفارغة بإطلاق «الدواعش وأُسرِهم»الذين يحتجزونهم في سجونهم(سجون «قسد»),كون هؤلاء لو أُخرِجوا لَفتَكوا اولاً بـِ»قِسد» قبل أي جِهة أُخرى.وهذا ما تُدرِكه جيداً واشنطن وخصوصاً….أنقرة اردوغان.

“الرأي” الأردنية