aren

غياب روسيا (مؤقتاً ) فى الساحة الدولية \\ كتابة : سمير أمين
السبت - 20 - يناير - 2018

 

 

دعت القوى الإمبريالية العظمى الممثلة فى «مجموعة السبعة» روسيا للاشتراك فى مجالسها (فأصبحت المجموعة مكونة من ثمانية) وذلك بعد سقوط النظام السوفيتى بقليل. ولا تزال هذه المشاركة رمزية، دون أن يكون لها أى تأثير فى مواقف السبعة. فبينما تم حل اتفاقية وارسو العسكرية لا يزال الناتو قائماً، بل صارت ممارساته أكثر استفزازاً وعجرفة.

وكذلك قُبِل انضمام روسيا لمجموعة السبعة على أساس تبنيها مبادئ الليبرالية الاقتصادية دون تحفظ. إلا أن تطور الأمور جعل قيادات روسيا تدرك خطورة الحال، إذ إن حضور روسيا فى مجموعة الثمانية (والمفروض أن روسيا أصبحت (صديقاً) لم يمنع الولايات المتحدة وأوروبا خلفها من التدخل السافر فى شئون روسيا الداخلية، والقيام بمؤامرات عدوانية لاسيما فى جورجيا ودول وسط آسيا وأوكرانيا.

يبدو أن بوتين قد أدرك أن الغرب لا يزال عدواً لروسيا الأمر الذى يفسر مواقفه الجريئة التى اتخذها فى مواجهة الأزمات الدولية الأخيرة (سوريا، إيران، أوكرانيا). ولذلك أعتقد أن زمن غياب روسيا من الساحة الدولية قد انتهى.

أتذكر حوارًا جرى بينى وبين بعض المسئولين الروس (اليمينيين) عقب سقوط النظام السوفيتى. فقال هؤلاء لى (يكاد يكون بالحرف): «خسرنا الحرب، ولكن سوف نكسب السلم، كما أن ألمانيا التى خسرت الحرب لم يمنع هذا صعودها الاقتصادى، فسوف نستفيد نحن أيضاً من تبنى مبادئ الليبرالية الرأسمالية بعد أن تخلصنا من الأوهام الاشتراكية الخيالية».

وكانت إجابتى كالآتى: «أنتم لا تدركون اختلاف الظروف. لقد ساعدت الولايات المتحدة ألمانيا على نهضتها بعد الهزيمة، لأن واشنطن كانت بحاجة لأن تكون ألمانيا قوية فى مواجهة العدو الحقيقى القائم- الاتحاد السوفيتى. ويختلف الأمر اليوم فليس هناك وجود لأى عدو يذكر أمام الولايات المتحدة. وبالتالى لا تريد واشنطن مساندة صعود روسيا حتى لا تصبح مرة ثانية قوة عظمى، فالأفضل بالنسبة إليها هو مواصلة تدمير بلادكم».

التدهور الأيديولوجى

قامت الأيديولوجيا السوفيتية الرسمية على تكرار بلا ملل لخطاب «الاشتراكية» إذ كان المصدر الوحيد لشرعية النظام قائماً على ذكر ثورة 1917، طبعاً كانت الفجوة بين الكلام (حول الاشتراكية) والواقع عميقة. ولكن ليس هذا الوضع شاذا يخص الاتحاد السوفيتى فقط.

فلا تقل عمقاً الفجوة التى تفصل الخطاب الأيديولوجى السائد فى الغرب (ومفاده أن الليبرالية الاقتصادية مرادفة لتقدم الديموقراطية واستتباب السلم عالمياً) عن الواقع. فوظيفة الخطاب الأيديولوجى المبتذل هى بالتحديد إخفاء الحقيقة.

لجأ الخطاب السوفيتى أيضاً إلى تعبئة الشعور «بالوطنية» – ليس بمعنى الشوفينية بالضرورة. فدعا إلى تكريس وحدة الشعب زوراء زعمائه» فى مواجهة العدو الإمبريالى الرأسمالى، ووجد هذا الخطاب صدى» ملحوظاً لأنه قام على حقائق- العداء للإمبريالية.

علماً أيضاً بأن هذا الخطاب قد ساعد الحكام على إخفاء نواقصهم فى إنجاز التقدم الموعود، وليست هذه الممارسة خاصة بالتجربة السوفيتية. إذ يلجأ زعماء دول الجنوب إلى خطاب وطنى مماثل حول معاداة الإمبريالية لمشروعهم «المستقل». واليوم، فى ظروف صعود عداء الغرب لروسيا، يقوم الشعور بالوطنية الروسية بدور إيجابى،إلا أن مثل هذا الخطاب ما زال يؤثر فى الشعب الروسى المشغول بمواجهة النتائج الكارثية للسياسة الليبرالية التى ينفذها النظام

“الاهرام”