aren

غموض وتخبط أميركي في سوريا \\ كتابة : حسن أبو هنية
الإثنين - 21 - يناير - 2019

 

من الصعب بناء تصور محدد حول السياسة الأميركية في سوريا نظرا لغياب استراتيجية واضحة المعالم والأهداف، فالغموض والتخبط والتناقض سمات بارزة طبعت سلوكيات وقرارات الإدارة الأميركية السابقة والحالية، ويعود ذلك إلى الانقسام الحاد داخل الإدارة الأميركية عموما وإدارة الرئيس ترمب خصوصا، بحيث يمكن قول الشيء ونقيضه في نفس الوقت، وتقديم ضمانات ثم نقضها في اليوم التالي، واتخاذ قرارات والتراجع عنها ببساطة، كل ذلك يجري عبر تغريدة عدوانية مفاجئة ومتطرفة من ترمب يعقبها مكالمة مسالمة ورصينة، في سياق من التخبط والغموض.

دون مقدمات صعق الرئيس الأميركي دونالد ترمب حلفاءه وبعض مستشاريه عندما أعلن عبر «تغريدة» عن قرب الانسحاب الأميركي من سوريا، واستقال على إثرها وزير الدفاع جيمس ماتيس احتجاجا على القرار وتبعه المبعوث الخاص للتحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» بريت ماكغريك والذي استقال من وزارة الخارجية، وعقب صدمة القرار وردة الفعل في واشنطن قرر أن يمدد المهلة من 30 يوما إلى أربعة أشهر، وارتفعت وتيرة التخبط والغموض بعد تصريحات تقول أنه لا يوجد جدول زمني للانسحاب، ثم يخرج ترمب ليقول «سنخرج من سوريا» و”لكننا لن ننسحب حتى هزيمة تنظيم الدولة»، وعقب مكالمة هاتفية يقول ترمب لأردوغان: «اسمع. سوريا لك. أنا سأغادرها».

مع تصاعد الانتقادات لقرارات ترمب ومصير أكراد سوريا، وإعلان تركيا قرب عملية تركية شرق الفرات، نشر ترمب تغريدات في 13 يناير الجاري يؤكد فيها أن بلاده ماضية في سحب قواتها من سوريا، وكتب في إحدى التغريدات «سندمر تركيا اقتصاديا إذا هاجمت الأكراد»، ودعا إلى إقامة منطقة آمنة عرضها ثلاثون كيلومترا، دون أن يوضح حدودها ومن سيمولها، وفي اليوم التالي تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تهديده بإلحاق الأذى بالاقتصاد التركي في حال هاجمت أنقرة الأكراد، وقال في أعقاب اتصال هاتفي مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان إن هناك إمكانية كبيرة لتوسيع التعاون الاقتصادي بين البلدين، وسرد ترمب تفاصيل محادثته الهاتفية مع الرئيس التركي في تغريدات على تويتر قال فيها إن هناك إمكانية كبيرة لتوسيع نطاق التعاون الاقتصادي بين أميركا وتركيا، مضيفا أنه تحدث مع أردوغان عن التنمية الاقتصادية.

إن حالة التخبط والفوضى والغموض الأميركية تجاه سوريا تجعل من إمكانية التنبؤ بالخطوات والمواقف القادمة للسياسة الأميركية شبه مستحيلة ومنفتحة على كافة الاحتمالات ومتلبسة بالتناقضات، ويعود ذلك بصورة جلية إلى الانقسام داخل البيت الأبيض نفسه.

فترمب الراغب بالعزلة القومية يريد تفكيك مغامرات الولايات المتحدة العسكرية والمكلفة والتي لا تعود عليه إلا بفائدة سياسية قليلة في الداخل حسب صحيفة «واشنطن بوست»، وعلى خلاف الكثير من الجمهوريين لم يكن ترمب مهتما بفكرة التخلص من بشار الأسد، ولهذا أعلن في ديسمبر الماضي وبطريقة مفاجئة عن هزيمة تنظيم «الدولة» رغم الأدلة الكثيرة التي تشير إلى العكس، وقال إن محاربة بقايا التنظيم هي مسؤولية تركيا والدول العربية الأخرى.

على الجانب الآخر فإن الصقور في واشنطن بمن فيهم مسؤولين في إدارة ترمب يتعاملون مع الوضع في سوريا بطريقة مختلفة، فوزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي، جون بولتون والمبعوث الخاص إلى سوريا الدبلوماسي السابق جيمس جيفري يرون أن مهمة الجيش الأميركي ليست هزيمة تنظيم «الدولة»، بل والحد من التأثير الإيراني في سوريا، كما أن القيادة العليا في البنتاغون ليست مقتنعة بهزيمة تنظيم «الدولة»، فالمسؤولين العسكريين عبروا عن تحفظاتهم العميقة من الانسحاب السريع في الوقت الحالي حيث لا يزال المتطرفون الذين أضعفوا تهديدا قويا فيما لا تزال تركيا تعطي الأولوية لقتال قوات سوريا الديمقراطية التي تدعمها الولايات المتحدة، وجأت زيارات كل من بولتون لإسرائيل وتركيا وبومبيو إلى ثماني دول منها السعودية هي محاولة لتطمين الحلفاء والتأكيد لهم أن إدارة ترمب ملتزمة بالمصالح الأمنية لهم، ولكن الرحلات وتصريحات الرئيس تعبر عن الانقسام داخل الإدارة وتزيد الغموض حول ما يجب عمله في قادم الأيام.

كان ليندسي غراهام السناتور الجمهوري قد ثمن موقف ترمب الأخير حيث أكد على «أن ما يهم في الانسحاب هو التأكد من عدم عودة تنظيم «الدولة» وحماية الأكراد السوريين، وعقب زيارته لتركيا قال إن قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب بسحب القوات من سوريا يجب أن يخدم ثلاثة أهداف تتمثل بهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام أو ما يُعرف بـ”داعش» ومنع انتصار إيران وحماية تركيا، وحول انشاء مناطق عازلة في الشمال السوري، قال غراهام أن «القيام بذلك بشكل صحيح أمر مهم، وإنجاح خارطة طريق منبج في الوقت الراهن، هو الشيء الأهم، وآمل أن ينسحب ترمب تدريجيا من سوريا بعد القضاء على داعش، ويطبق خارطة طريق منبج كإجراء لتعزيز الأمن، وبذلك يتم تطهير منبج من عناصر وحدات حماية الشعب وتسليم المنطقة لأهلها عبر التعاون مع تركيا، وإن لم نفعل ذلك فإن انسحابنا يشكل مصاعب كبيرة لتركيا».

حالة التشوش والغموض الأميركية تتجلى بصورة واضحة من خلال التعامل مع تركيا، فحسب الأستاذة في أكاديمية باريس للعلوم السياسية، جانا جبور، إن تركيا ما تزال تملك ورقة رابحة في المفاوضات حول الانسحاب الأميركي من سوريا، لأن الإدارة الأميركية تحتاج بعد سحب القوات الأميركية إلى شريك قوي على الأرض في سوريا لمحاربة تنظيم داعش، فإذا كانت أميركا جادة في إخراج قواتها من سوريا، فهذا لا يمكن أن يتحقق بدون الاتفاق مع تركيا، لأن واشنطن بحاجة إلى مساعدة تركيا لمواصلة القتال ضد داعش، ومن المستحيل على واشنطن تأمين المساعدة التركية دون أن تقدم تنازلاً لأنقرة بمنحها الضوء الأخضر لشن عملية عسكرية ضد الميليشيات الكردية.

خلاصة القول أن حالة التخبط والغموض التي تطبع السياسة الأميركية في سوريا، هي نتاج منطقي للافتقار لاستراتيجية واضحة ومحددة، فالإدارة الأميركية منقسمة إلى حد كبير حول ما يجب فعله في سوريا، حيث يريد الرئيس ترمب بالفعل الانسحاب من الشرق الأوسط، وترك حل أزمات الشرق الأوسط، ولا سيما الأزمة السورية، إلى روسيا وتركيا، في حين أن وزارتي الدفاع والخارجية لديها تفضيلات أخرى، ويبدو أن إيجاد حل وسط بين أنقرة وواشنطن أمر صعب للغاية حسب جانا جبور لسببين؛ أولاهما: أن هناك خلافات كبيرة بين الجانبين ترجع إلى أن الجماعات التي يعدها الأتراك أعداء هي في الواقع حلفاء وأفضل أصدقاء الولايات المتحدة. ومن غير المحتمل إلى حد بعيد أن تتخلى الولايات المتحدة عن الأكراد لإرضاء أنقرة، وثانيهما: أن الولايات المتحدة، ليس لديها موقف واضح، لأن الإدارة الأميركية نفسها منقسمة بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية والبنتاغون، وبهذا فإن كافة الاحتمالات في سوريا ستبقى مفتوحة ومتقلبة وتتجه نحو مزيد من الغموض والتشوش والتخبط.

“الرأي”