aren

غاز الميثان المشؤوم ..ومنجم الموت! \\بقلم : حسن نصر
الخميس - 2 - ديسمبر - 2021

“مهما قلت لك سيدتي فلن أجد تلك الكلمات التي يمكن أن تخفف عنك وقع المصاب، تقبلي عزائي الحار!” محاولة حبس دموعها تتماسك يلينا وشفتاها ترتجفان، تحاول الكف عن البكاء، لكنها تفشل في ذلك، وتسرع باتجاه السيارة التي تقف بالقرب من مدخل المنجم، سماكة الثلج على السيارة تشير إلى أنها مركونة هنا منذ أن وقع الانفجار داخل المنجم.

دعيني على الأقل ، أساعدك في تنظيف السيارة. توافق وهي تمسح دموعها وتعطيني الفرشاة المخصصة لذلك.

يقطع سكون المكان ، صوتها القادم من الجهة الأخرى: أراد أن ينتهي من هذه المهنة ويتقاعد، لكن أقساط السيارة التي لا تزال ملكا للمصرف، حالت دون ذلك، لم يتركوه يعيش بقية حياته بهدوء بعد عمل مدته ثلاثون عاما في استخراج الفحم.

لقد قتلوهم بغير ذنب. على مدار الأسبوع الأخير كان يعود كل يوم من العمل، ويقول لي إن نسبة غاز الميثان داخل المنجم في ارتفاع مستمر. أرباب العمل غير معنيين بأجهزة التحذير المعلقة على ملابسنا، والتي لا تتوقف عن تذكيرنا بضرورة الخروج من المكان. يدفعوننا من جديد إلى داخل المنجم، ويؤكدون قائلين لنا: “إذا أردتم الحصول على الراتب الثالث عشر فعليكم إنجاز الخطة السنوية الموضوعة لهذا العام.

 تنهي يلينا كلامها، حياة البشر في هذه المدينة لا تساوي شيئا. همهم الوحيد ، هو استخراج الفحم الثمين. وها هي النتيجة: 51 من عمال المنجم ورجال الإنقاذ تحت الأنقاض.

تخرج امرأة ثانية ، وهي تصرخ: لماذا لم يمنحوهم فرصة واحدة للبقاء على قيد الحياة، لماذا أوقفوا عمليات الإنقاذ. لقد قالوا لنا إنهم بدأوا بضخ غاز النتروجين إلى عمق المنجم.

إرينا تتمسك بخيوط الأمل القليلة… ابنها ، ذو الأعوام الخمسة والعشرين لا يزال مجهول المصير، وهي تريد إقناع نفسها بأنه لا يزال على قيد الحياة.

حاكم مقاطعة (كيميروفو) ، يؤكد للصحافة، التي منع ممثلوها من الدخول إلى المنجم، أن عمليات الإنقاذ توقفت بعد فقدان الاتصال مع عدد من المنقذين، وأن الوضع أصبح حرجا للغاية، ويُخشى من وقوع انفجارات أخرى داخل المنجم مع ازدياد ارتفاع نسبة غاز الميثان هناك. ويتابع: نحن تمكنا من إجلاء 233 من العمال العالقين، هناك كثير من الحالات الحرجة بفعل الحروق، وأن جميع المصابين نقلوا إلى المستشفيات.

عن سؤالنا عن دقة المعلومات بشأن إدخال “غاز النتروجين” إلى داخل المنجم، حاكم المقاطعة يؤكد المعلومة، ويقول: إن خياراتنا تساوي الصفر، فلا يمكن أن نجازف أكثر بحياة المنقذين، وإنه لم يبق أحد على قيد الحياة، ولهذا اتخذنا هذا القرار الصعب.

على بعد أمتار من المنجم ، أرى رجلا مسنا داخل سيارته، يده ترتجف وهو يدخن، أسأله عما إذا كان أحد من أقربائه أو معارفه داخل المنجم.

يدعوني (فاسيلي) للجلوس داخل السيارة، ويتابع قائلا: عملت هنا 35 عاما قبل أن أتقاعد، جئت علني أعرف أي شيءٍ عن مصير المفقودين. يسألني: هل قالوا لكم شيء عن العالقين.

إزاء شح المعلومات ، يهز رأسه ، بأن ذلك كان متوقعا، وأنه يعرف شخصيا المسؤول عن الدفعة التي أجبرت العمال على النزول إلى عمق المنجم، ويتابع قائلا: عملت معه، لم يكن يحسبنا بشرًا، همه الوحيد هو استخراج الفحم وإنجاز الخطة السنوية… لقد كنت شاهدا على الانفجار الذي حدث هنا عام 2004. نزلنا بعد يومين إلى عمق المنجم، كان المشهد مروعاً، هل تعلم قوة الانفجارِ الناجم عن اختلاط غاز الميثان مع غبار الفحم، هذا أمر مخيف عندما تصل سرعة النار إلى ألف متر بالثانية.

هل تعلم ماذا يفعل الآن من كتبت لهم الحياة بعد الانفجار؟ إنهم يشربون الكحول علهم ينسون هول المشهد.

أسأله ، هل له أن يعرفني إلى أحد منهم، ومن دون إجابة تنطلق بنا السيارة إلى المدينة. كان فيكتور بانتظارنا. رفض الحديث بالتفصيل عما جرى. وعن سؤالي: هل سيعود للعمل بعد ما حدث، يقول في هذه المدينة لا يوجد عمل آخر غير المناجم، خمس مرات حاول تغيير مهنته، وفي كل مرة كان يعود إلى المنجم لأنه الأكبر أجرا. أما عن ارتفاع نسبة غاز الميثان داخل المنجم فيقول: لم يعد مخاطرة بالنسبة لي، بل أصبح عادة، ويبدو أن هذا قدري.

تعلن السلطات عن اعتقالها مدير المنجم ونائبه الأول ، ورئيس الدفعة التي أنزلت العمال في ذاك اليوم المشؤوم إلى المنجم ، ومهندسين ، تبين أنهما كانوا يقدمون تقارير زائفة عن معايير السلامة الصناعية، لتبدأ جلسات محاكمة علنية للتوصل إلى الأسباب الحقيقة وراء الانفجار.

كل ذلك ، والإعلان عن تقديم المعونات المالية لذوي الضحايا ، لن يغير شيئا من هول المشهد الذي تعيشه المدينة ، التي يقول عنها سكانها إنها صارت مدينة مناجم الموت.

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها