aren

“عيد الجلاء … ثلاث مراحل من نضال سورية القومي سبقته وانتهت اليه ” بقلم : “نصوح بابيل” نقيب الصحافة السورية (1943- 1963)
الثلاثاء - 17 - أبريل - 2018

nasouh

توطئة :

لماذا ننشر هذه المحاضرة \ الوثيقة ؟!

ليس فقط لمناسبة الذكرى ، جلاء آخر جندي فرنسي عن سورية في الساعة التاسعة من صباح 15 نيسان 1946 ، بعد احتلال دام مايزيد على ربع قرن .

وانما ، لكي يتمكن التاريخ الحقيقي ، أن يكتب . ولأن مسار الوقائع وتتابعها ، أثبت تقدم المنطق الخاص لكاتب \ صاحب هذا النص … الوطني الصرف .

ننشرها أو (نعيد نشرها ) ، لنحفظها من الضياع و التضييع . من النسيان و التناسي . من الاهمال ، و التجاهل ، و الترك …

ننشرها ، من اجل سورية جيلا بعد جيل ، وتمشيا مع حكمة الحياة ، التي لا تعرف القيم ، الا بعد موت أصحابها ،لعلها تقرأه الآن بعد موته .

 

ادارة التحرير  : ننشر ” نص المحاضرة ” كما هو لدينا بمادته ” الاصلية والاصيلة” ، دون اجراء اي تحرير ، او ادخال أي “تعديل ، أو تغيير ، أو تبديل … أو تحوير” .

“عيد الجلاء … ثلاث مراحل من نضال سورية القومي سبقته وانتهت اليه “

هنا \\ نص المحاضرة ، التي ألقاها الاستاذ ” نصوح بابيل” نقيب الصحافة،وصاحب جريدة (الأيام السورية- سابقا) ، في الاحتفال الذي اقامته “رابطة الحقوقيين” في دمشق ، عشية اليوم السادس عشر من نيسان سنة 1978 ، بمناسبة الذكرى ” الثانية والثلاثين” لعيد الجلاء .

أيها الحفل الكريم :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

السلام عليكم في هذه الأمسية المباركة ، التي نحتفل من خلالها بعيد الجلاء . السلام عليكم من عيد الجلاء الذي يقدر وفاءكم لذكراه ، واحتفالكم بها في كل عام . السلام من عيد الجلاء على كل من عمل من أجله ، وقضى في سبيله من الابطال والاحرار ، والشهداء.

السلام منه ، على الذين أبوا الا أن يبقوا لسيرته حافظين ، وعلى عهده مقيمين ، والسلام عليكم ثانية من هذا العيد القومي المقدس ، الذي اذا صنفت الأعياد ، فهو في مكان القمة منها سموا ، وتألقا ، واعتزازا ، وافتخارا .

عيد الجلاء :

أيها الأخوة والأخوات : ماكان عيد الجلاء في واقعه ابن شهره ، ولا ابن عامه . بل هو وليد جهاد طويل مرير تعاقبت مراحله ، وتوالت مواكبه ، وتلاحقت قوافله في حقبة من الدهر ، قاربت الخمسين عاما ، ولعل من حسنات الاحتفال به ، ان يعيدنا ولو لماما ، الى أبرز الاحداث ، التي انتهت اليه ، واستقرت في رحابه على ضخامة حجمها ، وجلال وقائعها ، وتعدد ألوانها .

لتجعله خاتمة مطافها ، وحصيلة صراعاتها ، ولتذكر الذين عاصروه بواجبهم حياله كل عام ، ولتطالع جيل اليوم والأجيال الصاعدة من أبناء الشعب العربي السوري والشعوب العربية ، بمالم يعرفوه عن نضال أجدادهم وآبائهم الا من خلال ماقرأه البعض ، وليس الكل ، منهم في كتاب أو في آخر من الكتب ، التي أصدرها المؤرخون المعاصرون خلال النصف الاول من هذا القرن .

ان سيرة عيد الجلاء ، غنية بالأحداث والمواقف ، زاخرة بالمآسي والفواجع ، وبالمفاخر والمباهج ، ولو أردنا التحدث عنها بشيء من التفصيل ، لاستغرق ذلك ساعات وساعات ، فمراعاة للوقت الذي حدده برنامج هذه الحفلة ، اقتضبت ، وأوجزت ماوسعني الاقتضاب ، والايجاز .

الصهيونية العالمية والسلطان عبد الحميد :

وحسبي القول : ان ثلاث مراحل من نضال شعبنا القومي ، سبقت عيد الجلاء وانتهت اليه ، فالمرحلة الاولى بدأت سنة الف وتسعمائة ميلادية ، أي في السنة الاولى من هذا القرن ، حين سعى “عمانوئيل قره صو” زعيم اليهود في سلانيك ، سعيا حثيثا لمقابلة السلطان عبد الحميد العثماني ، ولما تمكن من مقابلته ، ومثل في حضرته ، أبلغه أنه موفد من قبل الجمعية الصهيونية العالمية ، ليطلب اليه منح تلك الجمعية الاراضي الواقعة في الثلث القائم بين يافا وغزة والبحر الاحمر ، مقابل خمسة ملايين ليرة عثمانية ذهبية ، تدفعها الجمعية المذكورة هدية الى الخزينة الخاصة ، وعشرين مليونا تقرضها الى الحكومة دون فائدة لمدة تعينها الحكومة .. ما سمع السلطان ذلك ، الا وثار غضبه ، وطرد الزعيم اليهودي من قصره ،  طردا مهينا .

خلع السلطان بواسطة الدونمة :

كان طبيعيا ، أن يثير موقف السلطان ، حقد الصهيونية العالمية ، فضمرت له السوء ، وصممت على خلعه عن العرش ، وكان سبيلها الى ذلك ، تأليف جمعية سرية في سلانيك ،أكثر أعضائها من اليهود المعروفين بالدونمة .

والدونمة ، لقب كان يطلقه الاتراك على جماعة اليهود ، الذين هاجروا الى تركيا من اسبانيا ، واستوطنوا سلانيك ، وهم طائفة يتظاهر أفرادها بالاسلام مع احتفاظهم خفية بالدين اليهودي ، وكان منهم (جاويد بك) وزير المالية ، وعدد كبير من مؤسسي حزب الاتحاد والترقي ، وبواسطة هؤلاء وبالتواطؤ معهم ، تمكن اليهود من التسلل الى قيادات الجيش في سيلانك ، فاستمالوا عددا من الضباط الشبان الاتراك ، وبذلوا لهم العطاء والوعود ، وتآمروا معهم على خلع السلطان ، وهكذا كان .

فقد زحفت قوات الجيش من سلانيك الى الآستانة فاحتلتها ، واقتحم عدد من رؤوساء الانقلاب قصر السلطان يتقدمهم “عمانوئيل قره صو” زعيم اليهود في سلانيك بالذات ، والغريب ان قادة الانقلاب والاتحاديين ، اختاروه شخصيا ، ليسلم السلطان بيده قرار خلعه ، وكان ذلك في سنة 1908 .

سياسة جديدة ضد العرب :

استولى الاتحاديون على الحكم بعد خلع السلطان عبد الحميد ، وجاؤوا بالسلطان محمد رشاد ، وكان ضعيف الشخصية مطواعا ، واستبد نفوذ اليهود في اوساط الدولة ، ووقفت الصهيونية العالمية وراء الحكم الجديد ، تغذيه بمؤامراتها ومخططاتها ، وكان زرع بذور التفرقة والخلاف بين الاتراك والعرب ، هدفا رئيسيا من أهدافها فواجه العرب سياسية جديدة يمارسها الحكام الجدد ، تستهدف تتريكهم والقضاء على قوميتهم ، واستفزاز مشاعرهم وكراماتهم بمختلف الظلم ، وسوء المعاملة والاضطهاد .

الثورة العربية الاولى :

من هنا ، بدأ الصراع بين العرب والحكام الاتراك ، فألف ممثلو العرب – اي النواب- في مجلس المبعوثان ، وطائفة كبيرة من الطلاب العرب في معاهد استامبول ، عددا من الجمعيات والاحزاب العربية للوقوف في وجه السياسة الجديدة ، ومحاولة دفعها بالتي هي أحسن ، لولا ان الاتحاديين الحاكمين بتحريض من الصهيونية العالمية ، أبوا الا ان يرموا الانتفاضات العربية بالخيانة والعمالة ، فأمعنوا في سياسة البطش والتنكيل ، واستغلوا نشوب الحرب العالمية الاولى ، لتبرير تدابيرهم الجائرة ضد العرب ، فراحوا يزعمون ان العرب خرجوا عن طاعة السلطان ، وتمردوا على الدولة ، وان ضرورات الحرب ، تفرض مكافحتهم بأقسى الشدة .

وكان جمال باشا السفاح ، الأداة المنفذة لسياسة حكومته في كل من سورية ولبنان ، فقد علق السفاح على أعواد المشانق في دمشق وبيروت ، طائفة كبيرة من القادة العرب الأحرار ، كان كل واحد منهم ، علما من أعلام الفكرة والثقافة والمعرفة ، فتركت جريمته النكراء ، جرحا عميقا في نفوس العرب جميعا .

ومضى السفاح في تطبيق سياسة جماعته ، فنفى العديد من العوائل الكبيرة الى الاناضول ، وفرض على سورية ولبنان مجاعة قاسية ، مات بسببها جوعا،ألوف المواطنين الابرياء ، وكان أمرا طبيعيا بعد كل مافعله السفاح ، ان تتأجج النفوس العربية بنار النقمة ، وان ينفجر البركان .

ففي العاشر من حزيران سنة 1916 ، أعلن الحسين بن علي (شريف مكة ) ، الثورة العربية ، وأطلق رصاصتها الاولى من شعاب أم القرى ، فكانت الصيحة المدوية ، والداعية جميع العرب ، الى تحقيق ما قاله شوقي :

وللأوطان في دم كل حر       يد سلفت ودين مستحق

وللحرية الحمراء باب              بكل يد مضرجة يدق

سياسة الاتحاديين دمرت الدولة العثمانية :

التحقت بالثورة العربية ، قوافل الرجال من مختلف الاقطار العربية في المشرق العربي، وكان السوريون أسبق الجميع الى تلبية النداء ، واستمرت الحرب بين العرب وعصابة الاتحاديين الحاكمة ، حتى نهاية الحرب العالمية الاولى ، التي انتهت معها دولة الاتحاديين الاتراك الى المصير الطبيعي ، الذي تنتهي اليه حياة كل حكم ظالم في العالم ، فقد دارت الدوائر على الذين أرادوا بالعرب تتريكا واذلالا ، وبقوميتهم وئدا وتحطيما ، فالهزائم قد توالت على الجيش التركي ، الذي أخذت فلوله بالانسحاب من الحجاز وفلسطين وسورية ، ولبنان .

وفي الثلاثين من ايلول سنة 1918 ، دخل جيش الثورة العربية دمشق ، ورفع العلم العربي على سراي المرجة ، وقامت أول حكومة عربية بعد انقضاء اربعة قرون على تعايش العرب والاتراك في ظل الحكم العثماني ، الذي ماكان له ان يزول ، بل ماكان للدولة العثمانية ان تنهار وتسقط صريعة في نهاية الحرب العالمية الاولى ، لولا ان فريقا من ابنائها المارقين ، أعضاء حزب الاتحاد والترقي ، قد باعوا أنفسهم للصهيونية العالمية بالذهب ، الذي رفضه السلطان عبد الحميد ، وتآمروا معها على تدمير تلك الامبراطورية العظيمة ، ومحوها من خارطة العالم .

المرحلة الثانية من نضال سورية القومي :

انتهت المرحلة الاولى من نضالنا القومي ، وبدأت المرحلة الثانية ، حين واجهت أول حكومة عربية فتية ، عاصمتها دمشق ، مسؤوليتها الداخلية والخارجية ، وكانت أضعف من ان تتحمل عبء التبعات الجسمية ، التي فرضتها عليها .

فالشعب الذي حارب الاتراك وتحرر من حكمهم ، لن يقبل بديلا عن الاستقلال التام،  وهذا ماسمعته منه ، لجنة الاستفتاء الدولية ، التي أوفدتها عصبة الامم للوقوف على رأي الشعب العربي السوري ، وارادته في اختيار مصيره . وراح فيصل بن الحسين ، يطالب الحلفاء بتحقيق الوعود التي قطعوها لأبيه الشريف حسين ، خلال الحرب العالمية الاولى.

لكن الامير – للاسف – واجه الواقع المحزن ، وهو ان الوعود قد تبخرت ، والتواقيع قد طمست ، وأطماع القوي بالضعيف قد استشرت وتفاقمت ، وان الحليفتين (انكلترا وفرنسا) ، قد أخذتهما العزة بالاثم ، اذ اتضح لفيصل ، ان الدوليتن اتفقتا على اقتسام المناطق المحررة من الامبراطورية العثمانية – سورية ولبنان وفلسطين والعراق – في حدود اتفاقيتين اثنتين ، عقدت الاولى بينهما في 9 أيار 1916 ، وعرفت بمعاهدة سايكس – بيكو ، والثانية في 15 ايلول سنة 1919 ، وقد تم بموجبها اقتسام المناطق بين الدوليتن ، فعينت بريطانيا، اليهودي الصهيوني هربرت (صموئيل ) مفوضا ساميا على فلسطين ، كما عينت فرنسا، الجنرال (غورو) مفوضا ساميا على سورية ولبنان .

الشعب يرفض التفاهم مع فرنسة ..

في ضوء هذه الحقيقة المرة المذهلة ، سافر الامير فيصل الى لندن سنة 1919 ، ليطلع على حقيقة مابين الدوليتن الحليفتين ، فتنكر له الانكليز ونصحوه بالتفاهم مع الفرنسيين ، الذين أصبحوا هم المنتدبين على سورية ولبنان ، فسافر الى باريس ، وقابل (كلمنصو) رئيس الوزراء الفرنسية ، وجرت بينهما مفاوضات ، أدرك معها فيصل ، ان لامندوحة له من التسليم بالامر الواقع ، فأمضى مع كلمنصو اتفاقا ، علق الامير تنفيذه على تصديق ممثلي الشعب السوري .

وعاد الى دمشق في الثالث عشر من كانون الثاني سنة 1920 ، وعرض الاتفاق على رجال السياسة ، في اجتماع سري ، عقد في منزل الدكتور أحمد قدري ، فرفضوه بالاجماع ، وعبثا حاول فيصل الدفاع عن مشروعه بحجة ان البلاد ليست لديها الامكانات الكافية للدخول في حرب مع فرنسا ، وقام الامير بجولة في المدن السورية ، ازداد معها يقينا ، بان الشعب عن بكرة أبيه ، يرفض الاتفاق مع فرنسة .

واجتمع المؤتمر السوري في يومي السادس والسابع من آذار سنة 1920 ، وقرر اعلان استقلال سورية بحدودها الطبيعية ، أي بمافيها فلسطين ، والمناداة بالامير فيصل ملكا دستوريا ، وفي الثامن من آذار ، أقيم احتفال في بلدية دمشق ، بحضور ممثلي انكلترا وفرنسا وقناصل الدول ، تمت خلاله مبايعة الامير فيصل ، ملكا على سورية .

اصرار الحلفاء على الانتداب :

أحدث قرار المؤتمر السوري ، ردود فعل عنيفة في كل من فرنسا وبريطانيا ، فأعلن لويد جورج رئيس الوزارة البريطانية أمام مجلس العموم ، أن بريطانيا وفرنسا أبلغتا الامير فيصل ، أنهما لا تستطيعان الاعتراف بقرار المؤتمر السوري ، وتوالت البرقيات المماثلة على فيصل من (ميلران) الرئيس الفرنسي واللورد اللبني وغيرهما ، وكلها تبلغه رسميا ، قرارت مؤتمر الحلفاء المنعقد في 20 نيسان 1920 في مدينة (سان ريمو) الايطالية ، وقد عهد لفرنسا بموجبها مهمة الانتداب على سورية ولبنان ، كما عهد الى بريطانيا ، بمهمة الانتداب على فلسطين والعراق .

انفجر برميل البارود ؟

كانت هذه البرقيات ، كالشعلة التي فجرت برميل البارود ، فالشعب السوري العربي ، يأنف من الحكم الفرنسي ، وقد نقلت اليه صورة قاتمة عنه في الشمال الافريقي ، وشعر الملك  فيصل ، ان الموقف يحتاج الى حكومة فعالة ، فاستقالت حكومة (رضا الركابي) ، وعهد الملك الى السيد هاشم الاتاسي ، بتشكيل وزارة جديدة وصدر المرسوم بتأليفها ، وكان من أبرز اعضائها : رضا الصلح ، الدكتور عبد الرحمن شهبندر ، يوسف العظمة ، فارس الخوري ، ساطع الحصري ، جورج رزق الله.

في 18 ايار سنة 1920 ، واجهت الحكومة الجديدة ، المؤتمر السوري في جو عاصف بالتوتر ، وقد طلب فريق من النواب ، أن تمسي نفسها وزارة دفاعية ، بالنظر لخطورة الموقف، فأوضح الدكتور (شهبندر) وزير الخارجية ، أن خطة الحكومة ،تتلخص بثلاثة بنود :

الاول – تأييد الاستقلال التام الناجز المتضمن حق التمثيل الخارجي

الثاني – المطالبة بوحدة سورية بحدودها الطبيعية مع رفض طلب الصهيونيين بجعل القسم الجنوبي منها ، وهو فلسطين ، وطنا قوميا لليهود

الثالث – رفض كل مداخلة أجنبية تمس سلطاننا القومي .

وعلى اثر ذلك ، اعتبرت الوزارة الدفاعية ، ومنحها المؤتمر ثقته بالاجماع .

الشعب يصمم على مجابهة القوة بالقوة :

هنا : أدرك الشعب ، أنه يواجه تحديات ضخمة لاتقوى قواه وامكاناته على دفعها .. ، بل وجد نفسه أمام نضال جديد ، لايقل حجما بهوله وشراسته ، عن نضاله ضد الاتراك .. ووقف مليك البلاد حائرا لا يدري ماذا يصنع ..؟ تتقاذفه التيارات من كل جانب .. فلحليفتان الصديقتان ، تحاولان أن تملي عليه بالقوة ، التسليم والقبول بالانتداب ، بينما الشعب الذي اختاره مليكا يأبى عليه ذلك ، ويدعوه الى مجابهة القوة بالقوة ، وكانت حماسته في كل بقعة من سورية تغلي وتشتد ، وتزيده تصميما على مقاومة القوات الفرنسية الزاحفة على أرضه .. بينما كانت الثورات في مناطق مختلفة من البلاد مستمرة ..

ثورة ابراهيم هنانو في جبل الزاوية في الشمال ، وثورة الشيخ صالح العلي في جبل العلويين ، وثورة  الدنادشة في غرب حمص وشمال البقاع ، وثورة محمود الفاعور في الجولان وعلى حدود لبنان ، وتبع ذلك انذار الجنرال غورو للملك فيصل، فمعركة ميسلون التي سقط فيها آلاف الشهداء من أبناء هذا الشعب العرب السوري الأبي .

هذا الشعب ، الذي أعلن للعالم في وقفته التاريخية المشرفة على هضاب ميسلون ، أنه على ضعف امكانياته القتالية ، وصغر حجمه بالنسبة لفرنسة ، التي خرجت من الحرب العالمية الاولى ، كأقوى دولة عسكرية في العالم ، أعلن أنه يؤثر الموت المشرف على انتداب يفرض عليه بالقوة ، ولا يحمل اليه الا الذل والاستعباد .

وانتهت المرحلة الثانية من نضالنا القومي في ميسلون ، مسجلة على روابيها : عنوان مجد .. وشعار تضحية .. وصفحة خلود .

المرحلة الثالثة من النضال الثوري القومي :

مع دخول القوات الفرنسية دمشق ، ومغادرة الملك فيصل وأعضاء حاشيته وحكومته البلاد ، بدأت المرحلة الثالثة من نضال شعبنا ضد العدو المحتل .. وكانت أطول عمرا من المرحلتين الأولى والثانية .. فقد استمرت ستة وعشرين عاما الا قليلا .. لم تذق فرنسة طوالها ، طعم الراحة والهدوء ، فالشعب الثائر رفض الاعتراف بالانتداب الفرنسي ، واعتبره احتلالا أملته القوة الغاشمة ، وصمم على مقاومته بكل الوسائل ، وفي جميع الميادين .

فمن الثوارت العديدة ، التي لم تتمكن فرنسة من اخمادها ، الا بعد مضي بضع سنوات على احتلالها دمشق .. الى المظاهرات الشعبية العنيفة العارمة ، التي واجهها المحتل في مطلع عهده ، وقد استفزته وحفزته على نفي القادة والزعماء الى جزيرة أرواد المرة تلو المرة ، وعلى سوق الآلاف من أبناء الشعب الى السجون .. وتلاحقت المعارك بين شعب أعزل الا من ايمانه بحقه ، وبين معتد آثم مجهز بكل أنواع السلاح .

وانتهت الى نشوب الثورة السورية الكبرى سنة 1925 ، وقد بدأ نشوبها بقيادة سلطان باشا الاطرش من جبل العرب ودمشق وحماة في وقت معا ، ثم عمت أكثر مناطق البلاد ، ووضع المستعمر كل ثقله العسكري في محاولة اخمادها ، فقصف العاصمة دمشق بقنابل المدافع ، وأعدم المئات من المجاهدين ، الذين وقعوا في قبضة أسره شنقا ، ورميا بالرصاص ، واقتحم الاحياء التي رفضت دفع الغرامات التي فرضها عليها ، وفي مقدمتها حي الميدان في دمشق ، فهدم البيوت وسلب اغلى مافيها ، وبقر البطون ، وقطع ايدي النساء ، وأخذ الحلي منها.

واستمرت الثورة سنتين تقريبا ، سجل السوريون خلالها من صور البطولات وألوان التضحية ، ما أثار اعجاب العالم في حينه ، وكانت الثورة السورية بحق ، رائدة الثورات العريية في المشرق العربي ومغربه ، فقد باركتها الشعوب الصغيرة المضطهدة ، وتغنى بها الكتاب والشعراء ، وقال شوقي في الدم الزكي العربي ، الذي يسفكه المستعمر في سورية، ظلما وعدوانا :

دم الثوار تعرفه فرنسة            وتعلم أنه نور وحق

 

الشعب كله يحارب :

هذا وقد اندفع ابناء الشعب في مقاومة المستعمر المحتل : الشبان منهم والرجال ، النساء والاطفال ، في المدن والقرى ، في السهول والجبال ، وكانوا يحاربونه بالحجارة والبنادق القديمة والسيوف والخناجر ،بينما كان يحاربهم بقوات عسكرية منظمة ومجهزة بالمدافع والطائرات والمصفحات ، وبرغم هذا التفوق الكبير ، فقد أصيب بهزائم عديدة على أيدي مجموعات صغيرة من المناضلين المؤمنين .

وكم من معركة نشبت بين عشرات من المجاهدين ، وبين قوات تفوقها خمسين مرة عددا وعدة ، وكم من فتى كان يقفز على الدبابة ، وهي تطلق نارها ، حتى اذا بلغ برجها ، قتل من فيها ، اما بطعنة خنجر ، أو بطلقة رصاصة . وهناك من صور البطولات ، الكثير الكثير .

فرنسة تجنح للتفاهم :

لقد ضج لعالم بأبناء الثورة السورية ، فحاولت فرنسة التفاهم مع قادة الثورة ، فسحبت الجنرال (ساراي) المفوض السامي من منصبه ، بعد أن زاد الثورة اشتعالا بسبب حمقه وطيشه ، وعينت مكانه المسيو (دي جوفنيل) ، وكان هذا من رجال السياسة في فرنسة ، فجاء في سنة 1926 الى سورية و لبنان ، حاملا غصن الزيتون.

وقبل وصوله الى بيروت ، زار القاهرة واجتمع فيها بعدد من زعماء الثورة ، منهم : الدكتور عبد الرحمن شهبندر ، وشكري القوتلي ، وشكيب ارسلان ، وميشال لطف الله ، ثم جاء الى دمشق ، فاجتمع ايضا بعدد من الزعماء الوطنيين ، منهم : فارس الخوري ، فوزي الغزي ، وجميل مردم ، وحسني البرازي ، وعفيف الصلح ، ولطفي الحفار .

وعين المسيو دي جوفنيل ، الداماد أحمد نامي بك (رئيسا ) للدولة السورية ، وشكل وزارة برئاسته ، اشترك فيها عدد من الزعماء الوطنيين .. وسلم جوفنيل بمطالب الثورة ، واعتبر أكثرها معقولا ، وكاد ان ينجح في مهمته ، لولا ان الجاح العسكري الفرنسي المتطرف ، فاز في تلك الفترة بالذات بالانتخابات الفرنسية ، فعاد عنصر التطرف الى السيطرة على السياسة الفرنسية ، وقضى ذلك بسحب دو جوفنيل ، وتعيين المسيو دي (مارتيل) مكانه ، وعاد الثوار الى نشاطهم ، وعادت فرنسة الى الحرب .

انتهاء الثورة السورية :

بعد ان اشرفت الثورة على نهاية السنة الثانية ، كبر على فرنسة أن تصاب سمعتها العسكرية ، بنكسات مهينة في سورية ، فجهزت جيشا نيف على الثمانين ألفا ، زحف بشكل كماشة على غوطة دمشق ، التي بقيت المعقل الاخير من معاقل الثورة ، وأطبق عليها وتمكن من احتلالها بعد معارك ضارية ، خسر فيها الكثير من ضباطه وجنوده ومعداته ، وانتهت الثورة السورية ،كأشرف ثورة اندفاعا وتضحية ، وسيلة وهدفا ، سيرة وسلوكا.

وقد كتب عنها قائدها سلطان باشا الاطرش ، سلسلة حلقات من مذكراته ، نشرتها احدى الصحف اللبنانية -قبل ثلاثة أعوام-

وقد وصف المعارك ، التي خاضها المجاهدون من أبناء هذا الشعب ، وصفا دقيقا ، يرفع رأس سورية عاليا الى الابد ، لان البطولات التي سجلها المناضلون السوريون ، لم يسجل مثلها الا في صدر الاسلام ، حين كان الايمان وحده ، هو الذي يملي النصر ، ويحقق الفتوحات .

جذوة الايمان لم تخمد :

ولنعد الآن الى ماحدث بعد انتهاء الثورة السورية ، ففرنسة بجيشها الكبير وباسلحتها المتفوقة ، قد أخمدت الثورة ، لكنها في الواقع لم تخمد جذوة النضال والانقضاض في نفوس السوريين ، فالاضرابات والمظاهرات ، قد استؤنفت في المدن السورية ، وكان حرب الشوارع والازقة بين قواتها وجماهير الشعب ، يرهقها كثيرا ، فلا تكاد تتغلب على مظاهرة في أحد الشوارع ، حتى تفاجأ بعشر مظاهرات غيرها في عشرة شوارع أخرى ، وكان قمة الاضرابات ، الاضراب الستيني سنة 1936 .

فقد اعبترته الصحافة العاليمة ومنها الفرنسية ، انه أروع عمل سلبي ضد المحتمل الغاصب ، لم يعرف تاريخ الشعوب المماضلة له مثيلا .

فسورية من أقصى الحدود الى أقصاها ، أضربت عن جميع أعمالها ، اضرابا عاما شاملا ، استمر ستين يوما ، كانت المقابر في كل يوم منها ، تستقبل العديد من الشهداء ، وغصت السجون بالمناضلين ، واكتظت المستشفيات بالجرحى ، وتعطلت مرافق الحياة اطلاقا ، وتأثرت اقتصاديا البلدان المجاورة ، ولاسيما لبنان بالاضراب القاهر .

وعبثا ، حاولت قوات المحتل اعادة البلاد الى حياتها الطبيعية ، مما حمل المفوض السامي دي مارتيل على التراجع عن عتوه وغروره ، فوجه الى الشعب السوري نداء ، استهله بقوله : ” انني لأنحني احتراما وتقديرا أمام وطنية السوريين ” ، ودعا فيه الزعماء الوطنيين ، قادة الشعب المناضل ، للسفر الى باريس لاجراء مفاوضات مع حكومتها ، تستهدف عقد معاهدة ، بدلا عن الانتداب ، تمنح سورية بموجبها الاستقلال التام .

فاستجاب الزعماء الوطنييون ، وأرسلوا وفدا الى باريس برئاسة قلعة الوطنية الصامدة – كما كان يطلق عليه أخوانه – الرئيس هاشم الأتاسي ، وجرت المفاوضات وكادت أن تمنح فرنسة ، سورية أكثر مطالبها ، لولا أن صلف المستعمرين العسكريين في فرنسة ، حال دون ذلك ، فعاد الوفد الى سورية ، وتجددت الاضرابات والصراعات الدامية ، واستمرت أعواما ، أعلنت خلالها الحرب العالمية الثانية ، وحلت الهزيمة بالقوات الفرنسية الفيشية في سورية ولبنان ، واحتلتهما الجيوش البريطانية والقوات الفرنسية بقيادة الجنرال ديغول .

وواجهت سورية في  أعقاب نهاية الحرب مباشرة ، اصرارا من فرنسة الديغولية على عقد معاهدة بينها وبين سورية ، يكون لفرنسة بموجبها ، مركزا ممتازا في القطر السوري، فرفض الرئيس السوري واعضاء حكومته ذلك.

وأدى الخلاف بين فرنسة وسورية ، الى نشوب معارك دامية ، تخللها قصف دمشق وحماة بقنابل المدافع والطائرات ، علما بأن دمشق قصفت مرتين : الأولى بأمر الجنرال ساراي سنة 1925 ، والثانية بأمر مندوب فرنسة الكولونيل أوليفه (روجه ) سنة 1945 ، كما تخلل تلك الفترة الدامية ، زحف القوات الباغية على مبنى مجلس النواب السوري ، وذبح أفراد حاشيته بوحشية بالغة ، وكانوا كلهم من رجال الدرك السوري .

وأخيرا انتصرت سورية :

كان هذا الصراع حاسما بين سورية وفرنسة الديغولية ، فقد أصيبت هذه بفشل ذريع على الصعيدين العربي والدولي ، وكان ذلك بفضل وطنية الشعب وتضحياته ، وصمود الرئيس شكري القوتلي ، الذي كافأه الله على اخلاصه ، أنه حقق نعمة الجلاء على عهده ، وقرنها باسمه ، وقد ظفرت سورية بالاستقلال ، واعترف به دوليا.

وبدأت قوات الاحتلال الفرنسية الانسحاب من جميع الاراضي السورية ، وما أطل السابع عشر من نيسان لسنة ألف وتسعمائة وست وأربعين ، الا وقد تحقق الجلاء كاملا ، فكان يوما أغر ، بزغت فيه شمس النصر والحرية والاستقلال على قطرنا العربي السوري ، وعمت الفرحة الكبرى البلاد ، حواضر وأريافا ، واستمرت المهرجانات والأفراح الشعبية والرسمية ، أياما تجاوزت الأسابيع ، وأعلنت الدولة هذا اليوم المحجل ، عيدا قوميا ، تحتفل سورية ، بذكراه كل عام رسميا ، وشعبيا .

حقائق وعبر من شريط الاحداث :

واذا كان لي من قول اختم به حديثنا عن عيد الجلاء ، فهو ان المدقق في شريط الاحداث ، التي صنعت هذا العيد ، يستخلص منها طائفة من الحقائق والعبر ، لعل أبرزها ما ألخصه بالنقاط التالية :

اولا – ان الصهيونية العالمية ، هي التي خلعت السلطان عبد الحميد عن عرشه بواسطة من اشترتهم من أعضاء حزب الاتحاد و الترقي ، انتقاما منه لرفضه منح اليهود بعض الاراضي في فلسطين .

ثانيا – ان موقف السلطان عبد الحميد عن اغراءات الصهيونية ، كان مشرفا ، وقد ذهب مع عرشه ضحية له ، كما أن الحسن بن علي ، كان مع عرشه ، الضحية الثانية ، بسبب رفضه الاعتراف بأي حق لليهود في فلسطين ، وبتحريض الصهيونية ودسائسها ، كافأه حلفاؤه على انضمامه اليهم في الحرب العالمية الأولى ، بنفيه الى قبرص ، حيث مات مقهورا محسورا .

ثالثا – بدافع من الصهيونية العالمية ، أساء حزب الاتحاد والترقي الحاكم ، معاملة العرب ، وأمعن في ظلمهم والتنكيل باحرارهم ، فثار العرب على الاتحاديين الحاكمين ، وليس على الدولة العثمانية ، ولا على الخليفة السلطان ، خلافا لما روجه الاتحاديون ، وتأثر به بعض الناس ، وبقي أثره عالقا في نفوسهم ، وهذا خطأ تاريخي ، يجب تصحيحه.

رابع – ان تنكر الحلفاء للوعود التي قطعوها للعرب في أثناء الحرب العالمية الاولى ، كانت وستبقى درسا قاسيا للدول والشعوب الصغيرة ، تعلمت منها وتتعلم أن الدول الكبيرة لا عهد لها ولا وفاء ، وهي في الواقع دول مصالح ومؤامرات ، وأطماع ومخططات ، وليست دول مبادئ ومعهود ومواثيق ، وأخلاق .

خامسا – ان اهتمام العرب عامة وسورية خاصة بفلسطين ، لم يبدأ سنة 1948 ، بل بدأ منذ وعد بلفور سنة 1917 ، وكانت سورية تعتبر فلسطين جزءها الجنوبي ، بدليل ما أعلنه الدكتور عبد الرحمن شهبندر وزير الخارجية سنة 1920 أمام المؤتمر السوري ،بأن سورية ترفض منح اليهود وطنا قوميا في فلسطين ، ومعنى هذا أن نيفا وستين عاما ، مضت على اهتمام العرب بفلسطين العزيزة ، وسيمضون في نضالهم من أجل تحريرها ، الى أن تعود الى أهلها بالذات ، باذن الله .

العدو هو العدو بعد 78 عاما :

سادسا – مع الذكرى الاولى لعيد الجلاء السوري وللايام المماثله له في الاقطار العربي ، خرج أعداء العرب من الابواب ، وعادوا من النوافذ ، وشنوها حربا مدمرة على الاخلاق العربية السليمة ، التي هي العمود الفقري لحياة كل شعب حر ، فزرعوا بذور التفرقة والبغضاء بين ابناء الامة العربية الواحدة ، وحطموا بمعاول الاغراء وسموم الافلام ، ما عجزوا عن تحطيمه بالدبابات والطائرات .

وليس هذا الذي نراه في الساحة العربية من خلافات عربية تدمع لها العين حزنا وحسرة ، الا نتيجة طبيعية لما تفعله الطوابير الخامسة الصهيوينة بيننا ، فهي التي اشعلت نار الحرب الاهلية في لبنان ، وهي التي قتلت من اخواننا القادة الفلسطينيين (أبا داود ، وكمال ناصر ) واخوانهما الشهداء ، في عقر دارهم في بيروت ، وهي التي تصول وتجول ، واضعة ألغام الموجدة والخلاف ، تحت أقدام كل تضامن عربي ، معتمدة على هذا السلاح الفتاك ، قبل اعتمادها على سلاح الجيوش ، في ميادين القتال .

سابعا وختاما – ان عيد الجلاء ، يبقى على جبين الدهر منارا هاديا ، لجميع العرب ، ينير لهم دروب المستقبل المفروشة بالاشواك والعقبات ، ويذكرهم بان عدوهم في سنة 1900 ، هو عدوهم بالذات في سنة 1978 .. فهو الذي خلع السلطان عبد الحميد ، وهو الذي أوقد نار الخلاف بين العرب والاتراك ،وهو الذي ساهم بدسائسه في تحطيم الدولة العثمانية … وهو الذي ساوم بريطانيا خلال العالمية الاولى على جعل وعد بلفور ، ثمنا لحمل امريكا على دخول الحرب الى جانبهم ، وقد نجحت المساومة … وهو الذي ينظر الآن الى العرب ، نظرة الضاحك في سره على خلافاتهم ، منصرفا الى اعداد المزيد من المؤمرات والمكائد ، التي تزيدهم شقاقا وانقساما .

عيد الجلاء يدعو العرب الى التضامن العملي :

ان عيد الجلاء ، يذكر العرب بهذا كله ، ويدعوهم أول مايدعوهم ، الى الاعتماد على السلاح الذي اعتمد عليه أولئك الابطال الاحياء منهم والشهداء ، الذين حققوا الاستقلال لاوطانهم … فقد كان سلاحهم الاعتماد على الله والاعتصام بحبله اولا .. وبالتالي الايمان العامر بحق وطنهم عليه ، وكان هذا سبيلهم الى التضمان والتماسك ، واشاعة روح الاخوة والمحبة ، ونكران الذات بينهم ، والتحلي بالصدق و الاخلاص ، و الأباء و الوفاء ، وتجنب الخداع والتفاق ، الى ان نصرهم الله ، وأعز بهم شعوبهم ، وبلادهم .

الى هذا يدعونا عيد الجلاء ، ونحن في رحاب الاحتفال بذكراه الثانية والثلاثين ، فنرجو ان نلبي نحن العرب ، كل العرب ، ولاسيما الحكام منا نداءه ، ونستمد من أرواح من قضوا في سبيله ، مزيدا من مناعة الخلق والضمير ، حتى اذا حاسبنا أنفسنا ، حكاما وشعوبا وافرادا ، وضعنا أصابعنا على مكمن العلة في نفوسنا ، فعالجناها بايمان المؤمنين ، وصبر الصابرين ، واخلاص المجاهدين ، وتسابقنا الى التضامن العملي ، الذي بدونه لا يكتب لنا النصر على اعدائنا ، وفي حالة كهذه لا سمح الله ، لا نستطيع القول والادعاء ، انه لا تزال فينا نفحات من سيرة اخلاق وبطولات أبي بكر ، وعمر ، وعلي ، وخالد ، وابي عبيدة ، وصلاح الدين ، ومن اقتفى أثرهم ، وسار على غرارهم من المجاهدين الصادقين ، ” وقل اعملوا ، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ” .

… و السلام عليكم ، بدءا ، و وسطا ، وختاما.