aren

عوامل الضعف في الثورة اللبنانية الجارية \\ كتابة : جهاد الزين
الثلاثاء - 24 - ديسمبر - 2019

loubnanyantafed

أظن جاء وقت الحديث عن ضعف الثورة أو الانتفاضة المدنية التي يشهدها لبنان منذ أسابيع (17 تشرين الأول).

1 – أظهرت الأحداث قدرة الطبقة السياسية على استنفار الشارع الطائفي بسرعة البرق. كما السَحَرة البارعون، يخطف الرموز الطائفيون الشارع نفسه غير الطائفي (غير الطائفي عِبْر الثورة) ويحوِّلونه إلى طائفي عصبي غاضب. ظهر ذلك في الأسابيع الثورية الماضية مع الاستنفار الشيعي الميليشيوي المنظّم طبعاً، ثم مع الاستنفار السنّي “نصف” المنظّم، وبينهما إرهاص الاستنفار الدرزي مع مقتل الشاب المغدور ضحية حادث خلدة. وطبعاً يا ويل اللعب مع المشاعر المسيحية كما في غزوة شارع مونو التي جرى ضبطها، لكني شاهدتُ وسمعتُ من حيث أقيم حاليا في كسروان، بسبب حالتي الصحية، مدى أصداء الاستنكار الجاهزة للانفجار كغيرها بعد استفزازات مونو والرينغ. خذ مثلاً طرابلس التي “نَسِيَتْ” استنفارَها الطائفي على مدى سنوات طويلة، نَسِيَتْ ذلك في أيام الثورة الأوائل وبدا كأنها وضعت وراءها تلك المشاعر، كانت تُستنفَر بسرعة شديدة بل في لحظة واحدة، أمام ما تعتبره استفزازا طائفيّا لها.

هذا عامل ضعف للثورة لا علاج له!

2- قوة الثورة الباهرة سلمياً هي في ضعفها الدفاعي. أعرف أن هذه ملاحظة خطرة ثورياً أي مدنياً. فماذا نريد، وأنا بينهم أسأل وأسائل نفسي، هل نطلب أن يشكِّل الثوار ولاسيما نخبهم الطليعية من شبابِ الجامعات ميليشياتٍ قتالية للدفاع عن أنفسهم ضد الميليشيا الطائفية المهاجِمة كما كان (لا) يحدث في غزوات ساحة رياض الصلح؟ الطريف أنه حصل أحياناً في بعض المناطق كما في الأشرفية و(مفرق) النبطية أن اضطر المعتصمون للدفاع عن أنفسهم. لكن هذا استثناء يؤكِّد القاعدة. وهي أن الثورة مكشوفة على هذا الصعيد.

هذا عامل ضعف للثورة لا علاج له.

3 – لا قيادة للثورة. هذا أيضا، أي تشكيل قيادة معلَنة لها تدخل الصراع السياسي علناً أمرٌ مستحيل، وإذا كان غير مستحيل، فلا يجب أن يحصل لأن ذلك لا يُعرِّض الثورة، حتى في فترة انكفائها الشارعي، إلى انفجار تناقضات وحساسيات بل وعنعنات قد تقضي على صفائها الاعتراضي. الذي يحصل عمليا، وهذا شكل من التفاعل القيادي، هو ظهور أو بروز أسماء قيادية يجري أخذها بعين الاعتبار السياسي. وهذا البروز هو بديل ممكن ومقبول من التورط الثوري في ادعاء وجود قيادة محددة. وعلى بعض القوى السياسية الراديكالية والمهمّشة سياسياً، المنخرطة فيها، أن تحاذر حصول أي تورُّط قيادي إذا جاز التعبير.

هذا أيضا عاملُ ضعف للثورة لا علاج له ولا ينبغي أن يكون له علاج!

4 – هناك ادعاء سائد يروّجه بعض الطبقة السياسية أن شعارات الثورة كثيرة ومتعددة وغير مركّزة. هذا غير صحيح. فقد يكون إجماع المتظاهرين (السلميين، عدا أخطاء فجاجة قطع الطرقات)، على شعار ليس فقط مكافحة الفساد بل معاقبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة… هذا الإجماع يؤكّد أن للثورة شعاراً رئيسياً قابلاً للتطبيق وهو معاقبة الفساد الذي يحمل معناه الجوهري شعار “كِلُّنْ يعني كِلُّنْ”.

هذه نقطة قوة محرِجة ومربكة كثيراً للطبقة السياسية. وهي تصلح للضغط المتواصل. وعلى الثوار أن يقولوا للأميركيين: بما أنكم تعلنون دعمكم لهذه الثورة فعليكم أن تساعدوا على فتح جدّي لملفات الأموال المهرّبة. ومقدرة حكومة الولايات المتحدة الأميركية ضخمة ومجرّبة في فرض فتح (أي فضح) هذا النوع من الملفات عندما تقرِّر.

ضعف الثورة ظهر في عدم مقدرتها على إحداث تغيير شامل في الحياة السياسية. خصوصاً إذا نجحت الطبقة السياسية في جرِّ البلد وجرِّها إلى الصراع الطائفي أو المذهبي. فـ”وجبة” الطبقة السياسية “كريمة” حين تخيّرنا بين صراع إسلامي – مسيحي أو سني – شيعي وتوابعهما. بل لنلاحظ كيف تورّط البعض في التسرّع بالانخراط في تهشيم حسان دياب دون الانتباه إلى أنهم بذلك يلعبون لعبة النظام الطائفي نفسها.

لكن الإنصاف يقتضي القول إن الثورة فرضت خطاباً جديداً على الحياة السياسية وصار 17 تشرين الأول نقطة انعطاف في هذا الخطاب. وحين نقول إن هذه الثورة نقطة انعطاف في خطاب الحياة السياسية فهي تعني أنها وضعت الطبقة السياسية في حالة انكشاف فضائحي لا سابق لها. تسمية رئيس الوزراء الجديد وحكومته المنتَظرة علامتان في هذا السياق. الطريف والجديد والمهم حالياً أن رئيس وزرائنا المكلّف يحظى علناً بدعم الأميركيين و”حزب الله” معاً، بل الأدق القول إن رئيس وزرائنا الحالي هو “أميركي ثقافيا وسياسياً” (وهاتان صفتان لا تضيران!) بدعم واختيار “حزب الله”.

وهذه من “الأعاجيب” التي فرضتها الثورة، أكاد أقول:

إنها قوةُ ضعفِ الثورة.

لهذه الثورة قوة أخلاقية بالأساس فرضها شبه الإجماع التوحيدي للمشاركين فيها من مختلف المناطق ( تحت الشعار الأساسي الواحد). وهذه قوة سلبية، أي مؤثِّرة لا متحكِّمة في الحياة السياسية. المهم الآن أن لا يكون التأثير خطابياً فقط.

أنا أقترح أن تتبنى الثورة مطلب (الإفراج ضمن برنامج) عن أموال المودعين في المصارف وهو الحدث الجلَل الطارئ خلال الثورة. فبعض الإحصاءات تشير، وهذا منطقي، إلى أن عدد الحسابات المصرفية يتجاوز المليون وسبعمائة ألف حساب. في هذه الحالة ماذا يبقى من الشعب اللبناني الذي هو شعب يودع في المصارف ولو مدَّخراته القليلة! وماذا بقي من متظاهري الثورة التي هي ثورة بقيادة “مودعين” في المصارف لحسابات مالية صغيرة من شرائح الطبقة الوسطى استطاعوا ان يحركوا مدّاً شعبياً من الطبقتين الوسطى والفقيرة.

عاشت الثورة. ليسقط الفساد. لتتحرّر أموال المودعين.

“النهار”اللبنانية