aren

عن «تفكّك» حركة النهضة التونسية.. وأُفول نجم «شيخِها» \\ كتابة : د. محمد خروب
الإثنين - 27 - سبتمبر - 2021

فيما ترتفع سخونة المشهد التونسي خاصة بعد شهرين من الصدمة الإيجابية التي أحدثتها قرارات الرئيس قيس سعيّد في 25 تموز الماضي، بتعليق عمل مجلس النواب ورفع الحصانة عن أعضائه, إضافة إلى إعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي، وما تلتها من قرارات كان أخطرها وأكثرها مدعاة للقلق قراره الأخير تكليف «نفسه» المهمة التي تنهض بها السلطتان التنفيذية والتشريعية, وعدم تسميته حتّى الآن رئيساً جديداً للحكومة (وعدَ بأن يتمّ قبل 25/8 الفائت).. ما رفعَ منسوب القلق والاستقطاب في الساحة التونسية, التي تجلّت ضمن أمور أخرى في البيان اللاف? والساخن الذي أصدره الاتّحاد التونسي للشغل, بكلّ ما يمثله وما له من وزن في الفضاء التونسي, عندما حذّر من مخاطر حصر السلطات في يد رئيس الجمهورية، مُعتبراً (الاتّحاد) أنّ «احتكار سعيّد لتعديل الدستور والقانون الانتخابي خطر على الديمقراطية».

نقول: في خضمّ هذا المشهد المتوتر والمفتوح على احتمالات شتّى، برزت إلى سطح التطورات المتلاحقة استقالةَ كوكبة مئوية ثانية، جُلّها قيادات وكوادر رفيعة من حركة النهضة التي ازدادت تمزّقاً وتفككاً, في ظلّ تعنّت رئيسها المُحتكم بأموالها وقرارها والقابض على قيادتها منذ أكثر من أربعة عقود, دونما رغبة بالاعتزال أو قبول رئاسة شرفية (كمرشدٍ روحي). وكان آخر قراراته بعد إعفاء/طرد كلّ أعضاء مكتبها السياسي, هو تشكيل مكتب سياسي جديد لا يضمّ أحداً من المُعارضين/المشاغبين, ظناً منه أنّه سيضمن أغلبية تبصم على قراراته بانتظار ?دوث تحوّل ما قبل حلول موعد المؤتمر العام للحركة، الذي طال انتظاره بعد أن عطّله الغنوشي مرات عدة.

وإذ يصعب تجاوز الهزّة التي أحدثتها استقالة هذه الكوكبة المئوية وفيها قيادات وكوادر ثقيلة الوزن والتأثير، خاصّة ما رافقها من ردود أفعال وتعليقات، وما أدلى به المُستقيلون من تصريحات, تُعلن قطيعة نهائية مع الحركة ورئيسها ونهجها الانتهازي والطابع الاستبدادي والفردي الذي كرّسه الغنوشي في صفوفها، في الوقت نفسه الذي برزت فيه مؤشرات على أنّ استقالات أخرى في طريقها إلى الحدوث، مضافاً إليها تلميحات بأنّ المُستقيلين في صددِ إنشاء حزب/أحزاب جديدة، لن تكون إسلاموياً على نهج الغنوشي وتحالفاته وارتباطاته الخارجية، فإنّ م? الضروري الآن التوقف عند «نموذجيْن» من ردود أفعال بطانة الغنوشي نفسه، حيث تنطّع للرد على المُستقيلين «صِهر» الغنوشي.. رفيق عبد السلام، الذي أنزله بالباراشوت وزيراً للخارجية في حكومة حمادي الجبالي أواخر العام 2011 (24/12), والذي انعقد أثناء ترؤوسه وزارة الخارجية (كان منصف المرزوقي رئيساً لتونس) مؤتمر «أصدقاء سوريا لمساندة الثورة السورية», بدعم وتمويل ومساندة من الدول الغربية وبعض العربية, التي لم تُخفِ تسليحها ودعمها وتدريبها وتمويلها كل مجاميع الإرهاب, التي عاثت في سوريا قتلاً ودماراً وتخريباً ولم تكن صدفة?أن المرزوقي كما محمد مرسي في مصر كانا يَدعوان إلى «الجهاد» في سوريا فيما غابت فلسطين عن أجندتهما تماماً.

قال رفيق عبد السلام فيما يشبه حديث وُعّاظ السلاطين.. في محاولة لإخفاء حال الارتباك والصدمة التي تعيشها حركته وشيخها: «إنّ استقالة العشرات من أبناء حركة النهضة جاءت في التوقيت الخطأ، ويبعث – أضاف – برسالة خاطئة إلى التونسيين, الذين يستعدون لتجمّع شعبي حاشد ضدّ الانقلاب على الدستور».. وهو هنا يريد إبعاد الأنظار عن السبب الرئيس والجوهري للاستقالات هذه والموجّهة في الأساس إلى «عمّه الشيخ وبطانته»..

ثمّ يتحفنا الأستاذ رفيق بتفسير مُرسَلٍ آخر للخطوة التي أقدمَ عليها نحو مئة من قياديي وأعضاء الحركة: الاستقالة.. (طبيعية بل وضرورية، لأنّها – يضيف – ستحسِم التمّوقعات التي عطّلت حركتنا لفترة طويلة من الزمن). وكأنّي به يحمّل هؤلاء مسؤولية نهج الخراب والتفرّد الذي قاده الغنوشي, مُوصلاً الحركة إلى مأزقها الراهن على نحو عاشت فيه خصوصاً منذ 25 تموز الماضي في عزلة جماهيرية وسياسية كاملة, ولم تجد من يتحالف معها أو يدعوها للمشاركة في أي شكل من أشكال العمل الحزبي الجبهوي حتّى لمقارعة الرئيس سعيّد والاحتجاج على قرارا?ه, بل إن تجمعات ومسيرات الأحزاب المعارضة للرئيس سعيّد كانت تهتف ضدّ النهضة وتحالفاتها الانتهازية, التي أسهمت في إفقار التوانسة وسوء أحوالهم وفقدانهم أعمالهم وارتفاع الأسعار ونِسب البطالة.

ثمّة تفسير آخر للاستقالة تبنّاه المفكر والفيلسوف التونسي أبو يعرب المرزوقي, القريب جداً من حركة النهضة في مقالة نشرها في يومية العربي الجديد 25/9 تحت عنوان: استقالة المائة.. لصالح مَن؟ جاء فيها: «ها هم (يقصد من استقالوا).. يتحرّكون مع انقلاب الدمية (المقصود قيس سعيّد) ولصالحه, بإضعاف الحركة (الوحيدة) التي يمكن أن (تَصيح) به جماهيرياً إذا توحّدت.. لكأنهم -يُضيف- يريدون مصير الغنوشي على الأقل بالإهانة (جنسياً/ لمصير بورقيبة».

 فـَ«تأمّلوا».

“الرأي”الأردنية