aren

عن المصادفة،.. والمصير \\ بقلم: محمد كامل الخطيب
الإثنين - 7 - يونيو - 2021

  – 1 –

 – أننا نصير الى ما نصبو أليه –

بينما كنت ، ذات يوم من عام – 1977  – ، أتسكع على غير غاية ، في منطقة الروضة في دمشق ، صادفت الشاعر حامد بدرخان ، وكنت قد تعرفت إليه ،   وقامت بيننا صداقة قوية عندما أديت خدمتي العسكرية في حلب ، فقال لي أنه ذاهب في زيارة إلى صديقه الأستاذ – حنا مينه – في وزارة الثقافة القريبة ،  – ولم أكن أعرف الاستاذ  شخصيا –  وعرض علي الأستاذ حامد  أن أرافقه في الزيارة ، على أن نذهب بعدها ، إلى مقهى الروضة ، وبعدها نذهب إلى  الغداء الذي دعوته أليه في مطعم – أبي العز – في دمشق القديمة  في الحميدية ،  وقد سبق أن تسكعنا ، كثيرا ، معا  بهذه الطريقة في حلب القديمة .

في مكتب الاستاذ حنا ، في مديرية التأليف والترجمة ، قابلت الدكتورة نجاح العطار ، مديرة الدائرة ، ولم أكن أعرفها شخصيا ،

وأثناء الحديث سألتني الدكتورة عن الأحوال في جريدة – الثورة – التي كنت أكتب بها منذ زمن من طرطوس وحلب ، و داومت فيها  ، فيما بعد ، مدة شهرين عام –  1976 – بناء على أني سأعمل فيها بناء على دعوة الاستاذ – أحمد إسكندر أحمد – رئيس تحرير الجريدة لي للعمل عندما كنت اؤدي الخدمة ، فقد صدف أن رأيت الاستاذ احمد وانا أزور الاستاذ محمد عمران ذات اجازة من الجيش في حلب ، واقترح ندبي من الجيش إلى الجريدة  فورا  ، وهاكم التفاصيل الطريفة التالية:

عندما اعتذرت عن تلبية دعوة الأستاذ أحمد بندبي من الجيش إلى الجريدة ، بأني أحب مدينة حلب في حلب ، وأحب أن أبقى فيها طوال مدة الخدمة العسكرية ، أجاب

 – في كل الأحوال اعتبر نفسك من العاملين في الجريدة ، و بابها مفتوح لك عندما تتسرح .

  عندما تسرحت ، وكنت قد قطعت علاقتي المادية مع أهلي ، فكرت في  أن اعمل فترة من الزمن لجمع تكاليف السفر إلى باريس للدراسة ، بعد أكثر من عامين كنت خلالهما أكتب في الجريدة أسبوعيا ، تقريبا ، و أزورها عندما أذهب الى دمشق في  الإجازات ،  ذهبت إلى الجريدة ، وكان الأستاذ أحمد قد صار وزيرا للإعلام ، وقابلت رئيس التحرير الذي حل محل الاستاذ أحمد مديرا عاما للجريدة  ، ولم أكن أعرفه شخصيا ، وكان هو يكتب أيضا في الجريدة ، أحيانا ، و حدثته عن العمل في الجريدة ، فرحب بي وقال أنني عرف كتاباتك جيدا ، وأثنى عليها ، وقال أنهم يعتبرونني من كتاب الجريدة منذ زمن وطويل و،، و،و ،،،وتفضل داوم غدا بانتظار أجراء معاملة – عقد العمل – .

محمد عمران

..وفعلا التحقت في اليوم التالي في القسم الثقافي الذي كان يرأسه أستاذي في المرحلة الثانوية ، الأستاذ الشاعر محمد عمران – الذي كان من أوائل من رعى هوايتي الأدبية ، ومهد لي الدرب الثقافي الذي سرت فيه ، ومن هنا فله علي أفضال لا تكفي كلمات الشكر على وفائها.

بقيت شهرين أعمال في القسم –  الثقافي للجريدة – على القطعة – و خلالها لاحظت أن هناك مماطلة وتسويفا في إبرام العقد ، في حين أبرم العقد مع زميل آخر أتى بعدي بشهر ، وعندها طلبت مقابلة رئيس التحرير – المدير العام – ، وعندما سألته عن موضوع العقد أجابني

– يجب أن تقابل السيد الوزير .

فأجبته  بالحرف الواحد

 – لن أقابل أحدا غيرك .. أنت رب عمل ، وأنا طالب عمل ، هل هناك عمل أم لا ؟

.أعاد جوابه بأنني يجب أن أقابل الوزير . عندها خرجت من مكتبه ، وكنت على علم ببعض الشائعات عني في الجريدة بأنهم يقولون عني أنني – شيوعي – ، وعدت إلى طرطوس ، وبدأت في التحضير لتحقيق حلمي في الحياة أنذاك

 الذهاب إلى باريس للدراسة والعيش –

 عشت ،  بعد هذا الحادث ، أحلى عامين من شبابي في التسكع في كل أنحاء سوريا ، والعيش عن طريق الكتابة اليومية في الجرائد والمجلات السورية اليومية  والاسبوعية .

نجاح العطار

نعود إلى إلى الدكتورة نجاح العطار وسؤالها لي عن الجريدة ، فقد أجبتها عن سؤالها وقتها

 – لا أعرف عن الجريدة شيئا ..فأنا لا أعمل هناك .

ثم أضفت ضاحكا

– قالوا عني أنني شيوعي ، ولم يقبلوا أن يبرموا لي عقدا .

أهدتني الدكتورة كتابا – عن حرب تشرين –  مشتركا  بينها  بين الأستاذ حنا مينه، بتوقيعهما،  وبعدها خرجت مع الاستاذ حامد إلى مقهى الروضة ، في مطعم ابي العزيز في دمشق القديمة ، و تابعنا تسكعنا ، وكأننا في ما نزال نتسكع  في حلب ، غير عارف ما تخبئه الأقدار والمصادفات لي من مسيرة ، والعيش في بلد كنت مصمم على مغادرته .

غدا ..ماذا حدث بعد ذلك  .

2 –

ألغيت قرار الذهاب ألى باريس ،  وعدت  من مصر التي ذهبت إليها بحرا عبر الإسكندرية بالطائرة الى دمشق ، بعد حادثة وقعت لي في القاهرة وتفصيلها

حضرت مسرحية في القاهرة ، وأخر الليل ،  وأنا عائد الى الفندق رأيت رجالا ونساء  ينبشون في صناديق القمامة في أحد الشوارع ، فصدمني المشهد – مصادفة مصيرية أخرى – ، وكانت أول مرة أراه فيها ، – والآن، – اعتدته حتى في سورية  – ،   إلى درجة أنني لم أنم الليل وأنا أفكر فيما رأيت ، وفي الصباح قررت العودة فورا إلى سورية ، وأنا أفكر بالشكل – المثالي الأخرق – التالي

 – كيف لي أن أذهب للعيش المنعم في أوربا ، وثمة أناس من الشعب العربي يبحثون في القمامة عن الطعام ؟!

… وهكذا إذا كنت قد – زعلت – من أمريكا عام – 1967 – ، فأنني في هذه في المرة – 1977 – قد – زعلت – على الشعب العربي ،  وهذا يعني أنني لم أكن  قد نضجت عاطفيا وعقليا حتى وقتها ، ولست متأكدا أنني قد نضجت حتى الآن .

 2 – وصلت إلى دمشق في الرابعة صباحا ، وفي التاسعة كنت – على باب وزارة الثقافة . قابلت الدكتورة نجاح العطار ، فقالت لي ما يلي

– مع الأسف الشديد ، بالأمس جاءنا تعميم من مجلس الوزراء  أنه لايجوز للوزير التعاقد مع حملة الشهادات العليا إلا بناءا على موافقة رئيس مجلس الوزراء ، ولكن انتظر مني خبرا خلال هذا الاسبوع لنرى ما يمكن عمله .

في هذا الوقت كان يقام مهرجان للمسرح العربي في دمشق ، فقررت البقاء في دمشق لمشاهدة. عروض المسرح  ، وفعلا بعد ثلاثة أيام جاءتني – دعوة على الغداء – في مطعم الوادي الأخضر،  وكانت على شرف المشاركين العرب في مهرجان المسرح ، وقد حملها الي – بندر عبدالحميد -.

 قبل الغداء ، في صالة المطعم ، أتى إلي المخرج المسرحي الاستاذ – محمود خضور – وقال لي

 – الوزيرة تريدك

 ذهبت إلى الوزيرة ، واذا بها تقف مع اللواء – عبدالرحمن خليفاوي – رئيس مجلس الوزراء ، قدمتني إليه،  ثم قالت

 أريد هذا الشاب للعمل في الوزارة ، ونحن نحتاجه .

حييتهما وانصرفت،  وبعد دقائق عاد الي الاستاذ محمود خضور ، وقال لي أن الوزيرة تريدك.

 ذهبت إلى الوزيرة فقالت لي

 – أبدأ منذ الغد في استخراج الأوراق اللازمة للتعاقد معك .

  كان من الأوراق المطلوبة للتعاقد  مع الوزارة ، وثيقة تثبت أن الشخص المعني – غير موظف في الدولة – ، وإذا بوثيقة الدولة تقول أنني موظف في الدولة ، وأنني مدرس لغة عربية في طرطوس،  وقد ترفعت درجتين .

خليفاوي

في البداية تفاجأت ، فأنا،  مثل اولاد بيئتي التجارية ،  لا نميل الى – التوظف – في الدولة ، ثم تذكرت ما حدث معي ، وعلى الأصح تذكرت ما فعلت ، وهذا هو

كنت في اللاذقية في دورة الإعداد العسكرية ، حيث الإجازات ممنوعة ،  وفي هذا الوقت أعلن عن مسابقة لاختيار مدرسين للغة العربية ، وعرفت أن صديقتي من الجامعة ، وكانت قد ذهبت للتدريس في الكويت ، ستأتي إلى دمشق للتقدم للمسابقة ، واتفقنا أن نلتقي في دمشق ، ولا سبيل  لأجازة وللقاء  معها أثناء الدورة ، إلا بإجازة طويلة ، لأسباب قوية ، وهكذا ولدت  في رأسي فكرة  التقدم للمسابقة ، و بحجة التقدم للمسابقة ، أخذت أجازة لاستكمال الأوراق المطلوبة ، وهكذا قابلت صديقتي ، وعلى هامش اللقاء مع الصديقة تقدمت للمسابقة ، وبعد أربع سنوات من هذا اللقاء والمسابقة ، كنت قد أصبحت مدرس لغة عربية في طرطوس ، وأنا أؤدي الخدمة العسكرية ، أو أتسكع في سورية ولبنان ،  وأهيئ نفسي للذهاب إلى باريس .

اقترحت الوزيرة علي الندب من وزارة التربية إلى وزارة الثقافة ، لكنني كنت أريد التعاقد المؤقت حتى أترك الباب مفتوحا لترك العمل متى رغبت ، والعودة إلى فكرة الذهاب إلى فرنسا . وفضلت خيار الاستقالة ،  ومن ثم التعاقد ، لكن المشكلة التي برزت ، أن وزارة التربية  كانت في ذروة مشاريعها للتوسع في التعليم الثانوي ، ولا تقبل  استقالة أي مدرس ، لا سيما إذا كان من مدرسي اللغة العربية ،

وقد تأخر العقد من شهر حزيران – – 77 – إلى أوائل – 78 – حتى قبلت استقالتي ، بعد أن أثبت،  بالوثائق أنني كنت في الجيش ، وأنني بعد أن تسرحت لم التحق بوزارة التربية ، ولم أتلق أية رواتب .

مقدسي

التحقت بالعمل قارئ مخطوطات مقدمة للنشر في مطبوعات مديرية التأليف والترجمة والنشر ، وكان مديرها – أنذاك – الأستاذ – أنطون مقدسي – ، وقد رحب بي هو وأعضاء المديرية الأخرون ، وكانوا  في أغلبهم ممن

 تجاوز الستين – بينما كنت في الثلاثين – ، وتسلموا مراكز هامة إدارية وسياسية في الدولة ، ومن المثقفين المسيسين المعروفين من  جيل الخمسينيات ، أمثال النائب السابق في البرلمان – 1954 – ، ومترجم  -بليخانوف وبولنتزاس – إلى اللغةالعربية ، -الأستاذ إحسان الحصني – والاستاذ  – علي الخش – السفير السابق في وزارة الخارجية ، والأمين العام للمجلس الأعلى لرعاية الأداب والعلوم الاجتماعية ، وبطبعة الحال الاستاذ – حنا مينة – المتعاقد مع الوزارة ، ومن العاملين في المديرية ….الخ.

رحب بي – الزملاء في العمل ، على الرغم من الفارق العمري الكبير بيننا ، وعلى أيديهم تدربت على العمل ، حتى أن الأستاذ – حنا مينة – قال لي بعد شهر

 – تعلمت المهنة سريعا  .

عملت بنشاط،  وإيقاع عمل أسرع من غيري ، إلى أن استدعتني الوزيرة ذات يوم ، وأطلعتني على الكتاب التالي الذي الذي أخرجته من – جزدانها – الشخصي 

— نطلب إليكم،  أنهاء عمل العامل لديكم محمد كامل الخطيب لأنه يشكل خطرا على أمن الدولة .

التوقيع – اللواء أركان حرب عدنان دباغ وزير الداخلية – –

 ابتسمت وقلت للوزيرة

– لا داعي للأحراج ، أو الخوف على العمل ، أنا من أسرة ميسورة ،  وحتى لا أحرجك فأنني أتقدم لك بطلب  انهاء العقد .

ابتسمت وهي تقول

 طالما أنا في هذا الوزارة، أنت في الوزارة ..  عد الى عملك …لا تهتم  .

ثم تناولت الرسالة الرسمية ، وأعادتها إلى حقيبتها الشخصية .

 -7 – بقيت – ذكرى – طريفة  جديرة بالذكر ، وهي أنني كنت ، أثناء الدراسة الجامعية في دمشق ، أسكن في حي – الشعلان – ، وقد اعتدت التجول ،  في غالب الليالي ، في الشوارع القريبة ، ومنها حيي – الروضة وأبي رمانة – واتنسم عبير الياسمين الدمشقي في هذه الشوارع ، وذات ليلة لفت نظري يافطة مكتوب عليها

 – وزارة الثقافة –

  وأذكر انه خطر لي الخاطر التالي

– هل سيتيح لي أن أعمل في هذا المكان ، إذا لم أستطع الذهاب إلى فرنسا ؟! –

والان أفكر 

 هل كانت هذه مجرد – مصادفة مصيرية – أخرى في حياتي ، صدف أن تحققت ، أم أننا حقا

– نصير الى ما نصبو أليه –

 في دواخلنا ، وبغض النظر عن أفكارنا الواعية وقراراتها .

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها