aren

عن المخاوف التركية من الاحتجاجات الإيرانية \\ كتابة : بشير عبد الفتاح
السبت - 6 - يناير - 2018

 

 

بعد صمت قلق وترقب مشوب بالحذر ألقيا بظلالهما على المسئولين الأتراك، حتى أضحت الاحتجاجات التى عمت عشرات المدن الإيرانية مؤخرا قاب قوسين أو أدنى من أن تضع أوزارها، خرجت أنقرة على العالم بموقف خجول وصادم فى آن حيال تلك الاحتجاجات، التى يبدو أنها أقضت مضاجعها.

حيث أعربت وزارة الخارجية التركية فى بيان لها عن «قلقها» إزاء الاحتجاجات التى اندلعت جراء الضائقة الاقتصادية وسياسات الحكومة، محذرة من مغبة أى تصعيد للاضطرابات، كما دعت إلى تغليب المنطق والحكمة وإيلاء أهمية قصوى للسلم الاجتماعى والاستقرار، وشددت على رفض أنقرة لأية تدخلات خارجية محرضة فى إيران، التى وصفها البيان بـ«الصديقة والشقيقة». وبدوره، هاتف الرئيس التركى نظيره الإيرانى مؤكدا مؤازرته التامة ومعربا عن أمله فى أن تتجاوز إيران هذه المحنة سريعا.

بادئ ذى بدء، يلاحظ على الموقف التركى الصادم والمثير، أنه جاء متأخرا بعض الشىء، بعدما أدركت الاحتجاجات الإيرانية يومها السادس، وشهدت مقتل 22 إيرانيا بين متظاهر وعسكرى وشرطى، فضلا عن مئات غير قليلة من المصابين والمعتقلين.

وبينما يمكن إرجاع التأخر فى إعلان الموقف التركى بهذا الصدد، إلى حسابات ومواءمات سياسية ليس أقلها إيثار التريث حتى تتضح ملامح المشهد الإيرانى، شأنه فى ذلك شأن مواقف أطراف إقليمية ودولية عديدة، إلا أن التصرف التركى لم يسلم من أعراض ارتباك وتخبط جراء المفاجأة.

وخلافا لموقفه السابق الداعم لما كان يعرف إعلاميا بـ«الربيع العربى» الذى اجتاح عددا من الدول العربية مطلع العام 2011، أبى الرئيس التركى، الذى استحضر نظرية المؤامرة فى جميع التظاهرات الاحتجاجية التركية التى اندلعت رفضا لسياساته، كما هجوم المعارضة وانتقاد بعض وسائل الإعلام غير الموالية له، ليرجعها إلى مؤامرات خارجية من تدبير جماعة فتح الله كولن وخصوم تركيا فى داخل المنطقة وخارجها، إلا التماهى مع المرشد الإيرانى فى تبنى سرديته الممجوجة بشأن المؤامرة الخارجية فى الاحتجاجات إيرانية. وبناء عليه.

انبرت الصحف التركية المحافظة فى تصدير أولى صفحاتها بالإعراب عن القلق البالغ إزاء الاحتجاجات الإيرانية، التى عبرت عنها صحيفة «ستار» على صفحتها الأولى بـ«اللعبة القذرة التى تتم حاليا فى إيران»، فيما أوردت صحيفة «ينى أكيت» أن «الغرب يقف وراء الفتنة فى إيران».

وبرغم أوجه الخلاف والتمايز العديدة بين الجارتين، خصوصا لجهة المستوى المقبول من الممارسة الديمقراطية القلقة وغير المستقرة لدى تركيا، أو ما يتصل بوضعها الاقتصادى المستقر نسبيا، فقد استبد قلق شديد بأردوغان جراء نقاط التلاقى العديدة بين حالة بلاده وإيران فى مواضع شتى، لعل أبرزها ذلك السمت الفسيفسائى الإثنى ذو الامتدادات الإقليمية، والذى تتسم به التركيبة المجتمعية لكلا البلدين، فيما لا يبدو قسط الديمقراطية القلق فى تركيا، ولا النهج الإيرانى الذى يمزج ما بين القمع المفرط وحملات التعبئة والدعاية المؤدلجة المتواصلة لاستجداء الالتئام والتوحد فى مواجهة مؤامرات الأعداء المتجددة ضد إيران وثورتها، كفيلين باستبقاء التعايش السلمى طويلا ما بين مكونات وأطياف ذلك الموزاييك الإثنى الملتهب.

وبقدر ما تتسع رقعة الرفض الشعبى للنظام الإيرانى الحالى، بدأت شعبية إردوغان تعانى انحسارا لافتا خلال الآونة الأخيرة، على نحو ما ظهر جليا فى مناسبات واستحقاقات سياسية بارزة ، من أشهرها تظاهرات «جيزى بارك : فى مايو من العام 2013، والتى تمخض عنف الشرطة فى التعاطى معها عن قتل ستة متظاهرين وإصابة الآلاف، عن تداعيات سلبية للغاية فيما يخص شعبية إردوغان، خصوصا بعدما طالب المتظاهرون، للمرة الأولى منذ العام 2002، بإسقاط النظام، فيما عمد إردوغان إلى اعتبار ما جرى مؤامرة دبرتها جماعة «خدمة» بزعامة، فتح الله كولن.

وجاءت نتائج الاستحقاق الرئاسى، الذى أجرى فى أغسطس 2014، وحصل خلاله إردوغان على 53.2 بالمائة فقط من الأصوات لتؤكد عدم رغبة قرابة نصف الأتراك فى أن يكون رئيسا لهم. كذلك، أظهر الاستحقاق البرلمانى، الذى أجرى فى شهر يونيو 2015، عجز حزب العدالة والتنمية، وللمرة الأولى منذ العام 2002، عن حسم الانتخابات لمصلحته بعدما حصل على 41% فقط من الأصوات، ليخسر بذلك الغالبية المطلقة التى تخوله تشكيل الحكومة منفردا.

وجاءت نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية فى إبريل الماضى، والتى تضمنت تعديل ثمانى عشرة مادة، أهمها تلك التى تضمن انتقال نظام الحكم من البرلمانى إلى الرئاسى، والتى تم تمريرها بنسبة 51% فقط من الأصوات، وبفارق لا يتعدى المليون صوت بين مؤيدى التعديلات ورافضيها، لتفجر تساؤلات مثيرة حول شرعية التعديلات، وشعبية إردوغان، الذى يتطلع بشغف بالغ إلى الفوز بالاستحقاقين البرلمانى والرئاسى المزمع إجراؤهما بالتزامن خلال العام المقبل، كيما يعلن تدشين الجمهورية التركية الثانية فى العام 1923.

وعلى خلفية المحاولة الانقلابية الفاشلة التى أقضت مضاجع إردوغان فى صيف العام 2016، والتى ساورته الشكوك بشأن تورط دول، يفترض أنها صديقة أو حليفة لبلاده فى تدبيرها، وقر فى ذهن الرئيس التركى يقين بأن ثمة مؤامرات تحاك ضده، ومشاريع قد أعدت للمنطقة بغية إعادة هندستها جيواستراتيجيا بما يستتبع عبثا بالوحدة الترابية واللحمة الوطنية لبعض دولها، بما فيها تركيا وإيران، ضمن سياق ما يمكن أن يطلق عليه مجازا «اتفاقية سايكس بيكو الثانية»، والتى تستدعى فى المخيال التركى معاهدة سيفر لعام 1920، التى قسمت الامبراطورية العثمانية وفرضت على الأتراك التخلى عن جميع الأراضى والبلدان التى يقطنها غير الناطقين باللغة التركية.

كما أتاحت للحلفاء الاستيلاء على أراض تركية، ومن بعدها معاهدة لوزان عام 1923، التى ألغت معاهدة سيفر وحلت محلها، وتم على إثرها تسوية وضع الأناضول والقسم الأوروبى من تركيا، ليعلن أتاتورك الجمهورية التركية الحديثة، التى اعترف بها العالم وريثة للإمبراطورية العثمانية.

ومن شأن التوتر الذى شاب علاقات أنقرة بمحيطها الإقليمى وحلفائها الغربيين خلال الآونة الأخيرة لأسباب شتى، يتصدرها تقاربهم المستفز مع أكراد المنطقة، والذى تزامن مع المآلات المفجعة التى آلت إليها دول «الربيع العربى» وانعكست أصداؤها السلبية على تركيا، أن تغذى مخاوف الرئيس التركى، المسكون بفوبيا الانقلابات العسكرية، من وقوع انقلاب يطيح به ويبدد أحلامه، أو اندلاع «ربيع» جديد يضاعف معاناة تركيا.

خصوصا إذا ما ألقى بظلاله على دولة جوار أخرى بوزن الجار الإيرانى، الذى سرعان ما ستنتقل العدوى الثورية منه إلى تركيا، التى يكون بوسع كواهلها المثقلة بالأعباء تحمل التبعات المرهقة لأية أعاصير أو تداعيات «ربيعية» موجعة.

من رحم تلك المخاوف والهواجس، تداعى التحول المثير فى الموقف التركى ما بين تأييد الانتفاضات الشعبية العربية قبل سنوات، ومؤازرة النظام الإيرانى اليوم فى مواجهة الاحتجاجات التى يراها فتنة ومؤامرة من تدبير الأعداء، فى الوقت الذى تصدر صحيفة «ينى أكيت» التركية أولى صفحاتها بعبارة: «إذا نجحت المؤامرة الغربية الحالية ضد إيران، فستكون تركيا هى الهدف المقبل».

“الشروق ” المصرية