aren

عندما تصبح الصين «أشطر» من أميركا \\ كتابة : توماس فريدمان
الخميس - 16 - نوفمبر - 2017

 

 

هناك مقولة تقول: «عندما لا تعرف على أين أنت ذاهب، فإن أي طريق ستوصلك إلى هناك»، وهي تلخِّص بشكل جيد التباين الموجود بين الرئيس الصيني «شي جين بينج» والرئيس الأميركي دونالد ترامب.

فـ«شي» كان بارعاً في اللعب ضد ترامب، حيث أغدق عليه الثناء والتنازلات التجارية قصيرة المدى وصرف انتباهه عن الاختلالات التجارية البنيوية مع الصين، وبالتوازي مع ذلك، يُبقي «شي» عينيه مركَّزتين على الجائزة طويلة المدى المتمثلة في جعل الصين عظيمة من جديد.

وفي الأثناء، يروِّج ترامب لكل انتصار صغير باعتباره تاريخياً ويسلك أي طريق تمنحه شعوراً جيداً وانتشاء سريعاً، ولكن ترامب وخلافاً لـ«شي»، لم يفكر في الأسئلة الكبيرة التي يبدأ أي زعيم يومه بها: ما العالم الذي أعيش فيه؟ وما أكبر الاتجاهات في هذا العالم؟ وكيف يمكن أن أعدِّل اتجاه بلدي حتى يستطيع عدد أكبر من المواطنين الاستفادة لأكبر قدر ممكن من هذه الاتجاهات والتخفيف من أسوأها؟

ولكن ما العالم الذي نعيش فيه؟ إنه عالم نمرّ فيه من ثلاثة «تغيرات مناخية» في وقت واحد، فنحن نمرّ من تغير في المناخ الحقيقي: تغير تتسارع فيه الأحداث المناخية المدمرة وتدهور الأنظمة البيئية بشكل مطرد. ونمرّ من تغير في «مناخ» العولمة : من عالم مترابط إلى عالم يعتمد بعضه على بعض، ومن عالم الجدران، حيث يبني المرء ثروته عبر جمع الموارد، إلى عالم الشبكات، حيث يزدهر المرء عبر ربط مواطنيه بأكبر تدفق للأفكار والتجارة والابتكار والتعليم.

وأخيراً، نمرّ من تغير في «مناخ» التكنولوجيا والعمل: فالآلات أخذت تكتسب كل الحواس الخمس، ومع البيانات الكبيرة والذكاء الاصطناعي، بات باستطاعة كل شركة اليوم تحليل وتحسين واستشراف وتكييف ورقمنة وأتمتة مزيد من الوظائف والمنتجات والخدمات، والشركات التي لا تفعل ذلك، ستختفي وتندثر.

ولكن كيف ترد الصين على كل هذه التحولات؟ بخصوص التغير في المناخ، تستثمر الصين بشكل كبير جداً في الطاقة النظيفة والمركبات الكهربائية – لأن شعبها لن يستطيع التنفس إنْ هي لم تفعل، ولأنها تدرك أنه في عالم سيزداد عدد سكانه بمليار نسمة إضافية بحلول نحو العام 2030.

فإن الطاقة النظيفة وفاعلية الطاقة ووسائل النقل ستكون هي الصناعة العالمية العظيمة التالية، وإلا فلا أحد في أي مكان في العالم سيستطيع التنفس، ورداً على العالم الأكثر ترابطاً، تعمل الصين على تعميق علاقاتها مع كل الأسواق الآسيوية التي تنمو بسرعة حولها من خلال مشروع «حزام واحد، طريق واحد» وبنكها «بنك التنمية الآسيوي»، بينما تسيطر بإحكام على سوقها الخاصة، وهو ما أُسميه «العولمة لي، ولكن ليس لك».

ذلك أنه بينما تشيد الصين بالعولمة، فإنها تفرض رسوماً جمركية قدرها 25 في المئة على السيارات المستوردة ومشاريع مشتركة ونقل التكنولوجيا على الشركات الكبيرة التي تريد الوصول إلى سوق الصين العملاقة.

أما بخصوص التكنولوجيا، فإن الصين تنكب على مخطط يدعى «صنع في الصين 2015» يستثمر الأموال والبحوث الحكومية لتسويق 10 صناعات استراتيجية ووضع قوانين وسرقة الملكية الفكرية من الخارج لجعلها تنمو بسرعة.

هذه الصناعات تشمل المركبات الكهربائية، والمواد الجديدة، والذكاء الاصطناعي، والدوائر الإلكترونية المتكاملة، والصيدلة البيولوجية، والحوسبة الكمية، واتصالات الهاتف المتحرك والجيل الخامس من شبكات الاتصال، والروبوتات.

ولكن ماذا عن ترامب؟ بخصوص تغير المناخ، يشجّع ترامب الفحم على الطاقة النظيفة، مثل طاقة الرياح أو الشمسية، كما عيّن أشخاصاً معروفين بإنكارهم لتغير المناخ في كل المناصب البيئية المهمة، وبينما تدار الصين من قبل مهندسين، فإن ترامب ليس لديه مستشار علمي.

وبخصوص العولمة، مزّق ترامب اتفاقية «الشراكة عبر المحيط الهادي»، التي كانت ستضعه على رأس تكتل تجاري من 12 دولة (من دون الصين)، مبني على القيم والمصالح الأميركية، وكانت ستزيل 18 ألف تعرفة على الصادرات الأميركية إلى بلدان تسيطر، مع الولايات المتحدة، على 40 في المئة من الناتج المحلي الخام العالمي.

أما بخصوص تغير مناخ التكنولوجيا، فإن ترامب يدفع بمشروع قانون خاص بالضرائب لا يستند إلى تحليل للتكنولوجيات الصاعدة ، وكيف يمكن أن نصلح قوانينا الضريبية من أجل تحفيز مزيد من الاستثمار فيها، بل إن مشروع القانون سيقضي، في حال تمريره، على الائتمان الضريبي بالنسبة للسيارات الكهربائية والذي يبلغ 7500 دولار، وسيقلّص الائتمانات الضريبية المهمة جداً لدعم وتشجيع مشاريع الطاقة الريحية، وسيفرض ضريبة على أوقاف أغنى كلياتنا، أوقاف تستخدمها كلياتنا حالياً من أجل تمويل البحوث وتقديم المنح للطلبة المحتاجين.

وشخصياً، لستُ مقتنعاً بأن السياسة الصناعية الصينية، المصممة من الأعلى إلى الأسفل، ستجعل الصين عظيمة من جديد، ذلك أنها خلقت تحديات ضخمة بخصوص الديْن الداخلي تتعلق بصناعاتها المملوكة للدولة وفقاعات قطاعها العقاري.

بل إنني متأكد من أن نظامنا الاقتصادي أفضل من نظامها الاقتصادي – نظرياً، غير أن الصين، وبفضل قدرتها على التركيز، تحصل على 90 في المئة من أهداف نظامها، ما جعلها تشق طريقها بثبات. بينما نحصل نحن – لأننا غير مركزين – على 50 في المئة من أهداف نظامنا الأفضل. وإذا استمر ذلك، فلا شك أنه سيؤثر على ميزان القوة.

والآن بتم تعرفون لماذا كان الصينيون سعداء جداً لتخصيص ذلك الاستقبال الحار لترامب في بكين.

“الاتحاد” الاماراتية