aren

عندما تصبح الدولة «صيدة»؟! \\ كتابة : د. نصر محمد عارف
الإثنين - 30 - أكتوبر - 2017

 

 

حمد بن جاسم في برنامج “الحقيقة” على تلفزيون قطر

 

منذ سبع سنين والعالم العربى يغوص فى بحار من الرمال المتحركة ، تبتلع أقدامه فيتعثر سيره ، وتحيطه بحار من سراب فتضلله فيفقد الوجهة والاتجاه ، وتصم آذانه أصوات الأفاقين والنصابين والعيارين والشطار، تمنيه بالنعيم المقيم ، والجنة الموعودة إذا سار وراء صوت «النداهة» الساحرة الشريرة .

العالم العربى تائهٌ فى صحراء الجهل والخرافة والتخدير بشعارات من تلبيس إبليس، يجيدها عدماء الدين، تجار الدين القابعون خلف أسوار الفنادق والقصور، ينعِّمون أبناءهم، ويصرخون فى الفقراء أن يدفعوا بفلذات أكبادهم لجحيم الحروب تحت شعارات دينية براقة، ووعود خرافية لا يصدقونها هم ، وإلا لكانوا فى طلائع الثوار وفى قلب المعارك.

فى العالم العربى تلتقى المتناقضات ويجتمع النقيضان فى كينونة واحدة ، يعانق الملاك الشيطان فى قلب رجل واحد، ويلقب المغامر والمقامر بألقاب الحاكم والوزير، ويستحيل على بسطاء الناس التمييز بين الحرامى والغفير، أو بين اللص السارق والحارس الأمين.

يخرج علينا رجل الدولة صاحب المناصب الرفيعة ويتكلم بلغة المغامر المقامر، أو بلغة البدائى الجلف، ويخلط بين وظيفة السياسي، ووظيفة الصياد. بل إنه يخلط بين دور الحاكم والوزير تذوب على لسانه الفوارق بين الإنسان والحيوان، ولا تعرف ماذا يقصد بكلامه وتشبيهاته، وهل هذه لغة سياسية جديدة؟

وفى أى عالم نعيشة هل نحن فى مجتمعات إنسانية راقية متحضرة، أو فى مجتمعات بدائية متوحشة مشغولة مهمومة بالصيد والطرائد، ولا ترى الكون إلا صائدا ومصطادا؟ حالة من العبثية تجعل الحليم حيران، والعاقل يوشك أن يرتدى قميص الجنون فى أى عصر وفى أى كون نعيش نحن العرب؟. كان حوار الشيخ حمد بن جاسم آل ثانى رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها السابق مع التلفزيون الرسمى لدولته ، لحظة كاشفة لمدى قبح الواقع العربى الذى نعيشه اليوم .

حوار صريح إلى أبعد مدى من حيث الموضوعات التى كان معداً نفسه ليتكلم فيها دون حاجة لسؤال ممن كان من المفترض أن يحاوره، كان حواراً كاشفاً لطبيعة رجل الدولة الذى يضع نفسه فى موقع أعلى من الآخرين، ويعطى نفسه الحق أن يفكر لهم، ويختار لهم، ويقرر لشعوبهم من يحكمهم، وكيف يحكمهم.

لقد كان الشيخ حمد بن جاسم الصانع الحقيقى لسياسة دولته ومواقفها من الدول العربية الأخري، وكان يعامل حكام باقى الدول العربية على أنهم تلاميذ فى مدرسته، ويتعامل مع الشعوب العربية باعتبارهم من الأيتام الذين لم يبلغوا الحلم، وأنهم تحت وصاية سموه ورعاية دولته، جاء حديث الشيخ حمد بن جاسم ليقدم للعالم فضيحة من العيار الثقيل رجل دولة يعترف صراحة بأنه تدخل فى شئون العديد من الدولة ثم بعد ذلك يقدم تبريرات ومسوغات ساذجة لا يقبل بها عقل طفل.

كان أخطر ما جاء فى حديث الشيخ حمد بن جاسم ما قاله عن سوريا، وكيف أن قطر بالتعاون مع تركيا وتحت رعاية الأمريكان كانت تمول وتسلح التنظيمات المسلحة التى دمرت بلدها، وإرتكبت من الفظائع ما لا يمكن تبريره تحت أى حجة ثورية أو دينية، وما لا يبرره طغيان الرئيس السورى ونخبته وإدارته، ولا فسادهم ولا قهرهم، لأن الإجرام لا يمكن تبريره بإجرام سابق.

لقد اعترفت حكومة قطر على لسان رئيس وزرائها السابق بأنها تدخلت لتغيير نظام الحكم فى سوريا، وقدمت التمويل لكل شذاذ الآفاق، ولكل العصابات الإجرامية من كل العالم . لتدمير بلد عربى كبير، فى حقيقته يمثل أول حضارة العرب، وأولى دولهم، ورمز مجدهم بغض النظر عن الجالس فى قصر الحكم فيه .

قطر وتركيا دمرتا سوريا حقيقة يعترف بها الشيخ حمد بن جاسم ، ولكن ليس هذا هو بيت القصيدة ما هى سوريا فى نظر الشيخ حمد؟ هل هى دولة عربية شقيقة؟ هل هى دولة أصلا؟ هل فيها بشر؟ هل يوجد فيها إنسان واحد يستحق أن يعامل كإنسان؟ هل تدخلت قطر لإنقاذ شعب؟ وتحقيق حلم ثورة؟ أم لرفع الظلم عن الإنسان؟.

يقول الشيخ حمد بن جاسم إن كل ذلك لا وجود له ، إن سوريا فى عقل وفكر الشيخ حمد بن جاسم هى «صيدة» يعنى سموه خارج للصيد فى البرارى ، ورأى أرنبا برياً أو غزالة أو أى حيوان يريد أن يحصل عليه فأراد أن يصطاده هذه هى سوريا.

بعبارة الشيخ حمد بن جاسم وهو يصف خلاف قطر مع السعودية حول سوريا بقوله «احنا تهاوشنا على الصيدة، وفلتت الصيدة واحنا قاعدين نتهاوش عليها» بكل تاريخها وعظمة شعبها بكل حضارتها من «نوبيا» أول ملكة فى تاريخ العرب الأنباط إلى حضارة الرومان ثم الأمويين والأيوبيون..الخ.

كل ذلك التاريخ العظيم، والحضارة الرائعة والإنسان الأروعة ، كل ذلك عند هذا البدائى ، هو «صيدة» كان يتمنى الحصول عليها، وبعد أن ربطها فى حبله، تهاوش أو «تعارك» مع زميله فى الصيد، فلتت أى هربت الصيدة سوريا . صيدة فلتت من شباك الشيخ حمد بن جاسم، أو من شباك قطر.

كان الشيخ حمد وقناته الإخبارية «الجزيرة» يسمونها سوريا الثورة، وفلت لسانه، أو نطق بالحقيقة تحت ضغط الحالة النفسية المتوترة التى كان فيها، وخانته اللغة الدبلوماسية ، فأعطاها اسمها الصحيح، وهو «صيدة» .

وهنا يحق لمن أراد أن يفهم الواقع أن يتساءل: هل سوريا ثورة أم «صيدة»؟  وبالتالى هل مصر وتونس وليبيا واليمن ثورات أم «صيدٌ فى شباك الشيخ حمد بن جاسم؟» . أظن أن الجميع كان صيدا فى الشباك بعضه فلت، والبعض مازال مستمتعا بأقفاص الصيد فى حدائق حيوانات قطر وتركيا.

“الاهرام “