aren

عقيدة ترمب فى الشرق الأوسط \\ مارتن إنديك
الأحد - 6 - مايو - 2018

 

\ التجدد \ اعداد – قسم الترجمة الخاصة –

 

الرئيس الامركي ” دونالد ترمب” يتحدث بقاعة الاستقبال الدبلوماسية بالبيت الأبيض يوم الجمعة ، 13 أبريل ، 2018 ، في واشنطن ، حول الرد العسكري الأمريكي على الهجوم السوري (المزعوم) بالأسلحة الكيميائية في 7 أبريل.

مساء يوم الجمعة 13 نيسان \ إبريل 2018 ، كانت أول أزمة تواجه جون بولتون كمستشار للأمن القومى للرئيس ترامب منذ تسلمه لمهام عمله قبل ثلاثة أيام فقط ، حيث كان يقف بولتون وراء الكاميرات فى غرفة الاستقبال الدبلوماسية بالبيت الأبيض، بينما ألقى رئيسه الجديد خطابا للأمة يشرح فيه « لماذا كانت الطائرات والصواريخ الأمريكية والبريطانية والفرنسية تهاجم أهدافا مرتبطة ببرنامج سوريا للأسلحة الكيماوية ؟ ».

قرأ ترمب من جهاز الملقن ، وهو يقف أمام صورة لجورج واشنطن ، محاطا حول كل كتف له ، بتمثال صغير من البرونز لنسر أميركي بأجنحة مرفوعة ، وباقة من ورود صفراء وبيضاء. هنا كانت الرمزية واضحة ، من البيت الأبيض الحازم حتى أزهار الربيع .

عندما قدم ترمب ما بدا ، وكأنه نص تم التفاوض عليه بعناية ، كان بولتون يحقق نسخة من تصريحات رئيسه مع قلم حبر ، كما لو كان يفحص ما إذا كان – ترمب- سيظل صادقا مع نصه.

 

مستشار الأمن القومي “جون بولتون” يستمع إلى الرئيس دونالد ترمب في قاعة الاستقبال الدبلوماسية بالبيت الأبيض يوم الجمعة ، 13 أبريل / نيسان 2018 ، في واشنطن .

بالطبع ، كان الخطاب يتضمن بعض الكلمات «الترمبوبة» الكلاسيكية ، ومنها : الحديث عن بشار الأسد ، والاقتصاد الأمريكي باعتباره «الأعظم والأقوى … فى تاريخ العالم » ، وأمل ترامب المستمر فى « أن تصبح الولايات المتحدة الأمريكية على وفاق مع روسيا».

وجاء نص الخطاب كما يلى : ” رفاقي الأمريكيين ، يوم الثلاثاء ، شن الديكتاتور السوري بشار الأسد هجوما مروعا بأسلحة كيميائية على مدنيين أبرياء باستخدام غاز الأعصاب القاتل ، انتزع الأسد أرواح رجال ونساء وأطفال لا حول لهم ولا قوة . كان موتا بطيئا ووحشيا بالنسبة للكثيرين، حتى الأطفال قتلوا بوحشية في هذا الهجوم الهمجي للغاية. لا يجب أن يعاني أي من أطفال الرب مثل هذا الرعب أبدا.

الليلة أمرت بتنفيذ ضربة عسكرية محددة الهدف في سوريا على المطار، الذي شن منه الهجوم الكيميائي. إن من مصلحة الأمن القومي الحيوية للولايات المتحدة منع وردع انتشار واستخدام الأسلحة الكيميائية القاتلة.  ليس هناك أدنى شك في أن سوريا استخدمت أسلحة كيميائية محظورة، وانتهكت التزاماتها المنصوص عليها في معاهدة الأسلحة الكيميائية ، وتجاهلت دعوات مجلس الأمن الدولي.

لقد فشلت سنوات من المحاولات السابقة لتغيير سلوك الأسد، وقد فشلت فشلا ذريعا، ونتيجة ذلك لا تزال أزمة اللاجئين تتفاقم ، ولا يزال استقرار المنطقة يتزعزع ويهدد الولايات المتحدة وحلفاءها.

الليلة ، إنني أدعو كل الدول المتحضرة إلى الانضمام إلينا في السعي إلى إنهاء المجزرة وسفك الدماء في سوريا والقضاء على الإرهاب بكل أنواعه وأشكاله. نسأل الله أن يعطينا الحكمة في الوقت الذي نواجه فيه تحدي عالمنا المضطرب جدا. نصلي من أجل حياة الجرحى ونفوس أولئك الذين قضوا، ونأمل أنه طالما أن أمريكا تنتصر للعدالة، فإن السلام والوئام، سيسودان في النهاية”.

تصريحات ترمب بأنه تم تدمير مركز للبحث والتطوير فى مجال الأسلحة الكيميائية ، ومرفقين اثنين من مرافق التخزين لتقليل قدرات الأسد وليس القضاء عليها ، وإرسال إشارة بأن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين ، لن يتسامحوا مع استخدام أسلحة الدمار الشامل. لم يتم استهداف أي أهداف أخرى للنظام، ولم يتم تدمير أي طائرة سورية، ولم يتم تهديد أي قواعد روسية أو إيرانية ، ولم يتم اختراق أي منطقة دفاع جوي روسية. كانت ، كما وصفها وزير الدفاع “جيمس ماتيس” بعد ذلك ، “تسديدة لمرة واحدة”.

كقائد عام للقوات المسلحة ، وفى ظل وجود بولتون ” المتطرف المحب للحروب” ، كان من الممكن أن يصر ترمب على شن هجوم أكبر. ولكن قراره بعدم القيام بذلك ، أكد على الرسالة المستترة فى خطابه يوم الجمعة 13 نيسان ، ألا وهي عقيدته تجاه الشرق الأوسط ، والتحول نحو فك الارتباط به.

“لا يمكننا تطهير العالم من الشر، أو التصرف واتخاذ إجراءات ضد الطغيان والسلطوية في كل مكان فى العالم” ، هكذا قال ترمب، في تناقض صارخ مع “جون كنيدي” ، والذي كان مبدأه ” دفع أي ثمن ، تحمل أي عبء … لضمان بقاء ونجاح الحرية” . بدلا من ذلك ، نجد أن ترمب عازما على تقليص دور الولايات المتحدة وانخراطها في المشكلات العالمية ، والحد من التزاماتها ، قائلا :” لا يمكن لأي قدر من الدماء الأمريكية أو الثروات أن تؤدي إلى سلام وأمن دائمين في الشرق الأوسط ، إنه مكان مضطرب. نحاول جعله مكان أفضل” ، ولكنه ظل يكرر: ” الشرق الأوسط مكان مضطرب”.

أن ترمب يروج الآن ويؤكد على أن ” الشرق الأوسط مكانا مضطربا”، ومن الواضح أنه لم يعد منطقة استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة للاستثمار فيها . من خلال استخدامه للقوة الأمريكية ، كان ترمب ينوي إنشاء رادع قوي ضد استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية ، لأنه أعلن أنها ” مصلحة أمنية وطنية حيوية للولايات المتحدة” ، ولكن هذا الاهتمام الحيوي سيظل محددا بشكل ضيق ، وعلى النقيض من ذلك ، فإن ” مصير المنطقة” ، يكمن فى أيدي شعوبها – كما قال ترمب –

وبعبارة أخرى ، لن يكون هناك جهد لإسقاط الأسد، أو أي طاغية شرق أوسطي آخر ، ولكن من أجل حماية الشعب الأمريكي، سوف يكمل ترمب فى تدمير داعش بسوريا ، ” انما باستخدام قوة صغيرة” ، ولكن الأمر متروك لأصدقاء أمريكا الإقليميين    من أجل “ضمان عدم استفادة إيران من القضاء على داعش”، في الواقع صرح ترمب قائلا : ” لقد طلبنا من شركائنا فى الشرق الأوسط تحمل مسؤولية أكبر لتأمين منطقتهمالأصلية ” ، فقد تحملت الولايات المتحدة الكثير ، وأخذت بزمام الأمور فى منطقة الشرق الأوسط للحد من المكاسب ، التي حققتها إيران بالهيمنة على المنطقة ، كما وجه انتقادات لاذعة في الملف النووي الإيراني ، وأعلن ك(اتفاق ضمني) ، أن مبدأه وعقيدته تجاه الشرق الأوسط ، ستكون مشابهة لمبدأ الرئيس أوباما ، أي اتباع سياسة الانسحاب التدريجي من منطقة الشرق الأوسط.

إن منتقدى ترمب ، الذين يزعمون أن ضرب منشآت الأسلحة الكيميائية السورية ، يجب أن يكون جزءا من استراتيجية أوسع، يبدو أنهم لم يفهموا رسالة ترمب، ربما تخيلوا أنهم يمكنهم أن يدفعوه إلى تبني جهد أكثر طموحا لإعادة تشكيل سوريا والمنطقة ، لكن ترمب لديه بالفعل استراتيجية فى الشرق الأوسط ، قد تكون ليست الاستراتيجية المفضلة بالنسبة لهم ، وربما أيضا قد لا تكون الاستراتيجية المفضلة بالنسبة لبولتون.

سوف يقوم ترمب بإحتواء كل شركاء أمريكا فى الشرق الأوسط ، الأوتوقراطيين والديمقراطيين على حد سواء ، ويبيع لهم كل الأسلحة ، التي يستطيعون تحمل تكاليفها ، ولكن تبقى مهمتهم لوحدهم ، هي تحمل أعباء التعامل مع هذا المكان المضطرب.

لقد أوضح ترمب أنه فى حالة استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيماوية مرة أخرى ، فانه سوف يتم توجيه ضربات عسكرية مرة أخرى ، ولكن إذا أراد الأسد الاستمرار فى ذبح شعبه بالأسلحة التقليدية ، فالأمر متروك للآخرين للتعامل معه ، أي ان “مصير المنطقة يكمن في أيدي شعوبها” ، وليس فى يد ترمب.

لقد أعلن ترمب في يوم 29 آذار \ مارس ، عن نيته فى مغادرة سوريا، معلنا عن أن القوات الأمريكية ، ستغادر سوريا قريبا جدا ، قائلا : ” لندع الآخرين يعتنون بها” ، أعلن ترمب ذلك بوضوح أمام حشد من أنصاره في ولاية أوهايو .

لكنه ، أوضح بالفعل نواياه في سوريا، على مدى العام الماضي ، عندما تجنب مرارا مساعدة إسرائيل ــ أقرب حليف لأمريكا في الشرق الأوسط ــ

لقد حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مرارا وتكرارا ، طلب مساعدة ترمب في تأسيس خطوط حمراء في سوريا ، ضد إنشاء إيران لقاعدة جوية ومصانع لصواريخ موجهة بدقة ، لإيصالها إلى حزب الله ، وتجاوز مرتفعات الجولان من قبل الميليشيات المدعومة من إيران.

بدلا من ذلك، اضطر نتنياهو إلى السفر سبع مرات إلى موسكو ، ليطلب من بوتين المساعدة ، التي لم يستطع تأمينها من ترمب، لكن في ظل غياب مشاركة ترمب ، ليس لدى بوتين أي مصلحة بتحدي شريكه الإيراني في استعادة الأسد السيطرة على المناطق التي كان يسيطر عليها المتمردون ، وبالتالي فإن نداءات بيبي ، قابلتها آذان صماء من قبل بوتين.

الامر الذي ترك لإسرائيل أن تفرض خطوطها الحمراء ، من خلال مهاجمة المنشآت والقوافل الإيرانية ، والآن فإن وعود طهران بالانتقام تزيد من التوترات ، وهناك مواجهة شاملة تلوح فى الأفق ، يمكن أن تغمر لبنان أيضا ، وإذا ماحدث ذلك ، فسيكون بالاعتماد على تشجيع ترمب لاسرائيل من على الهامش ، وبذلك سوف يصبح المكان المضطرب ، أكثر تعقيدا.

وبالمثل ، يعمل ترمب فى اليمن على مساعدة صديقه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للخروج من المستنقع ، حيث يوفر له كل الأسلحة والمخابرات التي يمكنه أن يستخدمها ، لكن لن يكون هناك أي تدخل دبلوماسي أمريكي لتعزيز التسوية السياسية ، والتي قد تساعد السعودية على صياغة استراتيجية خروج ضرورية لإنهاء الأزمة الإنسانية.

ومن الذي يستفيد في هذه الأثناء؟ بطبيعة الحال ، إيران ، والتي من خلال تزويدها للمتمردين الحوثيين بالصواريخ والأسلحة، تبني موقع نفوذها على الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية، دون أي تكلفة على نفسها.

علينا ألا نتخيل ، بأن جون بولتون سيكون قادرا على تغيير عقيدة ترمب ، وتوجهه الجديد نحو فك الارتباط بمنطقة الشرق الأوسط ، وترك مسؤولية حماية أمن واستقرار المنطقة “المضطربة” لحكامها وشعوبها.

بالفعل ، ربما أراد – بولتون – هجوما أكثر قوة ، وربما أراد إثارة مواجهة مع روسيا ، ولكن فحصه لنص ترمب في غرفة الاستقبال الدبلوماسية ، هو صورة تحكي ألف كلمة ، حيث كان يتأكد من تقديم مبدأ ترمب بدقة ، لفك الارتباط عن الشرق الأوسط.

 مجلة آتلانتيك – The Atlantic

https://www.theatlantic.com/international/archive/2018/04/trump-syria-middle-east/558053/

………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………….

مارتن انديك – Martin Indyk

السفير الأمريكي لدى إسرائيل لفترتين امتدتا من (نيسان \ أبريل 1995 إلى أيلول \ سبتمبر 1997 ) ومن (كانون الثاني \ يناير 2000 إلى تموز \ يوليو 2001) . عيّنه الرئيس الأمريكي بيل “كلينتون” ، مبعوثا للسلام في الشرق الأوسط في تموز \ يوليو عام 2013.

حاليا ، هو نائب الرئيس التنفيذي ومدير السياسة الخارجية في معهد “بروكينغز” بالعاصمة “واشنطن” ، وهو عضو في جماعة الضغط اليهودية (ايباك) بالولايات المتحدة . يعتبر إنديك السفير الأمريكي الوحيد الذي ولد لأصول أجنبية (بريطانيا) وعمل كسفير في إسرائيل . حصل على الجنسية الأمريكية عام 1993.

وهو معروف بانه ، واضع سياسة الولايات المتحدة ل”لاحتواء المزدوج ” في الفترة التي سعت خلالها امريكا إلى “احتواء” العراق وإيران ، وكان ينظر إلى هاتين الدولتين على أنهما الخصمان الإستراتيجيان ، الأكثر أهمية للولايات المتحدة في ذلك الوقت.