aren

عفرين تخلط أوراق اللعبة \\ كتابة : محمد نور الدين
السبت - 27 - يناير - 2018

 

 

بدأت تركيا في العشرين من شهر يناير/‏كانون الثاني الجاري، عملية في منطقة عفرين السورية، لمحاربة قوات الحماية الكردية التي يشكل حزب الاتحاد الديمقراطي السوري الكردي، المؤيد لحزب العمال الكردستاني، عصبها الأساسي.

والعملية التي أطلق عليها الأتراك اسم «غصن الزيتون»، كان يُحضّر لها منذ أشهر بل أكثر. والهدف الأساسي هو تنظيف المنطقة من وجود المقاتلين الأكراد، وإخضاعها للسيطرة التركية والفصائل المتحالفة معها، مثل الجيش السوري الحر.

وترى تركيا أن عفرين كانت محطة ثانية لا بد منها، لقتل أية إمكانية لإقامة «كوريدور» كردي، يمتد من الحدود السورية مع العراق، وصولاً إلى سواحل البحر المتوسط. وكان كسر هذا «الكوريدور» هدفاً رئيسياً لعملية «درع الفرات» التركية، التي بدأت في 24 أغسطس/‏آب 2016، وانتهت بسيطرة الجيش التركي على مثلث جرابلس إعزاز الباب، داخل سوريا، وحال دون تقدّم القوات الكردية من مدينة منبج إلى مقاطعة عفرين، في أقصى الشمال الغربي من الأراضي السورية مع تركيا.

ومن بعد ذلك أرادت تركيا أن توسع نطاق «الأمان» ضد محاولات إنشاء حزام أمني كردي داخل سوريا، على الحدود مع تركيا. وكانت عفرين هي الخطوة التالية. وبالعملية الحالية ضد عفرين تريد تركيا:

1- أن تضعف القوات الكردية في سوريا المؤيدة لحزب العمال الكردستاني.

2- توسيع إمكانية منع تمدد «الكوريدور» الكردي حتى البحر المتوسط، بحيث إن إخراج المقاتلين الأكراد من هناك، يجعل المنطقة الممتدة من جرابلس إلى البحر المتوسط، خاضعة لتركيا بالكامل، ما عدا شريط سوري في منطقة كسب، وصولاً إلى الساحل المتوسطي.

3- إقامة شريط أمني داخل سوريا على امتداد الحدود مع تركيا، بعمق لا يقل عن ثلاثين كيلومتراً، قد يزيد أو ينقص تبعاً للطبيعة الجغرافية.

لكن هذا لن يكفي طموحات تركيا، فقد أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف التالي للعملية بعد عفرين، هو السيطرة على مدينة منبج، ومن بعد ذلك مناطق شرق الفرات، وصولاً إلى الحدود العراقية.

من هذه الأهداف نجد أن العملية مفتوحة وطويلة المدى، وتواجه مساراً عسكرياً ودبلوماسياً شائكاً.

فالقوات الكردية رفضت تسليم عفرين إلى الجيش السوري، وإدارتها من قبل الدولة السورية، وأعلنت أنها ستقاتل ضد الجيش التركي حتى «النصر أو الاستشهاد». وهذا قد يفتح على تطورات عسكرية غير متوقعة، وبالتأكيد على عدد كبير من القتلى العسكريين والمدنيين في صفوف الطرفين.

إذا كانت أنقرة قد نجحت بالحصول على ضوء أخضر من روسيا، للقيام بالعملية في عفرين، وعلى غض نظر من طهران، وعلى معارضة مبدئية من دمشق، وهو ما سهّل مهمة الأتراك، فإنه في منبج توجد إلى جانب القوات الكردية قوات أمريكية.

وإذا كانت المقايضات بين عفرين وإدلب عنوان الصفقة التركية الروسية، فإنه من غير المعروف ما إذا كانت المقايضات ستكون أيضاً عنوان الاشتباك التركي الأمريكي المقبل في منبج، وبالتالي بداية تصحيح العلاقات التركية الأمريكية، أم بالعكس، يدخل الطرفان في مواجهة هي الأولى من نوعها.

وإذا كانت منبج الامتحان الأول لهذه العلاقات، فكيف يمكن بعدها لأردوغان أن يواصل «زحفه» إلى شرق الفرات وحدود العراق، حيث الوجود الأمريكي الأساسي، بل وفقاً لوسائل إعلامه إلى حدود إيران؟ خصوصاً في ظل الدعوة لاستبدال «الكوريدور» الكردي من حدود إيران إلى الساحل المتوسطي، بكوريدور تركي.

ستترك عملية عفرين تأثيرات عميقة في العلاقات بين أكثر من طرف. أول المتضررين منها، العلاقات الروسية مع الأكراد، حيث كانت عفرين محمية إلى الأمس إلى حد ما، بقوة الاعتراض الروسي على التدخل التركي، لكن اليوم يحمّل الأكراد روسيا «خيانة» القضية الكردية.

تزيد العملية والموافقة الروسية من التقارب التركي مع روسيا، التي أصبح رئيسها فلاديمير بوتين، زعيماً محبوباً في تركيا، وسينعكس ذلك ضغطاً تركياً على المعارضات، للمشاركة في اجتماع سوتشي بعد أيام قليلة، لكن أيضاً سيدخل الشك العلاقات الكردية مع الولايات المتحدة.

فواشنطن تخلت عن دعم الأكراد في عفرين، بذريعة أنها تقع خارج نطاق عملياتها. وما كان بالطبع على الأكراد أن يثقوا بواشنطن. فتخلّي أمريكا عن أكراد العراق في استفتاء الانفصال، كان درساً يفترض بأكراد سوريا أن يتعلّموه، وأن يتوقعوا أن يكونوا ضحية السياسات الأمريكية في المنطقة.

لا تخسر الولايات المتحدة كثيراً في عفرين، خصوصاً أنها قادرة على إرضاء تركيا بأكثر من طريقة، وتركيا ترسل الرسائل اليومية لتصحيح العلاقات مع واشنطن. الثابت الوحيد أن الأكراد السوريين هم الخاسر الأكبر في لعبة الذئاب الإقليمية والدولية.

“الخليج”