aren

عزلة سوريا عربيا بين اتجاهين \\ كتابة : د. حسن أبو طالب
الإثنين - 25 - أكتوبر - 2021

الثابت أن غياب سوريا عن الجامعة العربية وعزلتها عن غالبية أعضائها كانت لهما ومازالت تداعياتهما السلبية على الطرفين. والثابت أيضا أن إصلاح هذا الموقف يصطدم بعدة عقبات، منها ما هو إجرائى مرتبط بميثاق الجامعة العربية، ومنها ما هو سياسى بأبعاده الدولية والعربية، والأهم الأبعاد السورية ذاتها، والخطوات التى على الحكومة السورية الوفاء بها، جنبا الى جنب مسئولية أطراف المعارضة السورية غير المسلحة والمنخرطة فى عملية التسوية برعاية الامم المتحدة فى إنهاء العلاقات غير الوطنية مع دول لا ترضى الخير لسوريا، وإعطاء الأولوية لإنقاذ الشعب السورى وإخراجه من المحنة التى يعيش فى ظلها. وقد ارتبط الحديث عن عودة سوريا للجامعة العربية واستعادة العلاقات الطبيعية مع العرب والعروبة فى الأعوام الثلاثة الماضية بالفترة التى تشهد ترتيبات عقد قمة عربية، حتى ما قبل وباء كوفيد, 19، والذى أدى إلى تأجيل القمة العربية، ـ والمقرر عقدها فى الجزائر ـ إلى مارس من العام المقبل.

والآن يُثار الأمر ذاته، ويُطرح السؤال الصعب هل ستُدعى سوريا إلى القمة، أم علينا الانتظار لاتخاذ قرار إيجابى فى القمة ذاتها حال انعقادها، ثم إتاحة المجال لاحقا لسوريا للعمل تحت مظلة الجامعة العربية بصورة طبيعية. وفى كل الأحوال فالمطلوب أن يكون هناك توافق عربى جامع على إنهاء تجميد عضوية سوريا. ويبدو أن الأمر لم يصل بعد إلى هذا التوافق الجامع، وأن جهودا حثيثة لابد أن تُبذل أولا، إذ هناك اتجاهان سائدان فى العالم العربى؛ الأول يرى أن إنهاء التجميد يتطلب أن تكون هناك خطوات جادة على طريق الإصلاح السياسى الشامل فى الداخل السورى، وأبرز علاماته التجاوب مع متطلبات القرار الدولى 2254، وعملية التسوية التى تتم برعاية الأمم المتحدة لاسيما اللجنة الدستورية المُناط إليها وضع دستور جديد، تنشأ على أساسه دولة المؤسسات والقانون والحريات والمواطنة لكل السوريين بغض النظر عن اختلافاتهم العرقية والدينية والمناطقية، وبما يؤكد أن سوريا على أعتاب مرحلة جديدة عنوانها الإصلاح الشامل وبناء مجتمع سياسى سورى جديد ومتوازن، وبالتالى فهى سوريا جديدة تختلف عن تلك التى صدر قرار تجميد العضوية بشأنها.

ولعل التطورات الجارية فى الداخل السورى، من قبيل استمرار احتلال قوى أجنبية لمساحات شاسعة من الأراضى السورية، وأسلوب التفاعل الحكومى مع لجنة وضع الدستور برعاية الأمم المتحدة والذى يستهدف استنزاف الوقت دون التوصل إلى شىء محدد كما حدث فى الجولات الست التى عقدت خلال العامين الماضيين فى جنيف منذ نهاية 2019 وحتى الاسبوع المنصرم، وغياب سياسة حكومية واضحة لحماية الأكراد السوريين باعتبارهم مواطنين سوريين، وجذبهم بعيدا عمن يدعون حمايتهم ومن يهددون باحتلال مناطقهم، والأخطاء البالغة فى تعامل الأجهزة الأمنية مع الذين قبلوا التصالح مع الحكم فى الأعوام الثلاثة الماضية برعاية روسية، وإفساح مجال واسع للنفوذ الإيرانى، ــ وكلها توفر أسبابا شتى لدى أنصار التريث فى إنهاء تجميد عضوية سوريا للتمسك بمواقفهم ــ.

وتعكس هذه المواقف السورية الرسمية رؤية عامة قوامها أن النظام قد انتصر، وأن المنتصرين لا يقدمون تنازلات. أما وجود احتلالات للأراضى السورية ونهب مواردها وانتقاص السيادة فهى فى سبيلها إلى الزوال أيا يكن المدى الزمنى الذى يجب انتظاره.

الاتجاه الثانى ويمزج بين مبررات الواقعية السياسية وبين شواهد تغير فى البيئة الإقليمية والدولية ذات التأثير المباشر على توازنات الشرق الاوسط والعالم العربى. وأبرز مبررات الواقعية تتعلق بحقيقة استمرار النظام السورى رغم كل الضغوط العاتية التى تعرض لها ورغم كل التدخلات الخارجية ومنظمات الإرهاب، وبالتالى فإن فرضية سقوط النظام هى التى سقطت ولم يعد لها وجود، وكل من راهن عليها سابقا لم يجن سوى الفشل الذريع. ويتصل بذلك ضرورة الانفتاح على الحكم فى سوريا بهدف تقييد النفوذ الإيرانى المناهض للمصالح العربية. أما عن شواهد التغير فهى كثيرة أبرزها التحولات فى الاستراتيجية الأمريكية لاسيما التخفف من أعباء التدخل المباشر فى قضايا وأزمات المنطقة، والانسحاب لغرض التوجه شرقا لمحاصرة الصين، ما يجعل هناك فرصة لإنهاء تجميد عضوية سوريا باعتباره وضعا غير طبيعى، لاسيما فى ضوء بعض المواقف المرنة التى تبديها إدارة الرئيس بايدن فى مسألة الانفتاح العربى والإقليمى على سوريا دون أن يعنى ذلك تنازل واشنطن عن محاسبة النظام نظير انتهاكات حقوق الإنسان فى مراحل سابقة. وفى سياق التحولات الدولية تظهر ملامح مواقف روسية إسرائيلية مشتركة بشأن سوريا، عكستها التفاهمات بشأن ما وصف رسميا بمحاربة الإرهاب، والتى تم التوصل إليها بين الرئيس بوتين ونفتالي بينيت رئيس وزراء إسرائيل فى زيارته الأخيرة لموسكو، وتؤسس لفكرة استثمار علاقة موسكو الجيدة مع دمشق لإقناع الحكم السورى بأن يعمل على تقييد الوجود الإيرانى فى الأراضى السورية، مقابل تخفيف الضربات الإسرائيلية فى العمق السورى، وقبول تل أبيب باستمرار الرئيس بشار الأسد رئيسا للبلاد.

الاتجاهان على النحو السابق يقيدان عمليا بناء حالة توافق عربى جماعى تنهى العزلة السورية وتعيد قدرا من القوة المعنوية المفقودة للنظام الإقليمى العربى. والمفارقة هنا أن غياب هذا التوافق وفر فرصة لبعض الأطراف، عربيا ودوليا، للانفتاح المحسوب على دمشق، من قبيل فتح السفارات فى دمشق، والاتصالات الهاتفية بين قيادات عربية والرئيس السورى بشار الأسد، ومشروع نقل الكهرباء إلى لبنان عبر الأراضى السورية، وفتح المعابر البرية بين سوريا والأردن والعراق، ولقاءات بين وزراء خارجية عرب ووزير الخارجية السورى على هامش اجتماعات الجمعية العامة فى نيويورك. ورغم أهمية تلك الخطوات الانفتاحية، لكنها تظل أقل بكثير مما يعنيه إنهاء تجميد عضوية سوريا، وعودتها للعب دور مهم ورئيسى فى تفاعلات الجامعة العربية، ما يثرى تلك التفاعلات ويمنحها قوة بحاجة ملحة إليها.

“الاهرام”المصرية